فزاعة تقسيم العراق على خرائط بايدن الوهميّة

فاروق يوسف

فاروق يوسف

مع انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، عادت فكرة تقسيم العراق تطرق على رؤوس العراقيين. تقاسم السياسيون المائدة. بعضهم حذّر منها خائفاً على مكتسباته، وبعضهم الآخر بدأ الاستعداد لتنفيذها، كونها ستزيد من منافعه. خرائط التقسيم يسمح بها الدستور ولو ضمناً. فالأقاليم هي بداية التقسيم. ومثلما هناك إقليم للأكراد سيكون للسنة إقليم أيضاً، ويذهب الشيعة يومها إلى إقليمهم الخاص وتصبح حكومة بغداد معلقة في الهواء.

سبق للرجل الذي صار رئيساً للولايات المتحدة أن طرح قبل سنوات مقترحاً غامضاً لتقسيم العراق. ألا يزال ذلك المقترح في ذهنه؟ كم من المتغيرات تسمح بتنفيذه وكم من المتغيرات تقف حائلاً دون ذلك؟ ألا تزال الحاجة إلى التقسيم قائمة؟ هل سيلتفت بايدن إلى العراق بالطريقة السابقة نفسها التي دفعته إلى طرح مقترحه يوم كان نائباً للرئيس؟

كلها أسئلة لم تقلق السياسيين العراقيين الذين يعتقد بعضهم أن الخرائط جاهزة وما على بايدن سوى أن يطلق صفارة بدء التقسيم. ولكن لكل فريق أسبابه التي تخيفه والتي تسرّه. ما كان جاهزاً على طاولات الفرق الثلاث المتخاصمة والمتراضية في الوقت نفسه أن لا يكون هناك عراق إلا على الورق. أما على أرض الواقع فهناك ثلاث دول مستقلة بشؤونها وثرواتها وميليشياتها. للشيعة والسنّة والأكراد. لا يهم هنا التعربف بمَن هم الشيعة أو السنّة أو الأكراد. فالأحزاب، وقد احتكرت التمثيل الطائفي والعرقي، صارت تستولي على كل الامتيازات. فما هو من حصة أكراد العراق من ثروات العراق يمكن تقاسمه بين الحزب الديموقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني، ولن يبقى شيء للشعب.

ليس الحزبيون الأكراد وحدهم مَن سيقوم بذلك. الحزبيون الشيعة والسنة لا يقلّون عنهم كفاءة في الاستيلاء على الثروات. هناك تنافس علني في العراق على مَن هو أكثر براعة في الهرب بالمال العام. لذلك فإن سياسيي العراق يقيسون مشروع التقسيم بما يحصلون عليه من منافع. وكما أتوقع، فإن البعض منهم صار يضغط على نفسه من أجل معرفة ما الذي يمكن أن يحققه الآخرون من مكاسب. لذلك فإن عارض أحد الأطراف مشروع التقيسم فإنه لا يعارضه لأسباب وطنية خالصة.
ولكن ما علاقة التقسيم بالوطن؟

سيكون صادماً لو تبين أن جو بايدن لن يسرّه أن يرعى تقسيم العراق لمصلحة أحزاب يعرف أنها نفعية. أحزاب ليست وطنية. “كلهم يعملون لأجندات حزبية، إما بدافع شخصي أو بدافع عقائدي”. هل سيسره أن يرتبط اسمه بهم وبإلغاء دولة هي عضو في الأمم المتحدة من الخريطة؟

كان الأكراد قد بادروا عام 2017 إلى إجراء استفتاء داخل إقليمهم يتعلق بما إذا كان مواطنو الإقليم يفضّلون الاحتفاظ بمواطنتهم العراقية أو الانفصال عن العراق وإقامة الدولة القومية المنشودة. وكانت النتيجة كما كان متوقعاً أن صوّت المواطنون لمصلحة الانفصال، غير أن الانفصاليين خسروا الجولة يومها حين فرضت بغداد حصاراً اقتصادياً على الإقليم كان من أهم نتائجه أن أعلن مسعود البرزاني، وكان يومها رئيساً للإقليم، انسحابه من الحياة السياسية.

وبرغم هزيمته، فإن البرزاني ترك أثراً مهماً في تاريخ الأكراد. لقد قالوا من خلال الاستفتاء كلمتهم الموحدة. إنهم ليسوا عراقيين ولا يرغبون في الاحتفاظ بهوية لا تنسجم مع حقيقتهم الوطنية. وهي حقيقة كان من اليسير التحقق منها من خلال ما فرضوه على أطراف العملية السياسية من استقلالية إدارية واقتصادية في تصريف شؤونهم الداخلية، ومن محاصصة في ثروات العراق وإدارته عن طريق وزرائهم ونوابهم وسفرائهم وعسكرييهم وموظيفهم الكبار من ذوي الدرجات الخاصة في الدولة العراقية.

في واقع الأمر، فإن بقاء الأكراد مواطنين عراقيين في سياق الوصفة السياسية القائمة يشكل عبئاً على العراق من غير أن يكونوا مساهمين إيجابيين في إدارة شؤونه، وهو ما يشكّل سبباً وجيهاً لأن تقبل الأحزاب الشيعية الحاكمة بانفصال الإقليم الكردي لولا أن ذلك المشروع قد اصطدم برفض إيراني تركي مزدوج، وهو ما حدا بالولايات المتحدة الى أن ترفع يدها عن الأكراد موقتاً.

لذلك، فإن رفض بغداد نتائج الاستفتاء الكردي لم يكن في حقيقته ليعبّر بصدق عن موقف الأحزاب الشيعية التي لم تعد ترى في الشريك الكردي أي نفع يُذكر، بعدما حسمت لمصلحتها مسألة الصراع مع الكتلة الشعبية السنية التي صار ممثوها الزائفون عبارة عن شيعة بأقنعة سنّية.

وقد يكون مناسباً هنا أن أشير إلى أن الصوت العالي المنادي بالتقسيم لمناسبة انتخاب بايدن رئيساً للولايات المتحدة كان من نصيب ممثلي الكتلة السنية الذين عادوا فجأة إلى الحديث، بطريقة تبدو بطولية، عن المظلومية السنّية، برغم أنهم كانوا ولا يزالون يحظون برعاية الأحزاب الشيعية على الصعد كافة.

في ظل العجز المالي المزمن الذي تعاني منه الحكومة، سيكون مهماً أن يقوم واحد من الأطراف السياسيين باستعراض مسلٍ ينطوي على قدر من الشد والتشويق، وأيضاً على شحنة من التخويف، وهو ما صار اللاعبون السنّة يمارسونه ببراعة بعدما تخلّوا لسنوات عن النازحين والمهجرين السنّة الذين استولى الحشد الشعبي على مدنهم ومنعهم من العودة إلى بيوتهم المهدمة.

استقبل العراقيون بايدن بالتقسيم من غير أن يكونوا متأكدين من أن الرجل يملك وقتاً للالتفات إليهم. لا يتعدّى الأمر سوى أن يكون احتفالاّ محلياّ لا غرض منه سوى تثبيت نظام المحاصصة الطائفية. فإذا كان العراقيون يرفضون التقسيم ويخشون عاقبته، فما عليهم سوى أن يقبلوا بذلك النظام.

في كل مرحلة هناك فزّاعة تستعملها الأحزاب والميليشيات المهيمنة على الحكم في العراق. فبعد فزاعة داعش جاء الدور الآن لفزاعة التقسيم.

*نقلا عن “النهار

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close