المسلمون …. وأزمات …. التاريخ …؟

المسلمون …. وأزمات …. التاريخ …؟

د.عبد الجبار العبيدي

هل كانت حالة العرب فبل الاسلام تستدعي الاصلاح الشامل ومجيء دعوة دينية للتغيير؟ وهل لدينا نصوص تاريخية يُعتمد عليها في وصف تلك الحالة التي وصفت بالحالة الفضوية المتخلفة سياسيا واجتماعياً.. ؟ أم كلها أُخذت من الروايات الشفوية وما تناقلته الالسنة دون سند ..واذا كان ذلك صحيحاً وموثقاً..فمن اين جاء لنا الشعر العربي قبل الاسلام وهو يسجل عاداتهم وتقاليهم ومعلقاتهم الشعرية التي لازالت عنوان دراسة الادب العربي الحديث ، وصفات حكمهم السياسي في مجالس الملأ ، وعلاقاتهم الخارجية مع الجتمعتات الاخرى بأتفاقيات التجارة مع اليمن وبلاد الشام ..حقيقة نحن بحاجة الى دراسة موثقة جديدة متفحصة في تاريخ العرب قبل الاسلام أشمل من دراسة البروفسر المرحوم جواد علي في سفرهِ الكبير “المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام..والذي أكد فيها عكس ما يدعون .. لكن تفحص الثوابت يزيد من القطع بتاريخهم الموصوف بالعصر الجاهلي ..خطئاً.
نعم جاء الاسلام ليصلح الحالة ويضيف الى ما عجز العرب عن تحقيقه حباً ومحبةً وسلاماً مسايرة للحضارات الاخرى التي كانت تجاورهم والتي أبدعت صنعة العقل..فهل تحقق ما ارادوا..؟ كان ممكن ان يتحقق في جوٍ تتوافر فيه مناخات فكرية معينة توفرت في الدعوة الاسلامية لو استغلت وطبقت ،لأاتسم المجتمع العربي الاسلامي بالرقي والأتزان والبعد عن الأرهاص والقلق والتباغض والتباعد وألغاء منطق المهاجرين والانصار والغزوات واحلال فكرة الوحدة الفكرية المجتمعية ،ولساعدت هذه التوجهات على التقدم وتفتح الفكر العربي لأستقبال ما هو جديد لأضافة ما كان عندهم من فكر ومعارف وقوانين عرفية اعترف بها الاسلام في سورة موحدة سماها سورة الأعراف..في ظل حضارة اسلامية متفتحة عالمة وهاضمة مثل الحضارات الاخرى التي سبقتهم كاليونانية مثلاً.
واذا كان ذلك صحيحا عندهم من وجهة نظر الاصلاح والاسلام معا ..لماذا وقع الاسلام والمسلمون في شتى بقاع الأرض بازمات قديمة جديدة لا يعرفون لها حلاً..مثل أزمة احتكار السلطة وضربهم للشورى ،”وأمرهم شورى بينهم” والثروة ظلت بيد الحكام وطبقة الاغنياء والاسلام يرفض هذا التوجه. .. واحتكار المعرفة بيد مؤسسة الدين التي لم يعترف بها الاسلام ..ولم يخولها حق الفتوى نيابة عن الناس ، ولم يرد لها نصٍُ في القرآن..وأزمة احتكار السلاح لأحتلال بلدان غير المسلمين دون تخويل ،لابل انزل الله لهم نصاً يمنعهم من التجاوز على الأخرين الا بحوار فكري معهم لكنهم تجاوزوا على النص القرآني “لكم دينكم ولي دين” ..وهم متحصنون خلف رأي وهمي بحجة معاداة الاسلام .. وقتل من يعارضهم بالفكر والرأي من العلماء والسياسيين وعامة الناس ..وعملوا على تصفية الخصوم منذ البداية ….والاسلام يقول: “من قتل نفساً بغير نفسٍ او فسادٍ في الأرض كأنما قتل الناس جميعا المائدة 32″.فلماذا هذا التناقض في التطبيق..؟ فهل نأمل من الذين لم يحسنوا قراءة التاريخ ان يصنعوا لنا دولة الحضارة والقانون..؟ فاقد الشيء لا يعطيه..فلمَ لانعود للحقيقة ونحقق ما نادى به الاسلام من المسلمين..من عدم تعصب العاطفة على العقل وترجيح كفة الهوى على الهدى؟ ولا يمكن تحقيق ذلك الا بمنهج دراسي جديد يُعلم الجيل فيه حقيقة ما كان عليه العرب قبل الاسلام بصحيح ، وما اصبحوا عليه بعد مجيء الاسلام من فرض وألزام ؟..نظرية غابت عن الكثيرين..
ان جوهر القضية التي اريدُ تبيانها هي حرية الأنسان وحدود أرادته ..التي ظلت متعطلة حتى في فترة حكم الراشدين .ألم يحُن الوقت اليوم لكتابة التاريخ الاسلامي بمنهج جديد بعد ان اصبح المنهج التاريخي عندهم يقف سداً منيعاً بيننا وبين حقيقة التاريخ الصحيح..وبعد ان اصبح الاسلام يعاني من أزمة قاتلة اليوم..أزمة في القيم ، وأزمة في العقيدة ، وأزمة اخلاق ، وأزمة في التطبيق؟ …ان الاقدام على هذه المهمة الصعبة تحتاج الى عناصر اساسية تتوفر فيها ..المصداقية والجرأة والشجاعة في قراءة النص بأيمان صحيح وحيادية الرأي في القلم . هذا التاريخ الذي مزقه المؤرخون ، والاسلام الذي زيفه الفقهاء والمفسرون منذ اكثر من عشرة قرون ، وتلقفته مؤسسة الدين ليحولوه الى حقيقة غائبة عن المنطق والفكر الرصين..مستغلين عاطفة الجماهير على الدين.. حين أفهموا الامة دينها وتاريخها خطئاً .. فتجذر الخطأ في فكر الامة فكانت نكبة الانهيار والتراجع والتخلف والسقوط ولا زالت النكبة مستمرة فينا الى اليوم..فأين الحكام والمؤرخين والعلماء..الذين ننتظرمنهم نظرية الأصلاح الجديد ..؟
ان اول هذه الاخطاء .. انهم صوروا العقيدة الاسلامية انها عقيدة دينية فحسب،بينما هي في ذاتها قواعد سياسية ،فالدين معناه منهج الحياة المتكامل عقيدة وشريعة واسلوب حياة..يقوم على المساواة الكاملة بين أفراد الأمة،فلا يتميز حاكم على محكوم،الا بما يقضي به الشرع ،لأن الله لم يميز انسانا على انسان الا بأتباعه لاوامره ورفض معاصيه وهذا ما سمي بالتقوى.” انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات أية 13″..لكن هل طبق هذا القانون ..أم عتم عليه منذ البداية ..؟ لا ارى ذلك أنهم ادركوا المشكلة على هذا الجانب المهم من حرية الفعل الأنساني بمعناه الذي ورد في النص القرآني العظيم …على المورخين والفقهاء ان يقولوا الحقيقة ..
والشريعة الاسلامية تساوي بين الحاكم والمحكوم في سريان القانون وفي مسئولية الجميع عن التصرف أياً كان نوعه ، ومن اجل ذلك فان الحاكم لا يتمتع بصفة القداسة والمعصومية من الخطأ ولا حتى الأنبياء كانوا معصومين، فالعصمة في الرسالة وليست فيهم ،” يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس المائدة آية 67″ فالعصمة هنا في الرسالة وليست في الرسول (ص) .. فأذا ارتكب الرسول او الحاكم خطئاً او مخالفة للشريعة عوقب عليها كما يعاقب اي فرد اخر،أنظر موقف القرآن من” التقصير في موقعة مؤته وكيف عنف القرآن الرسول حين يقول : “عفا الله عنك لم َ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ،التوبة 43 “والعفو لا يأتي الا بعد التقصير حتى لو كان غير متعمد.. واذا ما خرج الحاكم على نهج الشريعة وجب على جماعة المسلمين الوقوف في وجهه وعزله عن السلطة او الثورة عليه وازاحته من ساحة الحكم بالقوة والعنف ، فالسلطة لم يمنحها الله للحاكم ليتشبث بها بل هي قبول من الناس المنتخبين ..وهذا ما سماه القرآن بنظرية الحقوق..”ذلك بان الله هو الحق ،الحج 62″..ونظرية الحقوق في الاسلام تعني…رعاية الحقوق الاساسية المطلقة للمسلم وعدم التعدي عليها ..وحفظ المجتمع من استبداد السلطة ضد مواطنيها .وتمتع المجتمعات بكل الحقوق اللازمة لتقدمها..وان الحياة ملك الجميع وهي تطور مستمر وتغير دائم لا يحق للحاكم تقيده الا بنصٍ قرآني. .. ولا يجوز حتى تأويل الآيات المشابه فيه الا بأجماع علماء التأويل .. فهل طبق هذا النص خلال تاريخ الاسلام كله..؟ لا أعتقد.
توفي الرسول (ص) سنة 11 للهجرة بعد ان أكمل رسالته ..ولم يسمِ احداً اذ يرجع الامر من بعده للمسلمين – وأمرهم شورى بينهم – فليس من حقهم تقديم أولو الأمرفي قيادة السلطة..فألوا جمعاً لا مفرد له من جنسه..وهو ليس جمعا لولي .. ولا من مادته ..فجمع ولي هو أولياء وهم المقدمون من الجماعة ..خاضعين كلهم لاية الشورى.. غاب هذا المعنى عنهم بدافع عدم قناعة العقيدة في نفوس غالبيتهم ..فقال الانصار منا امير ومنكم امير..ولولا حداثة الحدث لكان غير الذي كان ..ولكون ان التجربة كانت في قمتها الروحية.فسرعان ما تم تطويق الأزمة وتغليب روح المؤاخاة..فأمكنهم ان يجتمعوا على خير..أنظر ابراهيم الغويل .مجلة المستقبل..العد الاول عام 1991.
واستمر مسلسل الخرق لاية الشورى بتعيين الخليفة الثاني بتوصية من الاول ، غير ان الرسول”ص” لم يَختر من بعده وصياً رغم علمه بكل الصفات الحميدة في الأول..فالقضية قضية مبدا وشرعية وليس قضية رأي متفق عليه. – وتفادياً للأعتراض- اتجه الخليفة الثاني نحو الفتوح رغبة في نشر الدعوة الاسلامية خارج شبه الجزيرة العربية.. ليضفي على خلافته صفاته الذاتية على الدولة الجديدة في مرحلة الفتوحات ،هذه الفتوح التي رافقها السيف والنطع وليس المحاججة الفكرية والرأي والرأي الأخر..وهذه بداية الخروج على النص القرآني (لكم ديني ولي دين)..والكل يعلم ماحصل للشعوب الاخرى من قتل وتشريد واغتصاب وسرقة للاموال وأستباحة للاعراض بحجة وما ملكت أيمانكم..وكلها بموجب العقيدة لم تكتسب الشرعية ..ومن يدعي خلاف ذلك فليأتنا بنص صريح..والكل يكتب عن هذه الفتوحات بايجابية ولم يذكر لنا احدهم اخطاء الخلافة في التاريخ..التي جلبت لنا عداوة الشعوب الاخرى الى اليوم..لا بل اسقطت شرعية الدين. .
عندهم.
وأنسحب ذلك على الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب… غير ان المسألة هنا ليست في احقية من اختير للخلافة من جديد ،ولكن في كيفية الاختيار خارج آية الشورى أيضاً،أذ بقي الامر محصورا في فئة من بين المسلمين – وليس بأتساع المسلمين- فحمل الاختيار البذورالاولى للفتنة وقتل الخليفة الثالث عام “34 للهجرة” ،فنشأت مراكز القوة ،وظهور النقد.. وكان الموقف صعبا ان يُختار خليفة جديد على نفس القاعدة ..لذا واجه الامام علي ظروفاً صعبة للقبول ..وحين بدأ الملأ الرافض لخلافة جديدة ..اصر الهماجرون عليها.. ببيعة عامة واخرى خاصة،على طريقتهم التي بدؤوها أول مرة فحدث الشرخ مرة اخرى بين العلويين والأمويين الذين كانت لهم مكانة سياسية في الخلافة منذ عهد الخليفة الثالث..هذا الخلاف الذي لم ينتهِ بواقعة صفين بين مؤيد للخليفة الجديد ومعارض له..حتى بدأت حسابات سابقة على عهد ما قبل الاسلام تظهر في مراكز القوى في مجتمع حديث عهد بالدعوة..ومنها حركة المعارضة الكبرى لعلي والتي سميت في التاريخ خطئاً بالخوارج ،وما هم بخوارج لكنهم ارادو ان يكون الحكم وفق نظرية -لا حكم الا لله- ويعنوا به العودة للشريعة وحرية الرأي والرأي الاخر الذي تعودوا عليه في مجالس الملأ قبل الاسلام ، لا ان تنفرد قريش بالسلطة دون الأخرين. .
وكان الامام علي مقتنعا بما طرحته المعارضة عليه دون قتال،..وهَمَ ان يدخل في نقاش معهم وهو للفكروالمنطق اقرب منه الى السيف ،لكنه وجد نفسه مطوقاً بأحداث ليس قادرا على السيطرة عليها،وخاصة من مؤيديه مثل الأشعث بن قيس قائد جيشه .. فنتيجة لعدم اتساع قاعدة الاختيار حدث الشرخ فتحول الامرالى نزاع السيف ،فكانت موقعة النهروان سنة “38 للهجرة”.التي هَزمت المعارضة.. وقتلت منهم الألاف وشققتهم الى فرق مختلفة.. لكن الامام أدرك خطأ الذي حدث ..فعاد الى الكوفة نادماً على خطأ مقاتلتهم .. وهو يردد الأية الكريمة “عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ،الممتحنة آية 7”) ،نهج البلاغة ،الجزء الاول ص144…بعدها قتل الامام سنة 40 من قبل احد المعارضين ، فعاد الحكم للامويين بعد ان تنازل الامام الحسن لمعاوية في الكوفة بمفاوضات سياسية سنة 41 للهجرة..من هنا بداءت الحكاية عندما نقل الامويون الحكم الى ملك عضوض..والعباسيين من بعدهم الى ملك بتفويض آلهي كما قال المنصور العباسي “ت158 للهجرة :أنما انا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده أطيعوني ما أطعت الله..أنظر الطبري في الرسل والملوك..فتجذر .الخطأ في السلطة حتى اصبح عندنا… له تاريخ..
يبدو لنا من الدراسة المعمقة والحيادية ان بعض المسلمين لم يعودوا قادرين على فهم طبيعة الامة الاسلامية لعدم اتاحة الفرصة لهم للحوار والتفكير وبيان الرأي والرأي الاخر بعد ان دخلت الامة في معركة النظريات الكلامية ..وبعد ان اصبح الخليفة الأموي همه السلطة لا شرعية الدين، حتى تعذر على الأمة ان تفهم انها وحدة عقيدية تقوم على مبادىء اخلاقية قبل ان تقوم على نظم ادارية..لذا فبدلا من ان يكون الشعور بالمسئولية تجاه العقيدة والدولة راسخا وواضحاً في نفوس الناس دونما حاجة الى رقابة من احد.. وهي اعلى درجات الالتزام بالقيم الدينية والمثل الانسانية..اتجهت القيادة الأموية الى تفريق الاموال بين مؤيديها بلا منازع ودون سلطة القانون.. “الهبات والعطايا” كما يفعل اليوم حكام العرب والمسلمين من اجل السلطة لا الدين ،..رغم وجود ديوان الجند والعطاء الذي ينظم امورهم المالية ..لكن الامويين لم يجعلوه عاما ليحسب حساب العامة من الناس في امة جاءت قوانينها مغايرة لكل القوانين السابقة لها قبل الاسلام كقوانين مجلس الملأ.. وحضارات الشعوب الاخرى.
ولحقت بها القياد العباسية التي حولت الحكم الى نظم ادارية آلهية منها تستمد السلطة كما قال المنصور وفي العصر العباسي الثاني والثالث وما بعدهما ظهر فقهاء التفسير ليحولوا العقيدة الى مذاهب شتى من أبتكاراتهم الفكرية دون سند ديني ثبت..وخاصة بعد مجيء الدولة البويهية “334-447 للهجرة “وظهور فقهاء الأمامية من أمثال الكليني”ت447” وكتابه الكافي ،والشيخ المفيد “ت431 للهجرة” وكتابه الأرشاد والطوسي وكتابه الأستبصار..ولقد حاول المرحوم محمد باقر الصدر العودة الى علم نشأة علم الاصول تفاديا للتشدد لكنه قتل بدوافع سياسية “عام 1980 م “فحالت وفاته دون تحقيق المهمة..من هنا بدأ الانقسام المذهبي الطائفي الذي عايش العقيدة وحولها الى أشتات فأنعكست بدورها على الأوضاع العامة اشتثاثاً وتفرقاً وأضطهاداً وتصفية بعد ان تغلبت العاطفة الدينية عليهم ونسوا ان هناك اسلام وحقوق وأستمرت الى اليوم تظهر كلما حانت الفرصة لها..بعد ان بقيت النار تحت الرماد…فأين شرعية السلطة الدينية التي بها يحكمون..واين مرجعيات الدين ؟ .
وبسقوط البويهيين ومجيء السلجوقيين عام “447 للهجرة” تحول الخلاف الى فِرقٍ متضادةٍ ومتناحرةٍ كما في الماوردي “450 للهجرة”.. ومؤلفهُ السلطة الجديدة ، والغزالي”ت505 للهجرة” ونظريته في الأمامة والسياسة ،التي تقول : “ان على الفقيه ان يعترف بالسلطة القائمة،لأن البديل هو الفوضى،فأجاز التسليم بأمامة غير مستوفية بشروطها الواجبة وقد برر ذلك بقوله :” ليست هذه مسامحة عن الأختيار ولكن الضرورات تبيح المحضورات ،أنظر ابو حامد الغزالي في مؤلفه الأقتصاد في الأعتقاد ص 217 طبعة بيروت عام 1969″.أما ابن تيمية ” فكان شعاره ان فصل الدين عن الدولة سيعني الفوضى مما مكن السلطة الدينية من الاستبداد السياسي في الدولة ،ليأتي من بعده السيد كاظم اليزدي الذي تولى مرجعية الامامية في النجف العقد الثاني من هذا القرن..الذي أكد على الخوف من الفتنة وطالب عموم أبناء منطقة الفرات الاوسط بمصالحة البريطانيين وأظهار الطاعة لهم ،أنظر كتاب حسن العلوي الشيعة والدولة القومية ص94. وهنا تجسدت منطقة الفراغ في السياسة الاسلامية ..رغم شذرات القوة التي سبق وان ظهرت متمسكة بما قاله خالد بن يزيد وموسى بن جعفر الصادق وابو ذر الغفاري لكنها وقفت عاجزة عن المجابة لقوة السياسة التي يدعمها السيف لتحقيق مغانم السلطة..
ان الذين كانوا يبحثون عن التأسيس القرآني للمجتمع..كان عليهم ان يحسبوا مفهوم المتغير الأجتماعي من وجهة نظر جدلية دون اهمال النص وتغير المعنى بالمرور الزمني ..لكي يتمكنوا من بحث ظاهرة ميلاد المجتمع الجديد..ليكتشفوا القانون الذي يحكم الظاهرة الجديدة..وهذا يعني وضع القوانين او السنن التي بواسطتها يمكن التأسيس القرآني للمجتمع..لكن هذا لم يحصل..فظلت الامور سائبة لسلطة القوة لا القانون وحقوق الناس..اذن..لماذا حدث التغيير في الاسلام ؟ هل لمجيء فريق سياسي مكان اخر ..أم من اجل المبادىء وتطبيقها بين الناس ؟كما حصل لنا في العراق وعموم الوطن العربي بعد مهزلة الربيع العربي الذي صنعة الاجنبي المحتل الجديد..؟
ان اهمية التجديد ..كان يجب ان يكون للاسلام مشروعاً جديدا على مستوى الرؤية التاريخية..وجدية في النظر والعمل الفكري والعلمي والقانوني معاً كما حصل في الثورة الامريكية عام 1774 والثورة الفرنسية عام 1789 والتي جست الحرية والاخاء والمساواة بقوانين ودساتير لا يمكن اختراقها..وهذا لم يحصل عندنا..؟ فتوقف المثل الأعلى والنموذج في النظرية والتطبيق..فلم تعد الرؤية..والمنهج واضحاً في تطبيق المشروع الأسلامي وتوجهاته وعلى مستوى الرؤية التاريخية.من هنا بدأ التوقف..؟
يبدو ان النظرية القرآنية المستندة على علاقة الانسان بربه – الآله الواحد- لم تفهم على حقيقتها من قبل المسلمين الأوائل حين تجاهلوا تلقائية مشاعر الولاء للدين في نفس الانسان فعدوها عبودية مجبرة عليهم بينما هي ارادة حرة لمن اطاع القرآن فظل الولاء مشتتاً بين ارباب متفرقين من الخلق حين كانت الصنمية لا زالت راسخة في عقول البعض منهم..
فالاجبار على قبول النصوص الدكتاتورية والظلم عند من كان يعتقد هو المنفذ للنص ..فَجَرَ ذلك الى الاستبداد الطبقي بينهم..وبذلك ضربت مفاهيم الحرية والمساواة بما لهما من آثارفي المجال الاقتصادي والسياسي..بعد ان اهملت بنظر البعض”لاتكن عبداًلغير الله”… اي لا تكن عبدا لغير الحق..فأن الحق حر..وبذك اصبحت نظرية تحرير الأنسان من العبودية او الخضوع لغير الله لا قيمة لها عند المسلمين..وكأنما عدنا الى ما قبل الأسلام كما هم يدعون..لا بل كانت قوانين مجلس الملأ أوفق للانسان العربي من قوانينهم..الأسلامية الجائرة على عامة الناس بغض النظر عن الدين…
من هنا بدأت المسيرة الرسولية ينتابها النقص بالمقارنة الى قمة الكمال التي كان الرسول (ص) قد بلغها..والمنطق يقول ان قمة الكمال لا ياتي بعدها الا النقص فبدأت الأنتكاسة الحقيقية لواقع التغيير الآيديولوجي للعقيدة ..وقد أستمر النقص على القوة فبتدىء التدهور في شكل تناقص مع الاسس التكوينية للعقيدة فحل التناقض بين منهجية القرآن ..وبين مدى تطبيق هذه المنهجية عند المسلمين..التي تجسدت في مجال أداة الحكم …وهي المشكلة السياية الاولى التي واجهت الدعوة المحمدية بعد وفاة الرسول ولا زالت..فتوقفت مبادىء الدعوة ..وبقي الاسلام سلطة لا امة ..ولا حتى دعوة .. ولا حقوق..عبر التاريخ والى اليوم..فما هو الحل ..؟
الحل.. يكمن في العودة للفكر السياسي السليم الذي توقف عند المشرعين الاسلاميين وبشكل حاد- من أول الأمر- وتلك كانت المصيبة الكبرى التي حالت دون ضبط نظم الحكم في الاسلام والتي ادت الى كل الازمات القاتلة التي مر بها العرب والمسلمين عبر تاريخهم الغامض الذي زاده المؤرخ غموضا بمفبركة النصوص تبعا لمصلحة السلطة في العهدين الاموي والعباسي ..وظلت الازمات تترى لان الحاكم اصبح مدلساً ومغلساً عن الحق– كما عندنا اليوم- عن كل حادثة حدثت في مقتل خليفة او حاكم او حقوق مواطن او وطن .. فضاعت الأمور واصبح ميزان الباطل يعلو على الحق ..وانا اقول بأعتباري – قارئاً ومؤرخاً – لمن يحكمون في بغداد وغيرها من امة العرب ..اذا خرجت منكم سلطة الدولة اليوم بفعل اخطائكم المميتة فلن تعود اليكم ابدأ ايها الفاسدون..فلا تتحججون بالاسلام واهل البيت ومراسيمهم العشوائية ومرجعياتكم التي لا تعرف الا الاوراق الصفراء البالية ..فانتم اعداء الشعب اليوم،واعداء الدين بعد ان اوصلتم الاسلام كعقيدة تعيش في لغة الناس…وليس في واقعهم..ولو كنتم من الرجال الصادقين لخرجتم للناس وأعترفتم عن تجاوزكم لشرعية السلطة والدين..بعد ان قتلتم شعباً باكمله ..لكنكم انتم والدين والأنسانية على طرفي نقيض…
ومن نافلة القول نقول : ان اهل البيت ويتقدمهم الامام جعفر بن محمد الصادق .. رفضوا استلام خلافة على طريقة السلطة الغاشمة ..حين رفض الامام رسالة ابو سلمه الخلال عام 132 لتسلم الخلافة قائلاً :” ما انا وابو سلمة وابو سلمه شيعة لغيري فاخذ الكتاب ووضعه على السراج واحترق وقال نحن اهل البيت ما جئنا لحكم الناس بل لنشر العدل بينهم..وهذه هي نفس الدعوة التي نادى بها الحسين بن علي.عند قدومه الى العراق عام 61 للهجرة .. وما هذه الهلمة اليوم من المغالات في احزان عاشوراء والمناسبات الدينية المتشددة الا دعوات قصدية للسيطرة على حكم الاسلام باسم اهل البيت وهم منها براء..”أنظر المسعودي في كتابه مروج الذهب ج2 ص166-167 الطبعة القديمة.
وتكررت الحالة عند الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز(ت101 للهجرة” برفضه خلافة متعصبة دون قوانين الاسلام وحقوق المواطنين حتى قتل بالسُم ومات أثره من بعده..
اذن لابد من تغيير جذري لكي تنهض الامة العربية..وتتجدد القيم..وتستمر المجتمعات الجديدة عليها..وعلى مستوى الرؤية التاريخية..ومستوى العمل الفكري الحاضر والشامل..وبعد ان ترتبط التوجهات بالمنطلقات لتحديد المسار الجديد..فالامر يحتاج لمشروع وليس لمجلس امة وحكومات ومرجعيات دينية قبلت بخيانة الوطن وسرقة المال العام مع الأجنبي الذي يسمونه بالكافر- وهم الكافرون بالقيم والعقيدة – وقتل ابناء الوطن وتغييبهم ..وتسليم الوطن للأجنبي مقابل امتيازات سلطة وحُكم..من هؤلاءالخونة المختارين بالمال والهبات الذين .. لا يحسنون صناعة مفردات التاريخ نريد بناء وطن …. وهم والعقيدة الدينية والوطنية على طرفي نقيض ..هؤلاء الذين لا يؤمنون بقيم الاسلام عقيدة وشريعة ..عن اقتناع…
وبالرغم من هذا الخروج السلطوي على التراث ومبادىء عقيدة الدين..سيبقى الدين والتراث أقوى عوداً من جميع أولئك الممرورين الناكثين،لأنه ينبع من عين صافية لا عشوة فيها ولا ظلام..كما يقول البروفسر المرحوم جعفر آل ياسين.
.
[email protected]

Read our Privacy Policy by clicking here