الهجرات العربية بأتجاه الشرق قديما ! حضرموت ودورها المحوري في نقل الثقافة الاسلامية الى اقطار جنوب شرق آسيا ! (اقتباس) ح 5

الهجرات العربية بأتجاه الشرق قديما ! حضرموت ودورها المحوري في نقل الثقافة الاسلامية الى اقطار جنوب شرق آسيا ! (اقتباس) ح 5 د. رضا العطار

لقد تعرضت الجزائر الاندونيسية للاستعمار الهولندي اول مرة عام 1596 لكن من حسن حظ السكان كانت اهتمامات المستعمرين منصبة بالدرجة الاولى على المال والتجارة ليس الا. فتركوا الاهالي ينشرون اسلامهم على مهل. ناهيك ان المستعمرين انفسهم كانوا يوجهون انظار المسلمين ونشاطهم شطر شؤونهم الدينية حتى ان الحكومة الهولندية كانت تساهم في نفقات اقامة المساجد. ورعاية شؤون أئمتها فكانت تلك السياسة بركة نزلت على الاندونيسيين المسلمين. لان المستعمر قد اتاح للسكان المحليين الفرصة الذهبية لتحقيق الوحدة الدينية, هذه الوحدة كانت الدافع الاعظم للنضال ضد المستعمر بهدف طرده من البلاد ونيل الاستقلال. وقبيل الحرب العالمية الثانية احتل اليابانيون اندونيسيا, لكنهم عندما خسروا الحرب مع الولايات المتحدة عام 1945 تركوا ما كان معهم من سلاح للاندونيسين. فكان ذلك خير معين للوطنيين الثوار على الظفر بالاستقلال عام 1947. واندونيسيا تعد اليوم من اعظم بلاد الاسلام من حيث المساحة وعدد السكان،

لا يخفى على القارئ الكريم انه كانت هناك بعض الاسر العربية المسلمة التي استقرت في تلك الاصقاع النائية ولن تعود الى اوطانها الاصلية. لكنها لم تفقد موروثها الثقافي القديم عن طريق الانصهار في المجتمع الجديد. كأسرة الشيخ الشاعر ابو بكر آل شهاب المولود في حضرموت عام 1262 والذي هاجر الى اندونيسيا واستقر فيها لكنه حافظ على تقاليد وعاداته العربية والاسلامية, رغم مرور سنوات العمر كله.

وازاء نتائج هذه الهجرات الشبه قسرية التي دفعت بالشباب المسلم ان يتركوا اوطانهم تحت ضغط الملاحقة والاضطهاد والاستقرار في بلدان نائية لكنها آمنة, اشعر بالزهو يملأ صدري كلما تذكرت الامام جعفر الصادق (ع) الذي عانى طيلة حياته من ظلم وجور الخلفاء العباسيين في بغداد انه لم يخطر بخلده يوما انه سيأتي زمان يصبح بعض احفاد ابنائه سلاطين في ممالك الهند الصينية . فقد قيل قديما : ( نحن منزون خائفون في اوطاننا، لكننا نشطاء احرار في الخارج ).

لا تزال المقبرة الاسلامية في اندونيسيا الى الوقت الحاضر تضم قبور اولئك الرواد الاوائل من نسل الامام جعفر الصادق، والتي يعتبرها السكان المحليون مراقد مقدسة. ومما يسترعي الأنتباه وجود البسملة وآيات من القرآن الكريم وعبارة ( الله محمد علي ) منحوتة على شواهد بعض القبور، كما تدل تواريخ وفاتهم انهم ماتوا خلال القرن التاسع الهجري، كما ان هناك قبر حمل شاهده اسم عبد الله، كان قد فرّ من وطنه العراق قاطعا الاف الاميال البحرية ليصل الى اندونيسيا هربا من المذابح التي اجتاحت بغداد اثناء غزو هولاكو لها عام 1258 للميلاد.
ومن الطريف ان نجد هذين البيتين لأبي نؤاس منحوتة على شاهد قبراندونيسي :

يارب ان عظمت ذنوبي كثرة * * فلقد علمت بأن عفوك اعظم
ان كان لا يرجوك إلاّ محسن * * فمن يلوذ ويستجير المجرم ؟

اما عن اخبار الصحافة في بلدان المشرق، فقد صدرت العديد من الصحف العربية الاسبوعية – كالسلام – في سنغافورة و – حضرموت – في اندونيسيا وقد عفى عليهما الزمن بتقادمه ولم يبق منها من اُثر.

اما عن اخبار الادب والشعر، يمكن القول ان الشعر العربي في المهجر بقى على حاله كما في بلاد العرب محتفظا بخصائصه التي لا تخرج عن نطاق الغزل والمديح والهجاء والرثاء والفخر، لكنهم اضافوااليه طابعا جديدا من الشعر يعكس معاناة الغربة وما يصاحبها من الانفعالات العاطفية من الشوق والحنين ، فما هي سوى افرازات احدثتها ذكريات الوطن والحس بعز الحياة وحلاوة العيش فيه. انها كانت تظهر بشكل عبرات وزفرات وتأوهات لا وحتى النحيب احيانا.

فالبعض كان قادرا على تحملها، مشددا عزمه وحزمه على مطارحتها و مطاوعتها محاولا الصمود امام التحديات وتراكماتها النفسية والعاطفية التي ليس لها اول ولا آخر. وآخرون لم يكونوا قادرين على تحمل حياة الغربة معتبرين اياها سجنا روحيا، رغم ما اتاح لهم البلد المضيف من منافع مادية ومعنوية سخية، مضخمين معاناتهم، بأظهار الشكوى والتذمر، وقد يقوى عندهم هذا الشعور ويشتد لديهم الاحساس بالضياع وفقدان الهوية وينفذ عندهم طاقة التحمل، يحنًون الى اوطانهم حيث ارض المنبت وعش الطفولة وذكريات المدرسة ولسان حالهم يقول :

ناء من الاوطان يفصلني * * عمن احب، البرُ والبحرُ
في وحشة لا شئ يؤنسني * * الا انا والعود والشعرُ
حولي اعاجم يرطنون فما * * للضاد عند لسانه قدرُ
اناس مالي بقربهم أنسُ * * ومدينة، لكنها قفرُ (1)

اما في جزر الفليبين فقد استوطن فيها المسلمون ونشروا فيها الاسلام واقاموا
فيها دولة استمرت حتى عام 1521 حينما هاجمهم الاسبان زمن سلطانهم
عبد القاهر. وبعد زوال حكم الاسبان تحولت البلاد الى السيطرة الامريكية عام 1898, وبعد مرور وقت قصير نال الفليبيون استقلالهم, وعندما وجد الدعاة المسلمون العناية الكافية من قبل السلطة، حينذاك انفتحت امامهم السبل الرحيبة للانتشار الواسع في جزائر المحيط الهادئ.
وقد جاء في ( دراسات عن المسلمين وتاريخهم ) لمؤلفه محيى الشريف المطبوع في العاصمة الفيليبنية مانيلا عام 1905 ما يلي :

( يرجع فضل نشر الدين الاسلامي في الجزر الفليبينية الى علوي اسمه حسن بن علي من ذرية احمد المهاجر، أحد احفاد امام المسلمين جعفر الصادق )
وقد عمل هذا الشخص على نشر الاسلام بادئ الامر في جزيرة – يوايان – وعندما احيط ملك الفليبين علما بدعوة هذا العلوي حتى دعاه اليه, طالبا منه ان يشرح لجلالته جوهر عقيدة الاسلام, وعندما انتهى الضيف كلامه, اعلن الملك اسلامه على يديه, وما ان شاع الخبر بين سكان الجزر : ميندانا , مافيندانا , سولو , سبيو , كوتا , بارو , كمبايان , تمبارا و ليبونغانا. حتى توافد الاهالي زرافات ووحدانا على الدعاة يعتنقون الدين الجديد لملكهم برضا وسرور ) – – – والجدير ذكره ان الدعاة هؤلاء كانوا يعلًمون السكان المحليين القراءة والكتابة.

لقد شهدت بلاد تايلند بين القرن الثاني والخامس عشر تدفقا اسلاميا عربيا هادرا كان فيهم بعض العلويين من ذرية الامام جعفر الصادق، وقد لقوا من ملكها الاستقبال الرحب، افضوا على بعضهم مراتب عليا في الدولة, خاصة ما كان يتعلق بشؤون التجارة والجيش وكان تاثير العقيدة الاسلامية في المجتمع التايلندي تاثيرا عميقا وواسعا لدرجة انه بعد اجيال كان احد سفراء تايلند في الخارج بعد نيل الاستقلال السياسي مسلما. والطريف انه لما حضر مندوب ملك تايلند ليهنئ المسلمين بالمولد النبي، يشاركهم احتفالهم, جاء في خطابه انه يشعر بالغبطة والسرور كلما حدثته امه عن جدها الاكبر رجل الدين المسلم الشيخ احمد المهاجر.

يمكن القول ان عام 1150 للهجرة كان عام الهجرة الحضرمية الاخيرة التي انطلقت من الجزيرة العربية متوجهة الى اندونيسيا كان بينهم اربع علويون مغامرون هم حسين القدري وعثمان حسن ومحمد حامد ومحمد القدسي, كان هدفهم يومذلك السعي وراء العيش الكريم ليس الا, بيد ان الحظ قد حالف بعضهم فاقترنوا بالاميرات، بنات السلاطين في اندونيسيا. بعد ان انبهروا بهؤلاء كونهم منحدرين من سلالة رسول الاسلام محمد. وقد تطور هذا الامر بعدئذ حتى اصبح بعض ابناء المهاجرين يرتقون عرش المملكة. هكذا ظهر السلطان سياك والسلطان فونتيانك وهما في الاصل كانوا من سلالة هؤلاء الوافدين.
* مقتبس من كتاب دائرة المعارف الاسلامية لمؤلفه حسن الامين بيروت 1990 (1) الشنفري، شاعر مهجري.
الحلقة التالية في الغد !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close