ثلاث قصص من الأدب الساخر

ثلاث قصص من الأدب الساخر

1

في أمريكا لا يقوم الميت بعد ثلاثة أيام

نبيل عودة

حنا وزوجته مريم يقيمان في تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية، كانا يخططان منذ عدة سنوات لزيارة القدس والمدن التي شهدت ولادة المسيحية. حين عرفت حماته انهم ينوون زيارة مهد المسيحية أصرت ان ترافقهم، فهي امرأة متدينة جدا، تتواجد دائما بصلاة الأحد وبكل صلوات الأعياد.

عرف حنا ان زيارته ستكون موجعة للرأس بمرافقة حماته كثيرة الوعظ والانتقاد لكل تصرف منه، بل ولكل موقف يطرحه بوجودها، حتى لو كان تصرفا سليما، او رأيا لا غبار عليه، الا انها دائما يجب ان تجد نقصا لديه. كانت كثيرة النق والبرم والتنبيهات، وحنا يحاول دائما ان يتجاهل كلماتها ومضايقاتها، وقد شعر بالغضب لأنها أصرت على مرافقتهم في زيارة العمر الى البلاد التي نشا فيها يسوع المسيح ومنها انتشرت المسيحية الى مختلف ارجاء العالم. لكن التعاليم المسيحة تأمر بالمعاملة الحسنة وحب الوالدين ومساعدة كل انسان، حتى لو كانت حماته المزعجة.

اثناء زيارة كنيسة القيامة في القدس والتي تسمى أيضا كنيسة القبر المقدس، حيث دفن المسيح وقام بعد ثلاثة أيام من بين الأموات وصعد الى ابيه الذي في السماء، دخلت حماته لزيارة القبر، بكت كثيرا على موت المسيح، لدرجة ان ضغطها ارتفع، وطلبت المساعدة لتخرج من القبر، كان وجهها اصفر، ونفسها ثقيلا، أجلسوها على مقعد جلبوا لها كاس ماء، لكنها سرعان ما فقدت وعيها وتشنجت. طلبوا الإسعاف الذي حضر وحاول ان يعيد لها نبض القلب. لكن عبثا واسلمت الروح بقرب قبر المسيح.

قام حنا باتصالات مختلفة لضمان دفن حماته او نقل الجثمان للولايات المتحدة.

قابل شخصا مسؤولا، قال له: امامك حلين، الأول نقل الجثمان للولايات المتحدة سيكلفك 25.000 شاقل.

تفاجأ حنا لأن المبلغ مرتفع جدا، ولا يعرف كيف يتدبره. سأل:

– وما هو الحل الثاني؟

قال المسؤول: الحل الثاني ان تدفنها هنا في القدس بتكلفة 800 شاقل فقط.

بعد تفكير وحسابات انتفض حنا وقال بحزم: لن ادفنها هنا في القدس، بل سأنقلها الى الولايات المتحدة .. وسأستدين المبلغ من البنك، لأنه يا أخي العزيز المسيح حين مات في القدس قام بعد ثلاثة أيام .. وفي أمريكا لم يقم أي مسيحي بعد ثلاثة أيام من موته!!

2

دفن حماته… فقـــط !!

التقى طوني مع صديقه جميل، تعانقا بمودة وشوق.

– اشتقت لك يا جميل، تمضي السنوات بسرعة ما أروع اللقاء بك بعد هذا الانقطاع الطويل.

– لا شيء يوقف الزمن الملعون. انا أيضا اشتقت لك يا طوني ولأيامنا الماضية، ليتنا نعود تلامذة مدرسة لا نحمل الهم ولا نعرف الغم.

-أراك غاضباً متوتراً، ماذا حدث؟

-…..

لم يرد. نظر طوني الى وجه جميل وهاله ما رأى، كان وجه صديقه شاحباً ومليئاً بالكدمات، وكأنه خارج من طوشة عمومية. عندما التقاه لم يلاحظ وجهه، ولم يفكر الا بعناق هذا الصاحب العزيز على نفسه، والذي تربطه به ذكريات لا تنسى.

انتبه طوني ان الجروح تغطي ذراعي جميل وصدره ورقبته أيضا، قال لنفسه لا بد انها خناقة من خناقات جميل، يبدو انها عادة أخلاقية ولدت معه ولازمته رغم تقدمه في السن.

منذ ايام المدرسة كان شقياً ومقاتلاً، ولا يتردد في الدخول الى معركة ضد من هم أكثر منه أو أكبر منه دفاعاً عن صديق، او شخص ضعيف، او زميل في الصف. وكان بسبب جرأته وإقدامه يفرض هيبته على جميع طلاب المدرسة كباراً وصغاراً.

هل ما زال جميل بنفس الطباع؟

– ماذا حدث لوجهك إذن يا جميل؟ انظر لحالتك؟ كلك مليء بالجروح، من ضربك؟!

-لم يضربني أحد.

– ما زلت تتورط بالعراك؟ لم تبطل عادتك؟

– أبدا.. لا شيء من ذلك. أنا لا أتعارك مع أحد.

– ربما لا يجرؤ أحد على عراكك، يعرفون انها معركة خاسرة؟

– لا يا طوني، لم أعد أتعارك، عندي همومي وهي أكبر من العراك مع الناس.

– اذن من سبب لك هذه الجروح والكدمات على وجهك وصدرك وعنقك وذراعيك؟

-لا شيء مهم، اليوم دفنت حماتي؟

– حسنا، الله يرحمها، ومن سبب لك هذه الجروح؟

– أوه يا صديقي، هذا بسبب رفضها الدفن!!

3

لعبـة الغولـــف

تنافس النبي موسى والمسيح بلعبة غولف. ضرب موسى طابة الغولف بعصا الضرب فطارت إلى مسافة بعيدة، سقطت قبل الحفرة بمتر واحد، لكنها واصلت التدحرج، مرت بمحاذاة الحفرة على بعد أقل من سنتيمتر واحد، أثارت توتر موسى بأنها بالتأكيد ستدخل الحفرة.. لكنها استمرت تتدحرج إلى بركة ماء بلصق ساحة اللعب.

ضحك المسيح سعيدا لأن الطابة تخطّت الحفرة.

قال موسى غاضبا:

– “سنتيمتر واحد وكنت سأسجل الفوز الأول”.

قال المسيح لموسى:

– ” لديك ضربة أخرى من داخل الماء” وابتسم.

قال موسى غاضبا:

– ”لا استطيع السير مثلك على سطح الماء”.

قال المسيح:

– “اذن اعترف بخسارتك؟”.

فكر موسى قليلا ولم يجد حلا. أخذ عصى الغولف وخاض حتى ركبتيه داخل ماء البركة، وضرب الطابة بقوة باتجاه الحفرة لكنها طارت ابعد وهبطت على الضفة الثانية لملعب الغولف.

جاء دور المسيح، ضرب الطابة بعصا الغولف فطارت بعيدا وراء الحفرة، بل تجاوزت ملعب الغولف إلى الشارع المقابل، مرت بنفس اللحظة سيارة أصابت الطابة التي ارتدّت عاليا نحو الملعب مرة أخرى، تدحرجت بجانب البركة وحطت فوق زنابق على حافة بركة الماء حيث رأتها ضفدعة، فقفزت الضفضعة عليها وتناولتها بأسنانها، بنفس اللحظة انقض نسر على الضفدعة وأمسكها بمخالبه وطار بها عاليا في الفضاء والكرة بين أسنان الضفضعة، أسقطت الضفدعة الطابة من فمها وهي بين مخالب النسر في الفضاء فإذا هي تدخل الحفرة مباشرة.

صفّق المسيح وصاح سعيدا:

– سجلت اول انتصار عليك!

ثم نظر الى السماء وقال:

– شكرا يا أبي.

عبس موسى حائرا، ثم قال له:

– لا أحب اللعب مع والدك !!

[email protected]

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close