الكاظمي.. الرقص مع الأفاعي

الكاظمي.. الرقص مع الأفاعي
رشيد الخيّون

كانت مراقصة أو ملاعبة الأفاعي معروفةً قديماً، وما تزال هوايةً وحِرفةً ورزقاً، حِرفة «الحاوي»، أو «الحَوَّاء»، فمِن غزارة التَّجارب قيل: «الحَاوي لا ينجو من الحيَّات» (الميداني، مجمع الأمثال)، هكذا هو مَن يتصدى لتصحيح المسار بالعراق، وإعادة هيبة دولته، عليه إجادة مراقصة الأفاعي، وقد لا ينجو مِن لدغةٍ مميتةٍ، هذا ما يخشاه العراقيون الآملون بإدخال القتلة والفاسدين قفص الاتهام، لكنَّ الضّحايا مِن أجل تحقيق الأمل يتزايدون، بالمقابل مِن طبع الأفاعي التَّكاثر بتفقيس بيوضها في بطونها.
جرب العراقيون رؤساء وزراء تركوا الدولة خائرة القوى؛ أنجزوا توزيع العقارات، وتشكيل الميليشيات، والتَّسليم للخارج بحكم العقيدة، وتقديم أموال العِراقيين رشى في الانتخابات، كي يدوم الفساد، إلى الشَّراكة في الإرهاب، ففضائح فتح السّجون، قُبيل اجتياح الموصل، ما زالت بعيدة عن القضاء، وهذا لا يكون بوجود قاضٍ يحتمي بالأفاعي، ورجال دين يمارسون الدَّور نفسه، يحصل هذا بظل أحزاب لها مكاتبها المالية، تصلها الموارد مِن «مجهول المالك» النِّفْط! عبر التَّهريب العلني، مع أن ممارسة التَّهريب تكون سريةً، لكن لماذا سِرية وهي المتحكمة؟! هذا، ومَن تجاوز احتجاجه يُقتل، لذا البلاد غارقة بالفساد والجريمة، هذا الواقع الشَّائك الذي استلمه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

إذا أراد الكاظمي إعادة هيبة الدّولة، وبالفعل يسعى لجعل العراق خالياً مِن الكراهيَّة التي أنتجت ألقاباً تتعارض مع المواطنة كـ«مختار العصر»؛ فلا بد أن يغامر بالرقص مع الأفاعي، لكنَّ بشرط فصلها عن جراب حاويها الأعظم، فالكاظمي شاهد على ما حصل خلال السنين العجاف، يعرف أفاعي الثَّروة والدَّم، ويعرف مَن حاويها الحامي.
هذا الواقع يُذكر بالست سنوات التي عاشتها بغداد(198-204هجرية)، بين خليفة انتصر، وهو مقيم بخراسان، عبد الله المأمون(218هجرية)، وعمَّه الخليفة الذي اُختير وفق الفوضى داخل بغداد، إبراهيم بن المهدي(ت224هجرية)، وبينهما كانت بغداد يغمرها الخراب، وصل الفساد فيها إلى خطف العرائس مِن زفة العِرس، ويتبختر بطرقاتها «اللُّصوص بثياب التُّجار»(ابن الجوزي، المنتظم)، حينها «نَقب أهل السُّجون سجونهم وخرجوا، وفُتن النَّاس، ووثب على أَهل الصَّلاح الدُّعار والشُّطار»(مسكريه، تجارب الأُمم).

هذا واقع الحال اليوم، تحول الدُّعار إلى قادة فصائل مسلحة، بدأوا القتل منذ مِن أبريل(نيسان) 2003 وهم مستمرون، إذا تفحصت أسماء المقتولين تجدهم أهل العلم والثّقافة والوطنية، نسلت الأفاعي أفاعيَ وثعابينَ، تمكنت مِن أجهزة الدَّولة، ومقولة «التَّمكين» لدى الجماعات الدِّينية معروفة، فماذا يستطيع فعله الكاظمي؟! والدَّولة رهينة في جحور الأفاعي.

قالها علي عبد الله صالح(قُتل2017): «حُكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين». كان «صالح» الدَّاعم والمربي للثَّعابين، كان هماً منه أنه الحاوي القادر على مراقصتها، وإعادتها إلى جرابه متى شاء، دعم كائنات الشَّر ضد الجنوب، حتى لدغته إحداها.
مثال الكاظمي آخر، ليس له يد في وجود الأفاعي، بل تعهد بغلق جحورها، وطموحه صادق، لكنَّ المهمة مستحيلة، فللجحور شبكةُ أنفاق خارج الحدود، مفتوحة بزهو الشّعارات، أقول: مَن يريد نجاح الكاظمي، في مسعاه، عليه العون بردم تلك الأنفاق، فإذا تم ذلك تصبح المهمة سهلة، بالسهولة التي أفرغت شوارع بغداد مِن ميليشيا عاتية، فجر(18/11/1963) ببيان واحد.

نظم كُثَيِّر عَزَّة(ت105هجرية)، ليس في حبيبته عَزَّة إنما بالأفعى: «وسَودَاءَ مِطراق إليَّ مِن الصَّفَا/ أنِيٍّ إذا الحَاوي دنَا فَـصَـدَّا لـهـا»(الجاحظ، كتاب الحيوان)، كذلك نقرأ في «حيوان» الجاحظ، أن الحاوي يوهم مَن حوله لأجل إرهابهم، بأنَّهُ انتصرَ بالرُّقيَة على الأفعى، مع أنه دربها على صوت مزمار، أو يُصوَّتَ عليها ببيت شِّعر.
نرى أنَّ كلَّ التَّمَائم والرُّقى لا تنفع مع الأفاعي الهائجة، ولا تردم جحورها، حيث عشعشت وتناسلت، إلا بغلق جراب حاويها وإخراس مزماره، عندها ستنساب أفاعي الفساد والقتل هاربة، أما التَّمكن منها بمراقصتها والمجاملة مع حاويها؛ إلا «حديث خرافة يا أمَّ عمرو»! نصف البيت لعبد الله بن الزِّبَعْرَى(ت15هجرية)، فـالعرب إذا سمعت «حديثاً لا أصل له قالوا حديث خرافة»(الزَّمخشري، ربيع الأبرار).
*كاتب عراقي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close