محطة رقم 6 الفرزة الاولى

مدينتي هي الكوت مسقط رأسي وفيها عشتُ طفولتي حتى وفاة والدتي في آب 1983 ثم انتقلتُ منها الى

بغداد في شقتي التي اشتريتُها من وزارة الاعمار والاسكان عام 1982 وسجلتُها باسم زوجتي تَحَسّبًا من حصول

ما لا اتوقعه من حكومة البعث وكانت الوزارة قد أقامت عدّة مجمعات في الرصافة وفي الكرخ وموقع شقتي في

حي اجنادين القريب من البياع والاقرب لعائلة زوجتي الواقع في حي المعتصم سابقًا والخضراء حاليّا وفي تشرين

ثاني انتقلتُ ونقلتُ سجل نفوسي ومعه دائرة تجنيدي الى بغداد / الكرخ .

اعود للكلام عن مدينتي فأقول لقد كتب عنها الدكتور عادل البكري وكتب ايضًا المحامي محمد علي الصوري

لكني لم أقرأ ما كتبا عنها الا اني قرأتُ شيءً مما كتبه الاستاذ رائد السوداني عن الكوت مستشهدًا بما كتبه

المحامي الصوري ومتناولاً فيه انتفاضة السجناء السياسين في سجن الكوت فكتبتُ له مصححًا وسأتطرق

الى ذكر ما اتذكره من الاحداث التي عشتُها في العهد الملكي الى يوم الانقلاب العسكري في 14 تموز وحسب

تقديري ان مدينة الكوت في العهد العثماني لم تكن الا مرسى سُفُن وجاء اسمها ومعناه بالفرنسية أو الانكليزية

هو مرسى على ما اظن وقد سكنها وهم الاكثرية الاكراد الفيلية وعكد نوكرنازر هو اللبنة الاولى لمدينة الكوت

حيث كانت المنطقة زراعية ومعنى نوكر نازر هو المشرف على ارض الاغا او الباشا واستدلالي على هذا هو أن

منطقة الحاوي الى السدة الترابيه لنهر دجلة كانت تُزرع بالحنطة في الاربعينات والخمسينات ثم تقلصت

واصبحت تزرع بالخُضار ثم انتهت ببيعها من قِبل البلدية على المواطنين .

وكانت الكوت ترجع في التقسيمات الادارية الى العمارة / ميسان وتسمى بكوت العمارة وحدود الكوت كما

اتوقعها من شواهد البناء العثماني هي السجن والمتصرفية التي اصبحت شارعًا وبعضًا من حديقة 14 رمضان

وكذلك المدرسة المركزية للبنات ومركز الشرطة الواقعان في وسط المدينة هذه الدلائل هي الحدود للمدينة

وأن محلة الشرقية هي النواة الثانية للمدينة والذي يقول غير هذا لا يستند الى حجة وحسب تقديري لعمرها

فهو أكثر 250 سنة من تأريخ كتابتي هذه السطور في اذار سنة 2020 .

تقع مدينة الكوت في شبه جزيرة يلفها نهر دجلة من غربها ويتجه الى الجنوب الشرقي منها ليمرّ بشيخ سعد

فالعمارة التي يتفرع منها فرعان المشرح الكبير والمشرح الصغير وكلاهما يصُبّان في هور الحويزه ثم يواصل

مسيره الى القُرنة حيث يلتقي مع شقيقه نهر الفرات ليكوّنا نهرًا واحدًا هو شط العرب واتوقع ان هذه

التسمية قديمة من زمن الفتوحات الاسلامية لأن الاحواز او الاهواز كما يلفظها الايرانيون كانت وما زالت رغم

تقسيمها يسكنها عرب والبصرة هي اولى الفتوحات الاسلامية من الشمال الشرقي للجزيرة .

ومن شمال مدينة الكوت يتفرع ناظمان لنهر دجلة لجهته اليمنى هما ناظم الدجيلة وناظم الغراف ولناظم

الدجيلة امتداد تأريخي يعود الى العهد العباسي او هو اقدم من ذلك وعلى هذا الناظم توجد سدّة لها بوّابتان

للتحكم بالمياه الداخلة بُنيتْ هذه السدة مع سدة الكوت ويمتد شط الدجيلة ليصل الى منطقة تُسمى

بالدجيلي وهي ارض زراعية مقسمة الى عِدة شاخات أتذكر أني ذهبتُ مع أبي ليشتري الحنطة والشعير وكنتُ

في الخامسة فكانت الاولى الى شاخة 11 والاخرى الى شاخة 13 حيث توجد ارض الاغا الكردي علي كمال وكان

غداءنا في الاولى خبزًا ولبنًا وهذا لم اتعود عليه فرفضتُهُ وبقيتُ جائعًا اما الاخرى فكانت في دار ٍكبيرةٍ لأحد

وكلاء الاغا الكردي علي كمال حيث كان الاكلُ في صواني النحاس المطلي وهو ثريد حار لا يؤكل لشدّة حرارته

ولكن الجماعة المحيطة بالصواني لا تُبالي باستعمال ايديها الخشنة وتناول الثريد واللحم الساخن الا أني بقيتُ

احاول ولم اقدر لحرارة الاكل وليس هناك مَنْ يلتفتُ [ والكل بالاكل والتلقيم مشغول ] عندها بكيتُ وليس

من سامعٍ مع ناسٍ لا يفهمون معنى الطفولة واتذكر أن احدهم قال لي اتركْهُ يبرد فأجبتُهُ ببراءة طفل انتوا

بقيتوا شي حتى يبرد ، فضحكوا لأن كلامي اصبح نُكتةً .

واتذكر أيضًا ذهابي الى الدجيلة في سفرةٍ مدرسيةٍ اثناء الدراسة الابتدائية واثناء تجوالي بين الاشجار شاهدتُ

بناءً دائريّا يرتفع في عِدّة اماكن عن الارض فسألتُ احد المعلمين فأجابني بانها آبار نفط .

اما ناظم الغراف فكان انشاؤه مع سدة الكوت اي عام 1939 وعليه ابواب عديدة لا اتذكر عددها

وهو اكبر من شط الدجيله بثلاث مرات او اكثر ويأخذ ماءه من دجلة ويمُرُّ بقضاء الحي ثم الشطرة حيث

ينتهي بهور الحمّار ولتسمية الهور بالحَمّار يحضرني معنيان الاول وهو اسم الحنظل البري وقد يكون

منتشرًا فجاءت التسميةُ لانتشاره حوله وللحنظل طعمٌ شديد المرورة يُستعمل في الطب الشعبي أمّا المعنى

الاخر فقد يكون موطنًا لمربي الحمير وتجمعاتهم .

ويوجد بعيدًا عن السدة برج اسمنتي للمراقبة اتوقع انه من مخلفات الانجليز و مستودع للمشتقات النفطية .

وفي جنوب محلة الشرقية يوجد بستان الحاج حسن الشبوط وكانت له مضخة ماء خاصة لسقيه ولسقي

الاراضي الزراعية الممتدة حوله حيث كانت تُزرع بالخضروات مع شاطئ النهر وقد كنتُ وبعض الاطفال

نتعلم السباحة في الجدول الذي يسقي البستان وفي السبعينات اصبحت الارض مدينةَ العابٍ .

وكان مقابل ماكنة الماء خان لبيع الاعمدة والبواري وهي حصران من القصب وصاحبه قيصر وهو من

الاكراد الفيليه وامام الخان على الشارع العام بناية هي من تركات الانجليز شُيّدَتْ عند حصارهم ثم تحولت

في العهد الملكي الى مدرسةٍ ابتدائيةٍ للبنين اسمها النجاح والى جانبها محطة لتعبئة الوقود تقع قرب الشاطئ

ومن بينهما يمر الطريق الى بستان الحاج حسن .

وعن نهر دجلة اتذكر فيضانه في اذار ونيسان سنة 1954 حيث قامت فرق من المواطنين ومنهم الشيخ

هادي الاسدي بوضع الاكياس الترابيه لسد الفتحات التي تحدث جراء ضغط الماء في بعض الاماكن وفي

الاماكن الهشة في السدة الترابية التي تبدأ من قبالة مصرف الرافدين الى نهاية الشارع المنتهي بمحطة البانزين

خانه القديمة المجاورة لمدرسة النجاح وقد سمعتُ أنّ الشاعر محمد مهدي الجواهري قد نظم مقصورته

التي بلغت الاربعمائة بيت عن فيضان نهر دجلة حيث طار نصف ما نظمه مع الاوراق التي سقطت في دجلة

حسب رواية الشاعر وبقي منها مئتا بيت وما بقي في ذاكرتي منها قوله :

طغى فضُعِفَ منه الحُسنُ والخطرُ …… وفاض فالارض والاشجارُ تنغمرُ

ورعاتْ الطائرَ الظمأآن هيبتُهُ ….. فمَـرَّ وهو جــبــانٌ فوقَـهُ حَـذِرُ

هنا لدي وقفة مع البيت الثاني فالشاعر يقول / فَمرّ وهو جبانٌ فوقه حَذِرُ أقول الشاعر لم يُحسن وصف

الطير حين وصمه بالجبن لأن الجبان لا يعطي قيمةً لهيبة النهر وطغيانه فلو قال :

وأبصرَ الطائرُ الظمأآنُ هيبتَهُ ….. فمَرَّ وهو مُراعٌ فوقه حذِرُ // لكانتْ الصورةُ أشرقَ واجزل على كل حال

هذه قناعة الشاعر وهذا ما جاد به خاطرهُ .

وفي الفترة التي حصل فيها الفيضان حصل لي حادث كُدْتُ أفقدُ به يدي اليسرى لولا عناية الله وهذه تفاصيله

كان عمري في تلك السنة 1954 عشرة اعوام وكان الوقتُ عصرًا وكنتُ مع ابن خالتي محمد الناصر صديق

الطفولة الذي يأتي بعد اخيه الحاج نصرت الناصر ، كنتُ ومحمد في سطح الدار فسألني هل تستطيع ان

تتسلق عمود الخشب الذي يحمل شبكة الاستقبال للبث الاذاعي يومها البث ضعيفًا ولا يتم الاستقبال الا

بوضع الشبكة على عمود هوائي طويل وهنا كان جوابي أنْ بدأتُ تسلقه فاعترضني عمود يخرج من سقيفة

السلم المربوط بها الهوائي ويوجد في العمود المعترض مسمار من النوع الكبير قد ثُبّتَ فيه ملتويًا وقد ركبه

الصدأ فتجاوزته ووصلتُ قريبًا من الشبكة ومحمد ينظر اليَّ ثم اخذتُ بالنزول فاعترضني العمود نفسه

هنا صعب عليّ عبوره ودخل الى نفسي الخوف والارتباك فأمسكتُ به لأنزل واذا بالمسمار يعلق في كفي

فأصرخ مسنجدًا بمحمد الا ان محمد لم يظهر ثم حاولت ان ارمي بنفسي من شدة وجعي وارتباكي فرميتُ

بنفسي فعلق مرةً ثانيةً بنفس المكان وهي الوسادة اللحمية لابهامي الايسر فشكل حرفًا انكليزيًّا وهو [ دابل يو ]

صرخت بصوت اعلى ولكن لا احد يسمع فملختُ يدي من المسمار ورميتُ بنفسي على السطح فسمعتُ

محمد يضحك وكان يتصورني امزح معه نزلنا من السطح ورأت خالتّي ام نصرت وام علي الجرح البليغ فأرسلتا

على عجلٍ الى دار المضمد طه ابو محمد الذي كان قريبًا من دارهم فجاءت على الفور ابنته الكبرى ليلى التي

تزوجت من المدرس عبد الرزاق حسن منصور السبع بعد سنوات فلما رأتْ ليلى وضعي اقترحت أخذي الى

المستشفى الواقع قرب السدّة وحسب توقعي هي بناء عثماني بالاصل تمّت اضافات عليه في واجهتها الامامية

دخلنا من الواجهة وبعد قليل حضر الطبيب المناوب وكان آن ذاك الجراح نوري الجراح ففحص كفي وقال

يحتاج الى قطع الكف وهو يتكلم مع ليلى فنزعتُ يدي من يده وعفطتُ له وانا هاربٌ الى خارج المستشفى

ثم وقفتُ انتظر ليلى عند السياج هنا لعبت ليلى معي طريقة ذكية اقنعتني بان الطبيب نوري كان يمزح معي

وهو ينتظرني ليُداوي الجرح ويُضمدها فعُدتُ معها الى الطبيب فوجدتُ طبيبًا اخرًا معه وبعد الفحص

تكلما بالاكليزية بضع دقائق ثم قال الطبيب نوري اذهبي به الى المضمد ليخيط الجروح وتعالي بعد اسبوع

ذهبنا الى قسم التضميد الوقع في خلف المستشفى وهو من البناء القديم فلم نجد غير مضمدٍ واحدٍ واقفًا

في باب الحجرة فعاين الى الجرح ثم دخل فاخرج ابرةً فيها خيط اسود وغرز ثلاث غرزات من دون ان يعقم

الجرح ثم لفّ يدي مع خشبة صغيرة هي والضماد ثم عدنا ادراجنا الى دار الحاج حسون وبعد اسبوع اخذتني

ليلى ثانيةً على الموعد الى المستشفى ليطلع عليها الطبيب نوري الجراح وبعد مشاهدته للجرح طلب تبديل

الضماد واستمر ذلك الى ان التحم الجرح لكن بقيت اعاني من خدرٍ والمٍ في راحة كفي ولسنوات طويلةٍ .

وبقي وسم المسمار في يدي اليسرى الى الان ولولا ليلى وذكائها باقناعي لتلوث الجرح وتسممت يدي وتم

قطعها لا مُحالة وهنا اعود لتحليل قول الطبيب نوري الجراح فأقول كان قرار القطع وارد في ذهنه خوفًا

من سريان التلوث والتسمم الى كل ساعدي وعند هروبي وعودتي ادخل معه الطبيب الاخر كي يستأنس برأيه

فتحاورى في الانكليزيه واستقر الرأي بامهالي اسبوعًا كي يرى ما سيحصل بالنسبة للجرح فالحمد لله على كل

حال والحمد لله على السلامة بتسبيب الاسباب .

**********************************************

الدنمارك / كوبنهاجن السبت في 19 / ايلول / 2020

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

Read our Privacy Policy by clicking here