التعليم والتحطيم!!

التعليم والتحطيم!!

التعليم يصنع أجيالا ذات وعي متنوّر تسعى لتكوين رأي , لأنه يساهم بإعمال العقول وتحفيزها , وحثها على المشاركة في الحياة بضروبها ومنها السياسية , ويبث في الناس روح المطالبة بالحقوق , والحرص على مصالحهم الوطنية , ونبذ التبعية والإذعانية والإستعباد.

وهذه الحالة تصبح عبئا على الأنظمة الإستبدادية والفردية والتحزبية والفئوية , وغيرها من أنظمة السيطرة على البشر , ولا يمكن إستيعاب المجتمعات المتعلمة إلا بدساتير وطنية وقوانين فاعلة , تنظم السلوك وتحرص على المصالح بأنواعها , وتوفر المنافذ المُنظمة بأساليب ديمقراطية للتعبير عن الرأي وصون الحق , وإحترام قيمة الإنسان ودوره في بناء الحياة الحرة الكريمة.

وبعض المجتمعات ظهرت فيها أنطمة سمّت نفسها ثورية , فأحدثت تغيرات ثقافية وتعليمية متميزة , وبعد عقدٍ من الزمان وجدت نفسها أمام تهديد خطير بسبب الأجيال المتعلمة , المعبرة عن رأيها والمصرحة بحقوقها ومصالحها , وبما أن تلك الأنظمة متشبثة بكراسي السيطرة والإمتهان , فأنها شعرت بالخوف الشديد , ووجدت نفسها أمام خيار زج الأجيال المتعلمة في أتون الحروب العبثية الظالمة القاهرة , فأهلكتها فيها , وبقيت تستبد وتطغى حتى تهاوت عن عروشها وأصيبت بأعجب الإذلال.

وقد كتبَ العديد من المفكرين في حينها عن تلك الثورات وبأنها تصنع أجيالا ضدها , لأن المجتمعات المتعلمة عليها أن تعيش في أنظمة ديمقراطية ودستورية , لكي يتحقق الإستثمار الأمثل لطاقاتها , ولتساهم في البناء والإبداع والتطور والنماء.

لكن تلك الأنظمة أغفلت الحقيقة الدامغة , وقررت أن تنتقم من الأجيال التي علّمتها , وإندفعت نحو إستنهاضها من الجهل والأمية وضخها بأدوات المعرفة والتعليم المعاصرة.

ولا تزال مجتمعاتنا لا تستوعب العلاقة الصميمية بين التعليم والديمقراطية , فهي تنطلق في مشاريعها التعليمية وتشدد قبضتها , وتحكم سيطرتها على الواقع الذي تهيمن عليه , فتحصل المواجهة القاسية ما بين الشعب والكراسي المسيطرة عليه.

والظاهرة تتكرر , وستتفاقم لأن المجتمع سيزداد تعلما ومعرفة في زمن التفاعل العولمي والتواصلي السريع , ولا يمكن للكراسي أن تخنق الناس , وعليها أن تدرك بأن حرية الرأي والنقد والتفكير المشترك من ضرورات النجاح , فما عاد البشر قطيعا أو مسلوب الإرادة ومصادر المصير.

فلن تستقر المجتمعات من غير وعي ثاقب لهذه الظاهرة الفاعلة في الدنيا قاطبة , والتي ترسم خرائط الحكم وتجبر القادة على سلوك الطريق الجماهيري المُرام , وإلا فأن المنطقة ستندفع نحو حروب دائمية ذات خسائر خيالية وغير مسبوقة.
فهل سيكون للشعب دور في تقرير مصيره؟!!
سؤال على طاولة المداولات , لكنه خطير!!
د-صادق السامرائي
20\1\2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close