ما الذي بقى من اخلاق خير امة أخرجت للناس؟

بني العالم على الظلم والهيمنة والاستعمار اثر الحرب العالمية الأولى والثانية. فالولايات المتحدة الأمريكية بنت أسس تاريخها على مبدأ عنصري. إذ استاصلت سكان البلد الاصليين وكانت مكانا امنا للمجرمين البيض المنفيين من اوربا. ثم تبع ذلك ما صنعوه من تاريخ مزيف سمي بحرب الاستقلال عن بريطانيا. اما بريطانيا وفرنسا فقد تقاسموا كعكة المنطقة العربية والاسلامية والكثير من دول آسيا وافريقيا فيما بينهم. فاسسوا عصبة الامم لتقنن وتشرعن استعمارهم لتلك الدول. تبعتها الامم المتحدة اثر اندلاع الحرب العالمية الثانية والتي كانت ولا تزال تخدم المهيمنين الكبار أمريكا بريطانيا فرنسا الصين وروسيا.
رسمت في المنطقة العربية خرائط جائرة ما انزل الله بها من سلطان وكانت بمثابة غنيمة حرب استاثر بها الغالبون. كمعاهدات سايكس بيكو التي تقاسمت فيها فرنسا وبريطانيا المنطقة العربية. ثم تلاه وعد بلفور الذي منح فلسطين ظلما وعدوانا إلى اليهود القاطنين في الغرب لتكون قاعدة استعمارية وسط المنطقة. ثم تلا ذلك مسلسل معاهدات سيفر ولوزان التي مزقت الدولة العثمانية. لعل اعظم الخاسرين في حروب النصف الأول من القرن العشرين هم العرب. اما الضحية الثانية فهي تركيا وريثة الدولة العثمانية الامبراطورية المترامية الأطراف. التي كان لها نفوذ كبير في آسيا وافريقيا واوربا. عمل المستعمرون من خلال المعاهدات سابقة الذكر على اجحاف وظلم تركيا اذ استقطعوا منها الكثير من الاراضي والجزر سواء بالبحر المتوسط أو المضايق والبحار الاخرى. انتقاما منها كغنيمة حرب ومنحوها إلى اليونان.
أن من المؤكد بان جميع الامم العظيمة تمر بكبوات لكنها ما تفتؤ الا ان تعود الى قوتها وتصحح مسارها وتاريخها وتنمي اقتصادها وتجد لها مكانا تحت الشمس.
لقد نجح سياسيو ألمانيا واليابان والصين على سبيل المثال من تجاوز مأساة الحرب رغم اجحاف المستعمرين البريطانيين والفرنسيين والامريكان والروس لهم. فقد تمكنوا من تعويض ما خسروه من اراضي بنفوذ اقتصادي قوي جعلهم في مصاف الدول العظمى. لعل اهم الأسباب التي سمحت لتلك الدول استعادة عافيتها وتقدمها أنها تقع من ضمن منظومة الثقافة والحضارة الغربية المادية التي يمكن التحكم بمساراتها من قبل الدول الاستعمارية.
الواقع الجغرافي السياسي يشير الى أن المستعمرين القدامى بريطانيا وفرنسا والجدد أمريكا وروسيا لا يزالوا يعملون بكل ما اؤتوا من قوة لتمزيق العرب وتشتيتهم عبر تسليط حكام دكتاتوريين مدعومين من قبلهم. الواقع العملي يبين بوضوح بأن فرض التخلف وتعزيز الطائفية والعنصرية لا يزال الرهان الرابح للمستعمرين. وسط شعب عربي فقد بوصلته ولا يدري كيف يخرج من المازق ويأبى أن يتحمل مسؤوليته الوطنية. لا يزال الرهان الاستعماري يعتمد ايضا على قوة صمود دور القاعدة الاستعمارية المتقدمة اسرائيل رغم شيخوخة مجتمعها الداخلي وتشتت اطيافه.
لا يزال هامش المناورة لدى بعض الدول الاسلامية غير العربية كتركيا وإيران وباكستان وافغانستان واندونيسيا وماليزيا والسنغال قويا ويمكن لتلك الدول تحصين سياداتها وتنمية مجتمعاتها.
إن تلك الدول المسلمة التي تمكنت من تعزيز استقلالها وتنمية اقتصادها تقف اليوم مشدوهة وحائرة من سرعة انهيار المنظومة العربية التي كانت ولفترة طويلة النموذج الامثل للانعتاق من حبائل الامبراطوريات الجائرة الظالمة كالامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية. تتسائل شعوب تلك الدول ايضا ومحبي الدول العربية المسلمة في أنحاء المعمورة كيف يمكن أن يرضى شعب كالشعب العربي المسلم الذي يمتلك تاريخ ناصع والذي أنقذ الكثير من الامم من الطغيان والعبودية والشعوذة والتخلف أن يتبنى اليوم نفس الصفات الذميمة التي أنقذ نفسه وغيره منها عندما جاء نور الاسلام بالأمس.

الدكتور نصيف الجبوري

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close