“هيبة” الدولة والسلاح “المنفلت”

“هيبة” الدولة والسلاح “المنفلت”
حميد الكفائي كاتب وأكاديمي عراقي

العبارتان أعلاه أصبحتا على لسان الجميع في العراق، والكل يتحدث عن ضرورة إعادة “هيبة الدولة” والسيطرة على السلاح “المنفلت”!، وأكثر من يتحدث عن هذا الأمر هم أولئك الذين أسقطوا هيبة الدولة واستخدموا السلاح (المنفلت) خارج إطار القانون، وتسببوا في وقوع هذه الكارثة التي حلت بالعراق.

الحقيقة هي أن إسقاط هيبة الدولة كان مقصودا، والسلاح ليس منفلتا في الحقيقة، بل هو منظم ويستخدم بحرفية عالية لتغييب المعارضين وإرهاب الناس وسرقة المال العام.

لم يعد أحد يثق بالدولة وسلطتها، وإن كانت سفارة أقوى دولة في العالم مهددة، وكل يوم تسقط عليها صواريخ الكاتيوشا التي تطلقها جماعات (السلاح المنفلت، فكيف بالناس العاديين الذين أصبحوا أسرى في بلدهم لقوى إرهابية، مستعينة بدولة أخرى (إسلامية حتى النخاع!)، تقدم لها الإطار الأيديولوجي والدعم المعنوي والتدريب العسكري والتبرير الديني والسياسي، والملجأ الآمن في حال تعرض افرادها للمساءلة أو الخطر.

تقترن الهيبة عادة بالسلطة، فعليةً كانت أم معنوية، فإن كانت الدولة ضعيفة، وتوجد فيها جماعات أقوى منها، تنتهك قوانينها وتقتل مواطنيها وتسلب ثرواتها دون خوف من عقوبة أو محاسبة على مخالفة، فلن تكون هناك هيبة للدولة أو لأي مؤسسة تابعة لها.

أما وجود السلاح، فلا يسبب مشكلة كبيرة للدولة، وهناك دول، بما فيها الولايات المتحدة، تجيز حمل السلاح للأفراد، ولكن لا تجيز استخدامه إلا في ظروف استثنائية ودفاعا عن النفس.

لم يخلُ بيتٌ من السلاح في العراق، إلا نادرا، حتى في ظل حكومة صدام حسين الصارمة، لكنه ظل مختبئا في المنازل، خصوصا في الريف، فهناك شعور عند كثيرين بأنهم يحتاجون إليه للدفاع عن النفس. ونادرا ما يجرؤ الناس على استخدام السلاح، لأن الجميع يعلمون بأن هناك عقوبة صارمة تنتظرهم. إذن، المشكلة ليست في وجود السلاح، بل في عدم معاقبة من يستخدمه ضد الأبرياء.

الجماعات المسلحة الحالية، التي مزقت العراق وانتهكت القوانين وسرقت الثروات ومارست القتل والخطف، كلها جماعات تتشدق بالدين ويقودها رجال يرتدون الزي الديني كي يبرروا أفعالهم دينيا ويقنعوا البسطاء بأن ما يفعلونه يرضي الله ورسوله. رجل الدين الحقيقي محترم في كل الثقافات والمجتمعات، لأنه ملتزم بمبادئ وقيم سماوية عادلة، تحصنه ضد ارتكاب الأخطاء وتكبح نوازعه الدنيوية، لذلك تجده دائما يضرب مثلا للناس في الزهد والتسامح وعمل الخير وحب الآخرين.

لكن الجماعات المتشدقة بالدين في العراق، استخدمت الدين لخداع البسطاء، وتبرير جرائم القتل والخطف والسرقة، وتسببت في إنهاك العراق وإضعاف ثقة العالم به، فلم يعد بلدا يقصده السياح والمستثمرون والطلاب، ما أفقده مصدرا مهما من مصادر دخله.

رجل الدين في كل الثقافات لا يتدخل في السياسة، فهو متخصص في العقائد والقيم الروحية والتعاليم السماوية. ولم يعرف عن المؤسسة الدينية الشيعية في العراق، التي يمتد عمرها ألف عام، أنها تدخلت في الشؤون السياسية، فهي دائما داعمة للدولة، لأن قوة الدولة تعزز قوة مؤسساتها جميعا، الرسمية منها وغير الرسمية، وهذا يخدم الجميع.

لهذه الأسباب بقيت المرجعية الشيعية محل احترام الحكومات جميعا، ومراجع الشيعة الكبار الحاليون، لم يصبحوا مراجع بعد عام 2003 وإنما هم أنفسهم كانوا مراجع في عهد النظام السابق أيضا، وكانت لديهم مدارسهم ومساجدهم ومواقعهم التي يحترمها الجميع، وهم ليسوا سياسيين، وطالما سعوا إلى تأكيد استقلالية عملهم الروحي والديني والتربوي عن الحكومة والسياسة، “فالسياسة تفسد الدين بقدر تدخلها فيه، والدين يفسد السياسة بقدر تدخله فيها” حسب التعبير البليغ لرجل الدين الشيعي الراحل هاني فحص.

من يريد أن يصبح سياسيا، عليه أن يدرس السياسة ويكرس حياته لها كي يجيدها، لا أن يدرس الدين ويمارس السياسة، مرتديا زيا دينيا، ففي هذا ضرر كبير للدين والسياسة، وهذا ما أكده الفقهاء طوال التأريخ.

لقد حول المتشدقون بالدين رجل الدين إلى شخص همه الأول تبرير أفعالهم، فهو يطعن بشرف نساء محترمات، لأنهن خرجن للمطالبة بحقوق المجتمع المشروعة، ويتهم الشبان بارتكاب ممارسات غير أخلاقية لأن لهم رأيا ناقدا. وحتى النساء اللائي قتلتهن الجماعات المسلحة، اتهمن بشرفهن لتبرير اغتيالهن! فأي ظلم أعظم من هذا يمكن أن يقع على الإنسان؟ (رجل دين) معروف اتهم ناشطا حقوقيا، بأنه “اعتدى على شرف امرأة تنتمي إلى إحدى العشائر ولذلك خطفته العشيرة المعنية”، بينما الحقيقة هي أن الجماعات المسلحة التي يتستر عليها هذا الدعي هي التي اختطفته. وهذا المتشدق بالدين، يؤم المصلين في مسجد مهم في بغداد!

رجل دين آخر يقود مجموعة من الأطفال وسط بغداد ويهتف بهم (نعم نعم خامنئي)! أي ابتذال أكثر من هذا؟ ولماذا المناداة بإطاعة زعيم دولة أجنبية منبوذة ومتهمة بمعادة العراق ومحاولة تخريبه وزعزعة استقرار المنطقة كلها؟ لماذا ينذر هؤلاء أنفسهم لخدمة إيران؟ ويقحمون أنفسهم في قضايا ليست من اختصاصهم، إن لم يكونوا جزءا من الجماعات المسلحة التي تقتل وتخطف وتنهب؟ يبدو أنهم يشعرون بخطر يتهددهم إن عادت (هيبة الدولة) وإن تمكنت من السيطرة على (السلاح المنفلت)، ومحاسبة مثيري الفتن والقلاقل والتبعية لإيران! لقد أساء هؤلاء كثيرا إلى سمعة رجال الدين والمتدينين الشيعة، لذلك أصبح لزاما على رجال الدين الحقيقيين، والمؤسسات الدينية المحترمة أن تميز نفسها عنهم وتدينهم بصراحة وبقوة ووضوح، لأن ضررهم يقع على المؤسسة الدينية ابتداء، ويعم العراق كله.

لقد انتقدت صحيفة إيرانية يرأس تحريرها مستشار المرشد الإيراني، موقف المرجع علي السيستاني، الذي أعلنه في لقاء مع ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، جنين بلاسخارت، وأكد فيه على إجراء انتخابات شفافة ونزيهة وخالية من التزوير، كي تعكس إرادة الشعب في البرلمان والحكومة التي تنبثق عنه. فإن كانت الجماعات المسلحة تتبع حقا إرشادات المرجعية فلماذا صمتت على الانتقاد الإيراني؟ بل حتى الذين أصدروا بيانات إدانة، لاذوا بالغموض ولم يحددوا الجهة المعنية!

اللافت أن أعضاء هذه الجماعات المسلحة يدينون الفساد ويتهمون (الأحزاب) بأنها هدمت الدولة وسرقتها ويستنكرون (المحاصصة) التي (أبعدت الكفاءات عن مواقع المسؤولية)! بل وأعلن قادة هذه الجماعات بأنهم يدينون (قتل المتظاهرين) ويؤكدون على (حقهم في الاحتجاج)! وكأن مسلحين من الكواكب الأخرى قد نزلوا من السماء وقتلوا المحتجين وخطفوا النساء خلال عامٍ دامٍ من الاحتجاجات على الفساد والحرمان وضعف الدولة. لماذا يتوقع هؤلاء من الناس أن تصدق مزاعمهم، وهي تعلم علم اليقين بأنهم هم أنفسهم من سرق الدولة وأفسد مؤسساتها وأساء إلى سمعتها وخرب علاقاتها الدولية وأصر على المحاصصة وتقاسم المغانم وقتل وخطف الأبرياء المعترضين عليهم؟

لم يعد هناك أمرٌ خافٍ على أحد، والشعب العراقي يعرف تماما من الذي يقوم بعمليات القتل والخطف والنهب، فهذه الجماعات هي المتسببة في هذه المأساة التي تجري في العراق منذ سنين، وقد آن الأوان لمواجهة هؤلاء بقوة، وأن تتصرف المرجعية الدينية بحزم مع هؤلاء، الذين يدعون زورا بأنهم يسيرون حسب إرشاداتها، وبتفويض منها، في إشارة إلى فتوى السيد السيستاني بمحاربة الجماعات الإرهابية، بينما هم جزء لا يتجزأ من الجماعات الإرهابية التي تدعو الفتوى لمحاربتها.

لم تُجِز فتوى (الجهاد الكفائي) العمل خارج إطار الدولة والاعتداء على البعثات الدبلوماسية وإرهاب الناس الآمنين وقمع المعارضين والناقدين والمحتجين، فهذا بعيد كل البعد عن مقام المرجعية المحترمة، لذلك أصبح ضروريا أن تدين المرجعية كل من يستخدم اسمها وفتاويها لزعزعة استقرار الدولة، وأن تنزع الصفة الدينية عن كل مسلح وسياسي، لأن هؤلاء أضروا بالدين والدولة والمجتمع من أجل مصالح شخصية مؤقتة. الجماعات المسلحة ستسمر في الاختباء تحت فتوى السيد السيستاني مالم ينزع عنها المرجع هذه (الشرعية) التي تدعيها. هذه الجماعات مخادعة وتنفذ أجندات أجنبية، ولا يردعها إلا المواقف الحازمة التي لا تقبل التأويل.

كما آن الأوان أن تواجههم الدولة وتضربهم بقوة، وهي قادرة على ذلك، وإلا ما معنى وجود أكثر من مليون منتسب في الجيش والأجهزة الأمنية، إن كان الأمن غائبا والدولة مستباحة؟ يجب محاسبة كل منتسب يتردد في محاربة الجماعات المسلحة التي أانتفعت من قانون الحشد لعام 2016 وأصبحت بموجبه جزءا من المؤسسة الأمنية. لكن هذا القانون يجب أن يستخدم لمحاسبتها أيضا، وليس فقط لاعطائها الشرعية والتمويل. كان الهدف من القانون ألا تكون هناك جماعات تعمل خارج إطار الدولة، لكن القانون استُخدِم لإضفاء الشرعية على هذه الجماعات (المنفلتة)، وتمكين منتسبيها من تقاضي الرواتب، لكنها في الوقت نفسه، تتجاوز على القوانين وتعتدي على الناس، وتأتمر بأمر قادة دولة أخرى. يجب إقالة قادة هذه الجماعات المرتبطين بإيران ومحاسبتهم على الانتهاكات التي طالت المحتجين وباقي العراقيين.

يبدو أن الولايات المتحدة، التي تسببت في خلق هذه المأساة، عندما سمحت بتغلغل الجماعات المسلحة في المؤسسات العراقية، مع علمها بأنها معادية للدولة العصرية ومرتبطة بدولة متشدقة بالدين، تسعى منذ عقود إلى زعزعة استقرار العراق والمنطقة، قد نفد صبرها، مع استمرار استهداف سفارتها وجنودها في المعسكرات العراقية، الذين أتوا بطلب من الحكومة العراقية، وقد تضطر لمواجهتها بالقوة العسكرية، كما أشارت تصريحات مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، وتحليلات كتبها مطلعون في الصحف الأمريكية.

وقد هدد وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو قبل أيام بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد والتعامل بحزم مع المعتدين. غير أن إغلاق السفارة والانسحاب من العراق يعتبر نصرا للجماعات المسلحة والدولة التي تقف وراءها، وانسحابا مذلا من المواجهة مع جماعات لن تتوقف عن ممارسة الإرهاب، والأسوأ، فإنه خذلان للشعب العراقي الساعي إلى إقامة دولة عصرية متفاعلة مع المجتمع الدولي وصديقة للدول الديمقراطية وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

الاعتداء على السفارات عمل جبان لا ترتكبه سوى الدول المارقة والجماعات الإرهابية المتخلفة التي لا تحترم القوانين والأعراف الدولية، كونها تنتمي إلى ثقافة تدميرية بالية. الحكومة العراقية مطالبة بأن تعزز علاقاتها بالمجتمع الدولي، وتشجع مزيدا من الانخراط له في العراق، وليس مطالبة الولايات المتحدة بسحب قواتها، فعمل كهذا يصب في مصلحة الجماعات الإرهابية ويساهم في إضعاف العراق.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close