اليهود جاؤا من جزيرة العرب ح 4 الأخيرة

اليهود جاؤا من جزيرة العرب (*) ح 4 الأخيرة، د. رضا العطار

عام 1937 كنت تلميذا في مدرسة (العلقمي) الابتدائية في كربلاء، كان مدير مدرستنا يومذاك المرحوم حمزه بحر والذي اصبح فيما بعد قاضيا معروفا.
وفي احد ايام الخميس ظهرا ونحن التلاميذ في حالة الاصطفاف متأهبين للانصراف خاطبنا المدير قائلا : اولادي عليكم ان يجلب كل واحد منكم معه عانة (اي اربعة فلوس) بعد ان يقول لذويه بأن الحكومة ستشتري السلاح اللازم بتبرعاتكم هذه لطرد الصهاينة المعتدين من فلسطين العربية، كان ذلك زمن المغفور له الملك غازي.

أقول، وبعد مضي 75 سنة من هذا التاريخ، عثرت بطريق الصدفة على كتاب في احدى مكتبات واشنطن، يحمل عنوان ( التوراة جائت من جزيرة العرب). وبعد ان قراءته علمت بان موطن اليهود الاصلي، كان في منطقة عسير في شبه الجزيرة العربية وليس في فلسطين.

هذا الكتاب وضعه الدكتور كمال الصليبي، المتخصص في مادة التاريخ، في الجامعة الأمريكية في بيروت، عُرف بموضوعيته وجديته في الدراسات التاريخية العديدة، وقبل ان يضعه في صيغته النهائية عرضه على عدد كبير من دور النشر الأجنبية، لكنها رفضت طبعه، ماعدا مؤسسة – دير شبيغل – الالمانية التي اشترطت ان يراجع الكتاب وينقحه نخبة من العلماء واساتذة التاريخ بهدف تقويمه قبل اقرار نشره، فإذا كان التقويم ايجابيا، فأنها ستقوم في طبعه وتوزيعه على بلدان العالم باللغات الحية. فكان لها ما ارادت، ثم بدأت حملة اعلامية واسعة ضد الكتاب ومؤلفه من قبل الدوائر الصهيونية داخل فلسطين المحتلة وخارجها.

ان المؤلف يطرح نظرية جديدة تقوم على وجوب اعادة النظر في – الجغرافية التاريخية للتوراة – حيث يثبت ان احداث – العهد القديم – لم تكن ساحتها فلسطين بل انها كانت في جنوب غربي الجزيرة العربية وفي منطقة عسير بالذات. ويستند في ذلك على ادلة اكتشفها في مجالي اللغة والآثار، يحدد اسماء الامكنة والمواقع المذكورة، معتمدا على زياراته الشخصية لتلك المناطق في مرتفعات تهامه وسهول عسير وجنوب الحجاز. والتقى بمجموعة من العلماء السعوديين البارزين، من امثال الشيخ حمد الجاسر ولم يعتمد على مصادر اجنبية بل اعتمد على المشاهدة وعلى مراجع عربية وعلى القراءة المتأنية للتوراة وشروحاتها وما كتب عنها وما ورد فيها من وقائع واحداث واسماء لأمكنة كثيرة حتى خرج بهذا الكتاب.

هذا الكتاب بحث في جغرافية التوراة على اُسس جديدة وخلاصته ان البيئة التاريخية للتوراة التي نشأت بداية في محاذاة الساحل الشرقي للبحر الاحمر، وتحديدا في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن، وبالتالي فإن بني اسرائيل من شعوب العرب البائدة اي من شعوب الجاهلية الأولى. وقد نشأت الديانة اليهودية بين ظهرانيهم ثم انتشرت من موطنها الاصلي الى اطراف الجزيرة العربية ومنها فلسطين.

وهذا الانتشار سلك طرق القوافل التجارية العابرة لشبه الجزيرة العربية الى العالم القديم، كان اقليم عسير مكان اللقاء للقوافل المحملة بتجارة بلدان شرق افريقيا الواقعة ضمن حوض المحيط الهندي، وكذلك القوافل المحملة بتجارة العراق وفارس فضلا عن الشام ومصر في حوض البحر الابيض المتوسط . ولا بد ان المستوطنين اليهود الاوائل كانوا ضمن رجال القوافل في تلك الخطوط التجارية.

يستفهم من هذا العرض البسيط بأن الفلستينين الساميين العرب، هم الآوائل الذين هاجروا من قلب الجزيرة العربية الى ارض كنعان، لذلك صارت البلاد (فلسطين) تعرف بأسمهم، وان اسم ارض كنعان ظهر اول مرة بعد هجرة الكنعانيين العرب اليها، بردح طويل من الزمن، كان ذلك 3000 سنة قبل الميلاد، سكن قسم منهم فلسطين الحالية والقسم الاخر سكن الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، الذين اطلق عليهم الأغريق، اسم الفنيقيون.

اقول: ان الكنعانيين الذين تركوا مناطقهم في جنوب الجزيرة العربية كاليمن وحضرموت، كانت الهتهم مثل عشتروت و شمش والهة القمر مشابه الى الهة البابليين. هذا التشابه لهو دليل ساطع على انبثاق المجاميع العربية من موطن واحد، والتي هاجرت من موطنها الأصلي في الجزيرة العربية الى المناطق الخصيبة في الشمال، هذا ما يأكده عالم الأثار الشهير ( صموئيل نوح كريمر )

اذا اعتبرنا الدقة والأمانة في العمل هما من شيمة المتخصصين في البحث العلمي، وفي حقل التاريخ القديم، فإن قليلون منا من يدقق النظر فيما يقولونه، فليس كلنا عالم آثار، ولهذا عندما يقول هؤلاء رايهم في موضوع ما، نأخذ كلامهم على انه كلام ثقة، وفي مثل هذا الموقف يفتح الطريق امام اخطائهم دون حساب حتى يصل بمعلوماتهم الى حد الفضيحة، خاصة في حقل علم الآثار التوراتي.

فالحفر، بغية التنقيب عن الاثار شئ، وما يفعله الباحث التوراتي بنتائج الحفر شئ أخر. وهنا يكمن الفرق بين البحث الأثري العلمي والبحث الأثري المتحيز، فالاول يحاول دراسة الثقافات والحضارات القديمة للمنطقة والثاني لا يبحث سوى عن بقايا مادية في منطقة معينة حددت مسبقا على انها ارض توراتية. فلا غرابة ان اعتبرت بقايا تحصينات قديمة قرب – بئر السبع الفلسطسنية مثلا – بأنها اسرائيلية قبل ان يفكر (الباحث) في احتمالات اخرى. او عندما عثر على نقش لكلمة – ليتم – الى الغرب من العقبة في منجم للنحاس، يسارع العبري الى الأستنتاج بأن هذا الختم لا بد انه كان يخص الملك يهوذا، ثم يعلن للعالم ودون ان يرف له جفن، اكتشاف مناجم النحاس التي كانت خاصة بالملك سليمان.

ان الباحث لا ينكر ان جماعات من اليهود عاشوا في فلسطين في ايام التوراة وجل ما يجادل البحث فيه هو ان اليهودية ولدت في غرب الجزيرة العربية وان ارض الشعب اليهودي البائد المعروف ببني اسرائيل كانت هناك وليس في فلسطين. وان – الحجر الموآبي – الذي اكتشف في غرب بحر الميت عام 1868 والموجود الان في متحف اللوفر بباريس، يؤكد اليهود بأصرار على انه جزء من التاريخ التوراتي، دون ان تكون معززة بالشواهد الموثقة

ان الجداول الطوبوغرافية الاشورية والبابلية تبين ان سرجون الثاني – 721 – 705 – قبل الميلاد تقدم في حروبه في غرب الجزيرة العربية حتى وصل الى تخوم اليمن الشمالية و فتح في طريقه مدينتي سمرن وخمري وقد ساد الاعتقاد على ان الاشارة الى هذين الاسمين العبريين: هما السامرة وبيت عمري. وقد كانتا فعلا ضمن مملكة عمري الاسرائيلية في عسير الجغرافية. والسامرة ما زالت هناك وقد تغير اسمها الى شمران، لكن صيغتها التوراتية لم تتغيير.

وبالأضافة الى الجداول الاشورية والبابلية، فإن هناك سجلات تدعى بالعمارنة، تشهد بوجود مدن كانت تحمل اسماء عبرية كثيرة منها أكا ( عكا ) ويافو ( يافا ) مطابقة للأسماء الفلسطينية الحالية، وان الاسماء التي نذكرنا، قليلة من كثير. وانها لا زالت مستمرة في الوجود في غرب الحجاز وفي عسير بالذات بالصيغة الاصلية و بأحرفها الساكنة.

كانت ارض (يهوذا) في الازمنة التوراتية تشمل الجانب البحري من عسير الجغرافية، وتحديدا من الشق المائي لأمتداد السراة وحتى صحراء تهامة الساحلية. ويهوذا هذا هو احد رؤساء قبائل بني اسرائيل، الذي اخذ اسمه من جده الأعلى يهوذا بن يعقوب المدعو ايضا اسرائيل. ويهوذا اسم مملكة داود ايضا، بعد وفاة سليمان. ومن اسم هذه المملكة جاء اسم (اليهودية ) كدين.

يظهر من قراءة الاصحاح 10 من سفر التكوين ان العبرانيين الذين كانوا منتشرين بين احراش عسير، كانوا يُعرفون ببني عابر. والتفسير التوراتي: ان عابر هو جد الشعب العبراني الذي انحدرمن سلالة سام بن نوح، وكان لسام هذا خمسة ابناء احدهم، ارام جد الاراميين والاخر ارفكشاد وهو جد عابر. وكان لعابر ولدان فلج الذي انحدرت من سلالته ابراهيم واسحق، اما يقطان فقد انحدرت منه قبائل اليمن وسبأ وحضرموت.

ختاما اقول انه قد يمكن ذات يوم اذا ما قرر الجيل الجديد من باحثي التوراة ان يهجر المعلومات المتداعية التي درج الأتباع عليها في هذا الحقل، ان يعيد نظرة شاملة في قراءة التوراة العبرية بالشكل الصحيح وبأسلوب موضوعي علمي غير عاطفي بأعتبارها مجموعة نصوص قديمة لم تحل رموزها التاريخية والجغرافية بعد، وقد وصلتنا هذه النصوص من ماض سحيق بلغة سامية منسية منذ اكثر من خمسة وعشرين قرنا وقد تحورت فيها المعاني في تلك الاثناء عن طريق ادخال الضوابط عليها بصورة اعتباطية في احيان كثيرة.

* مقتبس من كتاب افكار ومواقف لمؤلفه الامام عبد الفتاح إمام

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close