التواصل الاجتماعي في نظرة تاريخية للتنشئة

التواصل الاجتماعي في نظرة تاريخية للتنشئة

من الامور المهمة في حياة المجتمعات الحاضرة هي الالتزام بالقيم الاصيلة والتخلي عن التشويه وعدم اللهاث وراء الموضة والتقاليع الجديدة و حركات الميوعة وخلق ذهنية وسلوكية تتناقض والقيم السائدة التي تنبع من إرهاصات تاريخية واجتماعية تختلف باختلاف ثقافة تلك المجتمعات وبالتالي تهديدها وتدميرها .

بعد الثورة التكنولوجية الحديثة للتواصل وفي نظرة تاريخية للتنشئة حيث تبادل الناس قديماً المعلومات في المقام الأول مشافهة.او عن طريق انواع من الطيور( الزاجل ) المدربة التي تتميز بقوة اجنحتها وطول طيرانها و تعلق الرسائل في رقبتها او ينقلها عداؤون لمسافات طويلة. واستخدم الناس قرع الطبول، وإشعال النار، وإشارات الدخان للاتصال بالآخرين الذين يفهمون الرموز المستخدمة ، كانت كذلك الصور والرسوم هي الخطوات الأولى نحو اللغة المكتوبة ، وقد بدأ الفنانون قبل التاريخ استخدام سلسلة من الصور لحكاية قصة، كتاريخ رحلة صيد ممتعة أو عاصفة عنيفة و” شهد التاريخ سلسلة من ثورات الاتصال في البداية كلغة الإشارة حيث استعملت كوسيلة التواصل بين الناس، ثم اخترعت الكلمات المنطوقة لتسهيل التواصل، وبعدها اخترعت الكتابة التي ساعدت أيضًا في عملية التواصل، وعلى مدار السنين بدأ الإنسان يفكر ويخترع ، فتوصل لأهم وسائل الاتصال كالمنشورات، والجرائد، والتلغراف، والهاتف، والراديو، والتلفاز وهكذا توالت الاختراعات حتى جاء القرن العشرين الذي شهد ثورة حقيقية في الاتصال والمعلومات، فتم اختراع الانترنت الذي تطور بدوره فتم استحداث مواقع ومنصات اجتماعية كان لها دور كبير في نهضة البشرية” .

في عصرنا الحاضر سادة الثقافة كل الزوايا والمنعطفات الفردية والاجتماعية للعالم وعادةً ما تحدّد الوتيرة التي ستسيرُ عليها طبيعةُ العلاقات وقلت وزادة اثر دخول وسائل الاتصال المختلفة للحياة التي أسهمت إسهامات عظيمة في تفعيل المشاركة لتحقق رغبة كل فئة في الاهتمامات والمساهمة في الأنشطة نفسها، كما أن لهـا دوراً مهمـاً فـي التشبيك والمنا صرة والضغط والتفاعل والتأثير على القيادات المجتمعية إذا ما أحسن استثمارها واستغلالها وتوجيهها بشكل جيـد في تحول الأقوال والأفكار والتوجهات إلى مشروعات عمل جاهزة للتنفيذ، لذا لا يمكن أن نعد التواصل عبر الشبكات الاجتماعية موضة شبابية تتغيـر مـع مـرور الزمن بل أصبحت وسيلةً لا بدّ منها في كل مجالات الحياة و أثرة في التنشئة الجيل الطموح للتقدم ايضاً وتقريب الروابط بين البلدان بشكل اسرع مما جعل العالم وكأنه قرية صغيرة لدرجة تلغي أية حواجز قد تتكون بينهم لسبب أو لآخر ،والتي ساعدت على سرعت نقل المطالب .

وبلا شك ان الإنسان مدنيٌّ بالطبع” حقيقةٌ لا يُمكن إنكارُها أو التغاضي عنها فإذا نظرنا للعلاقاتِ الإنسانيةِ مُنذ القِدَم وجدنا أنَّ الإنسان لم يستَطِعْ العيشَ بمُفردِهِ فحاولَ أنْ يُقيمَ العديدَ من العلاقاتِ الاجتماعيّة مع بني جنسهِ ابتداءً من عيشِهِ في مجموعات وانتقالهِ معها في عصرِ الإنسان الأوّل مُروراً بعلاقاتِ العملِ والتعاونِ والمشاركةِ، وانتهاءً بعلاقاتِ الزواج التي لا بُدّ من وجودِ نوعٍ من التشابُهِ التوافقِ بينَ الاشخاصِ الذين يسعى الإنسان للتعاونِ معهم والاختلاطِ بهم، كأنْ يكونَ هناك توافقٌ فكريّ، أو ثقافيّ، أو معرفيّ، أو اجتماعيّ و لا يشعر الفرد بالدونيّة أو النقصِ حين يتبادلِ الأحاديثَ أو المُعاملاتِ مع الفرد الاخر”. ووسائل الاتصال هذه لها فوائد جمة منها:على سبيل المثال التعلم والتشبيك، فالتعلم المساهمة في تثقيف الأفراد، وتوسيع مداركهم وآفاقهم،المساهمة في مواكبة أحدث التقنيات، والاكتشافات، والمنتجات الجديدة،التسويق للنشاطات المجتمعية المختلفة، المساعدة في التغلّب على الحواجز اللغوية وعملية التواصل مع الأفراد بشكل خاص ، وتميز ببروز دور الفرد كفاعل في صياغة وتشكيل وانتشارنوع جديد من الاعلام،والتعبير في الاتجاهات والأفكار كافة داخل المجتمع في ظل حوار تكون ركيزته الندية بين الفرد والنخبة والجماهير .

كذلك يلعب الإعلام في وقتنا الحاضر دوراً كبيراً في ضخ المعلومات الخبرية الثقافية والاجتماعية والسياسية …الخ الى الرأي العام فهو يشكل عصب الحياة نظراً لذلك الدورالسريع والتأثير على مختلف السياسات العامة للشباب، وبكونه سلاح ذو حدين أولهما ايجابي يساهم في بناء المجتمعات وتوعية الشباب وسلبي اذا ما استغل بشكل خاطئ يعمل على تفتيت المجتمع وتخريب أذهان الشباب ،ومن وجهة نظر البعض أنها أثرت على العلاقات الاجتماعية وصلة الرحم بشكل سلبي حيث قربتْ البعيد وبعدت القريب والأهـل ملزمون بتعليم أبنائهم الصح والخطأ والإشراف عليهم وإرشادهم إلـى اسـتغلال هـذه التكنولوجيا بشكل صحيح حتى لا يقعوا في الانشطة الانحلالية مثل الادمان واهدار الوقت والتفسخ الجنسي والسلوكيات المغرضة والمشاركة في الامورالعائلية وتفكيكها والضياع في الاحلام الوهمية .

بحسب آراء بعض الأطباء النفسيين ،هي تخلق حالة من السكون والخمـول لأن الشخص عندما يقوم بذلك فهو سيفقد متعة الحياة من مغامرة وتشويق وتعارف مباشر واطلاع اقرب وتجارب أكبر، وقد يظهر في الكثير من الاحيان الفَرْدُ خِلاف ما يُبطِن ، فهذا يعني انه يحدث شَرْخًا عميقًا بين الفرد والمجتمع ، كما يعني أن المجتمع بكل مؤسساته يَضغط على الفرد لِسَلْب ارادته الخاص، ومَنعه مِن التعبير عن أفكاره بحُرِّية ، وهذه الخُطوة الأُولَى لتدجين الفرد ، وإدخاله إلى الحظيرة ، وتحويل المجتمع إلى قطيع يُساق إلى حافة الهاوية . وسياسةُ حافة الهاوية التي تُكرِّسها السُّلطة في المجتمع المُحَاصَر ، هي منهجية شديدة الخُطورة ، لأنها تُحوِّل الفَردَ مِن كيان إنساني جوهري قائم بذاته ، إلى شيء هامشي عَرَضي في مَوضِع العَرْض والطَّلَب ، وتُحوِّل الأنساقَ الاجتماعية إلى سِلَع في أيدي أصحاب السُّلطة القادرين على الدَّفْع ، وَمن امتلكَ القُدرة على الدَّفْع ، امتلكَ القُدرة على الكلام . والجديرُ بالذِّكر أن سياسة حافة الهاوية تُقَدِّم صُورةً خادعة عن المجتمع ، فيظهر مَجتمع القطيع للناظر إلَيه مِن بَعيد مُجتمعًا مُنظَّمًا متماسكًا ذا مَسار واحد ، وهدف مصيري مُشترك . وفي حقيقة الأمر عند ملامسة ذلك المجتمع بشكل مباشر تراه ، إنَّهُ مجتمع مُفكَّك مِن الداخل ، وأنساقه الاجتماعية مضمحلة لامحال تدريجيًّا ، وهذا يمثل الانتحارُ الاجتماعي التدريجي لها.

عبد الخالق الفلاح

Read our Privacy Policy by clicking here