قبل أن أتحرر من نير ” الحرة”

قبل أن أتحرر من نير ” الحرة”

جميل ظاهري

بالكاد ، و متحملا اطنانا من وخز الضمير ، كنت اسوق نفسي في الصباحات الباردة الى مكتبنا القريب من العاصمة واشنطن ، متمثلا بالآية الكريمة ” كانهم يساقون الى الموت وهم ينظرون ” . ادخل غرفة التحرير ، او غرفة السيطرة ، فارى الوجوه المكفهرة تتلألأ فيها بشائر النفاق مع خيوط الشروق الاولى للشمس . الجميع يبدو وكانه يتسابق لارضاء الادارة التي تغط في نوم عميق في ذلك الوقت ، فمن لم يستطع بابتسامة مصطنعة ، فبرسالة الكترونية دنيئة تجدد عهد الولاء ، وذلك اضعف الايمان . هذا هو جدول اعمالي المكرور يوميا في مكتب الحرة ، وان كان بصيغ مختلفة ، منذ نحو اربع سنوات . رحلة موبوءة من الخداع والضحك على الذقون والتسابق في تضليل المشاهدين عبر البحار ، لو وجدوا طبعا . سؤال كان ينخر دماغي دائما قبل ان احزم امتعة الرحيل ، ترى كم من هؤلاء الزملاء يماثلني في الشعور ، لكن الجميع يخاف من الهمس بما يشعر به حتى للجدران ، لان المكتب الذي يعج بالاسلاك من فوق ومن تحت ، تحول منذ سنوات الى ما يشبه رواقا من اروقة مديرية الامن العراقية العامة ، سيئة الصيت . تصاعدت الضغوط ، ومعها ارتفعت اصوات الاشتباكات اليومية مع المسؤل ( المعتمد جدا) لدى الادارة ، احيانا لاسباب تافهة تعكس حالة التوتر التي وصل اليها الموظفون المقادون كالانعام … تهرأ حبل الصبر ، فقررت الرحيل ، عارفا تماما ان وراء هذا القرار ، تشردا ، وفقرا ، وضياعا وربما فقدان عائلة ايضا . وهذا ما حصل تماما . الانجاز الوحيد الذي حققته من اتخاذ هذا القرار هو انني اصبحت اتنفس لنفسي وبرئتي وبالوقت الذي اريد . عندما يسوقك قدرك للعمل في مؤسسة اعلامية عربية في العاصمة واشنطن ، مهما كانت وظيفتك ، عليك ان تعرف مسبقا بانك مهما تانقت في المظهر العام ، فان مصيرك لا يتجاوز مصير خروف في عيد الاضحى باحسن الاحوال . والبديل الوحيد هو انك ترهن إليتك بكرامتك و رقبتك بحبل مؤسسة اعلامية اخرى في العاصمة الاميركية ، تؤجل نحرك الى عيد آخر وربما بين العيدين ، او تنسجم مع القطيع الذي ينعق مع كل ناعق . هنا – والحال هذه – يجب ان يكون خنزير اسرائيل بنيامين النتن ياهو هو البطل القومي المنتظر للعربان ، وان العدو الوحيد الذي يزعزع الأمن في سقطرى اليمنية الآمنة هو صاحب المقهى الذي يزود خطيب جمعة طهران بالشاي . أي شي يتناقض مع هذه الرؤية ، فهو غير صالح للبث وعلى كل من حرر او اعد مثل هذا الخبر المتآمر على الامن القومي ان يحضر اجوبته المقنعة للادارة الامنية ويبدأ بالعد التنازلي . في جو محتقن كهذا ، لا غرابة ان نسمع عن اربعة منتسبين ( اكبرهم دون الاربعين من العمر ) استدعيت لهم سيارات الاسعاف في الاسبوع الاخير من الشهر الماضي ، ولا علاقة للمسكين كورونا باي من هذه الحالات الطارئة . عندما تاسست الحرة في الفين وثلاثة وانطلقت في الفين واربعة ، كانت إغراءات استدراج الموظفين للقناة في ذروتها ، فجاءها الملبون من كل فج عميق من شرق اوروبا الى غربها الى المنطقة العربية . منذ خمس سنوات بدات القوارض البشرية تقرض في هذه الامتيازات حتى اصبحت اليوم قريبة من حدها الادنى . في سبتمبر ٢٠١٨ اصبح عشر مذيعين بكامل اناقتهم على مجزرة ايلول الاسود، دون ان يمنحوا وقتا للسؤال عن سبب المجزرة . وبعده بأيلول آخر ” قبل اكثر من عام ” جاء الدور على مجموعة محررين ومنفذين محترفين ومحترمين ، واسوة بسابقيهم ، لم يمنحوا سوى فرصة التوقيع على اوراق طردهم من المؤسسة . في صيف هذا العام واستباقا لمجزرة ايلولية مرتقبة ، تعرضت الحرة لتسريب كبير لعله الاكبر من حيث العدد مقارنة بالزمن . فقد غادرت القناة مجموعة من الموظفين الى محطة عربية ناشطة في منطقة العاصمة تستعد لتغطية انتخابات الرئاسة الاميركية في الثالث من نوفمبر . عدة امور اجتمعت لايقاف مجازر الحرة الايلولية ، ابرزها غياب القيادة ، حيث المحطة بلا مدير ولا مدير اخبار منذ سنة تقريبا . الاستقالات الجماعية التي استبقت ايلول ولدت فراغات كبيرة . تفشي فايروس كورونا في الولايات المتحدة عموما وفي القناة خصوصا . تقلص عدد المتقدمين للعمل في الحرة بسبب انخفاض الامتيازات الممنوحة للموظفين الى حدها الادنى . الشهران المقبلان كما هما حاسمان بالنسبة للولايات المتحدة ، فهما حاسمان لقناة الحرة ايضا . ثمة اجماع على تغيير قادم ، لكن لا احد يعرف شيئا عن ملامح هذا التغيير

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close