ارتخاءة الشعر – 15

ارتخاءة الشعر – 15
هي قصيدة أرجعتني للمراهقة والحب والشعر!
خالد جواد شبيل
وإذ فتحتُ عيني في أول الصباح وقعت على نثرية شعرية ناعمة، أخذت مكانها في القلب مباشرة، ولعذوبتها وجدتني أقرؤها ثانية وثالثة .. فهي منسابة هادئة كأنها تمشي على أطراف أصابعها، حُلوة اللفظ منسكبة كماء ساقية ببساطة ولا تكلف، وأجد جمالها يكمن بلغة المحبين في أول شبابهم، هي خالية من الخيال والتعقيد العاطفي ومعانيها أليفة مليئة بما ألفنا بالغزل المادي، وفيها نسمات من زعيمه الفتى القريشي المترف عمر بن أبي ربيعة وفيها أيضا نفحات من نزار قباني.. هي خلطة لا تخلو من روح الشباب في عنفوانه لرجل فنان مسرحي وشاعر خطا نحو الستين أو تجاوزها بعام أو قصُر عنها بعام فليس في الأمر مشّاحة!، فلنسمع ماذا يقول أبو محمد:
أحبك مثلما لم احبَّ من قبل
أحب عينيك العسليتين
انفك المدبب
وشفتيك اللتين خلقتا للقبل
أحبك
دون أيِّ تفسير
فقط انني متيم فيك
احب تدويرة صدرك
اهتزاز نهديك
وانت تسرعين للعمل
احب حذاءك الرياضي
وكيف تعقدين رباطه
احب ثوبك القصير
الذي يكشف جمال ساقيك
مشيتك
نظرة عينيك
وانت تغرقين
في لجة العشق
احبك .. !!
رياض محمد
سبتمبر 2020

وكنت قد كتبت معلّقا:
“عزيزي أبا محمد غزلك جميل من قلب مرهف يخفق لماهو، ,يحرّك الأحاسيس والحواس.. وهو جريء من عيون جريئة عندما تصل إلى ارتجاج الكرتين! يعني انت من مذهب الفتى القريشي الترف المعطر عمر بن أبي ربيعة.. احسنت الوصف وجمال التعبير…محبتي .. للقلب الرهيف الأخضر”.

ومن الواضح إنها تسحب قارئها الى ذكريات جميلة لأيام خلت، حين كان الشعر و” الرسائل العصرية”، والأغاني العاطفية ذات المسحة الرومانسية من قبيل ” رأيت خياله في المنام محلاه يا وعدي” و ” ياوردة الحب الصافي” و ” يا زهرة في خياليو ” سمرا يم عيون وساع والتنورة النيلية” … وغيرها كثير مما يغني الخيال ويجعله ملاذاً وقصرا منيفا.. لا وجود له في الواقع!!

كان الشعر هو المحرض الأول”موتيف” فهو يذكي الخيال وهو يبرد من جذوة المراهقة المتقدة ويلطفها ويحولها إلى أحاسيس وجدانية وذهنيه تفتح مغاليق الخيال الذي يبدو عالماً واسعا سعة الكون لا نهاية له..
في مدينتي الصغيرة والناس تعرف بعضها معرفة دقيقة، لا يسع الفتى أن ينظر الى الصبايا -وهذه المفردة أفضلها على الفتيات- فالعقد الاجتماعي كتب بحروف غليظة بارزة.. من يفتح عينه الواسعة على البنات وحتى بدون قصد سيء يوصف بأنه مالح العين، فلذلك يختلس الشباب النظر اختلاساً، ومع ذلك يمكن أن يحوز على نظرة تفتح لها سجف العباءة بقليل من الكرم فيبان شيء من الوجه والرقبة وأعلى الصدر ما يبهج الخاطر ويسعد النفس ولو لهنيهة!
بقيت هذه الحركة من أجمل الحركات في خاطري أستذكرها حتى هذه اللحظة فتنعش بعض الإنعاش الذي يطرد حبس الكورونة الثقيل في بلاد بعيدة! وحين أذهب الى بغداد وعشت فيها فترة الدراسة الجامعية كنت أرى البنات السافرات الأنيقات المعطرات وكان الاختلاط متاحاً بين الزملاء والزميلات بحدود ضيقة..لا تأثير له كتأثير العباءة العراقية الساحر، وأحسب لرشاقة هذه الحركة تغزل الشعراء والمطربون وحتى المطربات ب ” أم العباية”!.

تحت فوضى الحب الخلّاقة سألت زميلاً بدا لي أن له خبرة عن الحب؟، وكيف يشعر المحب؟، وكيف السبيل الى الحب؟! فجاد عليّ بلغو لا طائل من ورائه وسأنقل جوابه من القسم الثالث من الأسئلة وهو الأهم، حدّث قال: لا تتوقع أن يأتيك الحب، بل عليك أن تذهب له، تنظر بنظرة هادئة ولا تبحلق! وفي المرة الثانية حاول أن تبتسم، فستبتسم هي الأخرى لك وهذا يعني أن وصل الحب انعقد!! فراح أخوكم يتصور أن الفتاة تطرق باب بيتنا وتشكوني لأمي، وهكذا ماتت نصيحة زميلي في مهدها!

ولقد وهبتني أشعار العذريين الملتاعة قلباً حساساً مرهفاً مع حياء شديد، الهمتني مخيالاً سكن روعي كأنه كائن حي ينطق ويتحاور ويتلطف بي ويحنو علي ويفهمني وأفهمه، هو وجه فتاة بعمري وتدرس ما أدرس لايفصح خيالي كيف ألتقيتها أو ربما التقتني، تسريحة شعرها السبط كروية وفق ما يسمى (ميز اون بليه) لونها خمري وعيناها نجلاوان، وأنفها أقنى وشفتاها مستدقتان ولا أعرف من شكلها غير هذا؟! كنت أذرع معها شارع الرشيد وولجنا الى كيت كات وانتعشنا بمرطباته ثم سرنا وانتهينا الى بارك السعدون وتحاورنا كأي صديقين حميمين ظل طيف هذه الصديقة يلازمني حيّا ولا أستطيع منه فكاكا، حتى ذهلت أن هذا الطيف له شبيه على أرض الواقع، اكتشفت ذلك قبل أسابيع قليلة!!
هذه الحالة عرفت عنها في روايات محمد عبد الحليم عبداله مع عطيات.. وفي قصة قصيرة قرأتها لسومرست موم، وحدث أن زرت عدة مرات متاحف بيكاسو آخرها قبل عامين في لشبونة، حيث هناك رسم بورترية يتكرر لفتاة في تخطيطاته وغي لوحاته .. حتى عثر عليها في الواقع وتزوجها وهو تجاوز الستين..
علم النفس يعتبر هذه الحالة هي من أحلام اليقظة االتي تختلف عن أحلام المنام، فالاولى تبدو حية لأنها من الشعور، يمكن أن يشعر بها الأنسان وكأنها حالة وجدانية نابضة في اليقظة، ويمكن أن تشحذ عند تناول بعض المواد المهلوسة، بينما أحلام المنام مُجبرة صمّاء مصدرها اللاشعور وحده، ما يجمعهما هو دافع الحاجة النفسية والعاطفية تشحذ أيضا في زمن العزلة المفروضة للتخفيف من وطأتها..

مازلت أعتقد جازما أن الحب بمفوهمه الواسع يذكي الحالة الإنسانية ويذكي مشاعر الألفة والجمال ويرهف النفس لكل ما هو جميل..

في بانغكوك الثاني من أيلول/سبتمبر 2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close