مُعضلة التغيِّر الجذري لطبيعة الحُكم في بلد

مُعضلة التغيِّر الجذري لطبيعة الحُكم في بلد:
د. عبدالحميد العباسي
—————–
ليس حتما ًان يُنجز التغييرُ بين ليلة وضحاها مع ان لهذا ميزة المباغتة والتي, هي من اهم عناصر نجاح التغيير, وليس معقولا, ايضا ان يتطلب الأمر شهوراً, إذ في ذلك خطرُ إلتفاف قوى الردِة (الثورة المضادة) عليه. التغيير الجذري قد يأخذ نمط المعركة السَيّالة التي تُطَور باستمرار, وفق المستجدات على الساحة. فمثلا لم يكن في خَلَد عبد الناصر ان يُنجز تحركُه ما أنجزَ خلال ايام. كان الهدف كما اعلن عنه في الخطة الاولى, تطهيرَ الجيش من فساد استشرى, ثم
طُورَت الحركةُ ( كما يظهر من كتابات حسنبن هيكل) الى االاطاحة بالملك, لا الملكية ثم كانت خاتمة الطور الاول من التغيير باعلان الجمهورية. وقد تكونُ مراحلُ التغيير الاولى شكل الاطاحة المفاجئ بأهم مراكز القوة المخربة, أو تقليم الأظافر وقص الاجنحة, لتعرية الخصم ثم رَكلُه. وفي كل الاحوال ينبغي
ألا تغيب عن البال, الحكمة التي يوجزها بيت الشعر, *لا تقطعن ذنَب الافعى وتتركها ++ ان كنت شهما, فاتبع رأسهَا الذنبا*.
في أي تغييرٍ جذري لبلد, أي بلد هناك دولة او دُوّل تساند التغيير قبل, حال, او بعد وقوعه وهناك اخرى, او أخَر تعارضه وهناك تلك التي تغض الطرفَ او تخلق ظروفاً غير مباشرة وغير ملموسة لتسهيله, ربما لغرضٍ في نفس يعقوب. وهناك مَن لا يعنيها امرُه وهناك من تمانع في حدوثه وكثيراً ما عملت الاخيرة, بطرائقَ مُتعددة على دوام الوضع الذي رأته يناسبها وهذه قد تكون دولاً خارجية او جهات داخلية. فمثلا ابلغت صدام هذه الدولة او تلك عن حركات, في الافق كانت ستطيح بحكمه, فأفلت منها. ومثل آخر: لقد وجد *المعارضون* الأكراد لصدام في الشمال. وجدوا ان بقاءَه وما تبقى من العراق مُحاصرا, وجدوها حالة تناسبهم, يومئ الى هذا الطرح, تعاون السيد مسعود مع جيش صدام للوصول الى اربيل والتنكيل بمعارضيه. وكذلك موقف الطالباني المناصر لصدام ابان الانتفاضة الشعبانية, لماذا؟ لانهم (المسلحون في الشمال) أرادوا
إنهاكَ ما تبقى من العراق وتغييرا على مَقاسِهم وهذا مما صار لهم, في نهاية المطاف. فنجاح التغيير بأبعاده, اذن ليس, بالكاملً رَهناً بإرادة طالبه, أكان شعبا هذا أم جَمْعا ام شخصاً. بل قد تكون هناك اطراف غيرُ مدعوةٍ وغير مرحبٍ بها, لها دور. أما ان يحدث تغيير جذري هنا او هناك ويفاجأ به العالم, فقول هُراء.
ولا يبرر هذا, لا يبرر العزوفَ عن التغييىر, اذا كان في التغيير ما قد(قد) يكون فيه مصلحة بلد آخر ايضا ودون قصد او رغية, فما يهمنا مصلحة بلدنا وليس تاثيره على مصالح دول أخر. ادرك قادة الحركات التي تروم التغيير الجذري, ادركوا هذه الحقائق *المُرَّة* فطفقوا يمدون خطوط اتصال مع بعض الدول التي يَرَون انها قد تؤثر على ما هم عليه مقبلون, لِجَس نبضهم وتطمينهم او تحييدهم او تأمين شيء من تعاطفهم. وفي كل الاحوال فان علم تلك الدول بالحركة ينبغي ألا يتعدى احتمال حدوثها فقط وما عدا ذلك فخط احمر. وخط الاتصال نفسه لن يَعرفَ شيئا عن الحركة الا ما تُجيزه له الحركة. بهذا األشكل وللاغراض اياها قيل ان عبد الناصر تواصل مع الامريكان قبل ثورته. وفي
ثورة 14 تموز كَفُلَ عبد الناصر مساندة المعسكر الاشتراكي لها وما قيل عن ان بهجة العطية, مدير الامن العام, آنذاك ابدى للامير عبد الاله توجَسه من شيء يلوح في الافق, كما ان عدم تحرك حلف بغداد لنجدة عضو فيه, كان مؤشرا على ان الثورة لم تباغت احداً إلا النُوَمُ. وعلى من يروم التغيير الجذري ان يعمل حسابا دقيقا لمن يمكن ان يُبارك تحركه من دول العالم ذات الاثر. مِن العسير تصور تغيير جذري والعالم المتشابكة مصالحه, هو في غفلة عنه ولا يحاول هذا الطرف او ذاك التاثير في مجرى احداثه. وينبغي على التغيير ان يكون له غطاء من جهة ترى في التغيير, ان وقع ظرفاً يتاسبُها وطبعا لا يكون على مقاسها فاصحاب التغيير لن يسمحوا بشيء, الا ان يكون على مقاس مصلحة وطنهم اولا وآخراً. ويهتدوا بالمقولة: *واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكِتمان* وعلى
اصحاب التغيير ان يكون في حِسبانهم ان التغيير الجذري ليس انتزاع سلطة من جهة وادعائها لجهة اخرى ومن ثَم دعوة المنافقين من العهد الذي اطيح به الى المسشاركة بذريعة تمثيل كل *اطياف* الشعب (تعالوا الخير جثير ومالو أحَّد) هذا ما حصل بعد الاطاحة بالعهد السابق. هل دُعي النازيون للمشاركة في حكم المانيا بعد هزيمة النازي؟. كل حركات التغيير الجذري الاصيل, التي قامت في العالم العربي المعاصر, كان القضاءُ على الفساد رائدُها وأيِّ تهاونٍ مع الفاسدين ومنذ البداية وبدون تَرَيُث, سيلقي بظلال من الشك على هوية الحركة. وسيثير الشكوك, ايضا في أبعاد الحركة, عدم الاعلان بوضوح ومنذ اللحظة الاولى ان سيادةَ العراق ووحدته وسيطرة الحكومة المركزية على كافة التراب والماء العراقي خط احمرٌ ولا عِبرة بالشعارات.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close