هجرة العرب نحو الغرب، الامريكيتين تحديدا ح 4

هجرة العرب نحو الغرب، الامريكيتين تحديدا ح 4 (*) د. رضا العطار

اما الرسالة الأجتماعية فهي رسالة الاصلاح، اشترك في ادائها كل شاعر وكاتب في المهجر على قدر اهليته وظروفه، فمنذ ما اطلق الريحاني الصرخة الاولى عام 1898 الى يومنا هذا، لم تتغير اللهجة ولم يتبدل الهدف : ثورة على التعصب الديني وحرب على العلل الاجتماعية التي تنخر جسم الوطن العربي كالطائفية والاقليمية والحزبية.

ذلك ان الادباء ظلوا على اتصال وثيق وتجاوب عاطفي متبادل مع ابناء وطنهم طوال سنين هجرتهم، وعندما لمسوا في المهجر مظاهر الرخاء والمال والطمأنينة التي يتمتع بها الشعب الامريكي نتيجة تحرره من داء الجهل والتعصب والاقطاع، عمدوا الى الدعوة الى الاصلاح، متمنين لو انتقلت تلك النعم الاجتماعية الى اوطانهم .

كان تفكير الاديب المهاجر تفكيرا مزدوجا، فبينما كان يستوعب مسائل محيطه الراقي، و يتفاعل معه تفاعلا واقعيا وعاطفيا، كان في نفس الوقت يحنّ الى وطنه ويسهم في معالجة مشاكله على البعد، فهو الرائد وحامل راية التقدم له، قال ابو ماضي :

انا في نيويورك بالجسم وبالروح * * في الشرق على تلك الهضاب

في ابتسام الفجر وفي صمت الدجى * * في اسى تشرين في لوعة آب

انا في الغوطة زهر وندى * * انا في لبنان سماء خمر وعنب

والجميل في رسائلهم الاجتماعية انها تُقرأ من خلال السطور في قصة لنعيمه تتكلم حوادثها وتوحي العظات او في رباعية لاذعة لفرحات يصب جام غضبه على رجال الدين سواء أكانوا اصحاب القلانس او اصحاب العمائم قوله:

اثير على التعصب نار حرب * * يطير على اللحى منها شرارُ

قذفت بها قلانسهم فطارت * * ولو خفت مآثمهم لطاروا ويضيف

لا يفهمون الدين الا جبة * * وعمامة ومسبحة هراء

ان يخسر الوطن اللواء وارضه * * وسواهما، فالأمر ليس بلاء

اما اذا نقص الوضوء فنكبة * * تذري الجبال وتغمر الاوداء

وادباء المهجر بوصفهم فنانين، اختاروا لرسالتهم المذهب الواقعي. انسب المذاهب لرسالة الاصلاح على شرط ان يعنى بالناحية الفنية عنايته بتجارب الحياة العامة. والاديب الذي يوفق بين الواقع والفن ويحمل اعباء المسؤولية الاجتماعية هو الاديب العظيم. لا ذاك الذي يقتصر على الخد والنحر والكأس والزهر.

كان لأديب المهجر اليد الطولى في تغيير الصورة القاتمة التي اخذتها الشعوب الامريكية عن المهاجرين العرب فهؤلاء كانوا في نظر الامريكيين جياعا لاجئين لا يحسنون غير الاحتيال على الرزق ببيع الخردة وكانوا يعرفون بلقب ( توركو ) لأنهم جاؤا من اجزاء الامبراطورية التركية. فكان العرب يستاؤون من تلك التسمية لأنهم ليسوا اتراكا بل عربا، هاربين من جور الاتراك.

ان ذلك اللقب كان يوقظ في اذهانهم ذكريات مريرة. ثم اتضح بعد زوال الحكم التركي عن بلادهم ان العامل الاساسي في تحقيرهم هو مظهرهم الرزي ومهنتهم الحقيرة، فلما تقلص عنهم لقب توركو حتى حل محله لقب ( اكلة الحشيش ) اشارة الى اعتيادهم اكل الخضار في بيئة لا تأكل غير اللحوم.

فلما لمع الادباء العرب وظهر في نتاجهم اثر المواهب العقلية المبدعة، ادرك الامريكيون ان لهؤلاء المهجرين قيمة معنوية لا يمثلها ظاهرهم المهين واهدافا سامية غير هدف الاثراء من طريق التجارة، وان الذين برز منهم في ميدان الفكر وحقل الفنون، هم اكثر نشاطا من اصحاب المال والجاه، فتبدل الرأي العام من تحقير الى تقدير ومن ازدراء الى اعجاب.
الحلقة التالية غدا !

* مقتبس من كتاب ادبنا وادباؤنا في المهاجر الامريكية لجورج صيدح بيروت 1957

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close