عقل الانسان، اعظم النعم!

عقل الانسان، اعظم النعم! * د. رضا العطار

عندما نذكر العقل نقصد به النشاط الذي يقوم به عضو المخ الكائن في عظم الجمجمة لدى الانسان . وهناك فرق بين المخ والعقل . فالمخ يشترك فيه الانسان مع بقية الحيوانات, لكن عقل الانسان يكون اكثر تعقيدا وخلاياه اكثر تنوعا. وقد احتاج الى عشرات الآلوف من السنين لينصقل ذهنه وترهف ملكاته ويصبح قادرا على عقل الآشياء و ربطها بعضها ببعض, فهو يقوم في ملاحظة الظواهر ويختزن نتائجها.
وان اللفظ العربي – عقل – بمعنى القدرة على عقل الاشياء، اي القبض والسيطرة والضبط. لكنه ليس قادرا على خلق الافكار انما يقلب بينها بحثا وتنقيبا. والتفكير هو ربط هذه الملاحظات مع بعضها بغية الوصول الى – احس – معلومة, فأن كانت هذه خيرا ارتقى الانسان وان كانت شرا تعرض الى الاخطاء. طبقا لماهيتها. فهي التي تقرر الاقدام على عمل فعل او عدمه.

كما ان للنفس ذاتها، صفات خاصة بها. حيث انها ترغب ولا ترغب. تلتذ ولا تلتذ. تتأثر ولا تتأثر. قابلة للترويض والتطبيع وغير قابلة. فهي مصدر الحب والكراهية. وهي اما ان تتصل بالعقل في الظرف الحاسم لتسترشد به او لا تتصل. فالعقل عند الانسان بمثابة السلطة التشريعية التي تصدر القوانين وليس بيدها صلاحية التنفيذ. بينما النفس البشرية هي – السلطة التنفيذية – التي تقوم باجراء القرارات الصادرة من العقل , او لا تقوم. تلتزم بها وقد لا تلتزم.

ليس شك في تاثير العقل في الجسم . فالفتاة اذا خجلت احمرت وجنتاها, معنى هذا ان خاطر الحياء الذي خطر بذهنها قد اثر قي القلب وفي عروق الوجنتين, حتى احدثت توردهما. والطفل اذا خاف بال احيانا على نفسه. واذا تسلط علينا الحزن العميق ساء عمل الجهاز الهضمي , فأحيانا نتقئ , واحيانا لا نستطيع ان ناكل , كما ان السرور يحسًن وظيفة عملية الهضم. ومعنى هذا كله ان الافكار والخواطر التي تمر بعقلنا يتاثر بها جسمنا وكذلك يتأثر عقلنا من جسمنا. والواقع ان الجسم والعقل كتلة واحدة لا يمكننا فصل احدهما عن الاخر, فالتفكير يحتاج الى الاثنين. يبدأ بالمعرفة ثم العاطفة ثم الرغبة ثم الآرادة وينتهي بالفعل.
ولهذا العقل سلطانا علينا, فهو الذي يقرر ميولنا وامزجتنا ويعمل لرقينا او انحطاطنا ويتحكم في سدادنا او خطأنا. ولكن لنا نحن عليه سلطانا ايضا. فنحن نستطيع ان نجعله يخدم اغراضنا بما نوحي اليه من الخواطر والافكار وللتمرين فائدته في تذليله لصالحنا.

حينما ازور حديقة الحيوانات تجدني اقف امام حيوان اتأمله, لا لأعرفه هو انما لأعرف نفسي انا. فأنا في وجدان اما هو ففي ذهول. انا واجد نفسي في هذا الكون, اما هو فذاهل كأنه في حلم . وعقلي هو شئ فوق العواطف. لكن الحيوان تسيره غرائزه فهو يغضب ويجوع ويشتهي ويخاف ويفر . وجميع هذه العواطف احسها انا ايضا في الظروف التي تتطلبها . ولكنني حين احسها يزول عني وجداني بقدر احساسي لها , فأذا كان احساسي غامرا، انذاك لم يكن بيني وبينه فرق.

اجدني اذا غضبت هذيت بالشتائم , وقد ارفس بقدمي بلا تعقل كأني حيوان . لكن اذا هدأت، خفت العاطفة وعدت الي الوجدان وبدأت افكر واتعقل . ولهذا ليس للحيوان احساس تاريخي، بينما انا اعيش في التاريخ , لي امس وغد ولي ابعاد زمنية.
فأني اتباهى بحضارة السومريين, واذكر حرب التحرير الصينية وتأميم المناجم في انكلترا و تاريخ اكتشاف البترول في العراق.

نتفاوت نحن البشر في درجة العقل, فالمتعلم اكثر وجدانا من الأمي, لآن كلمات اللغة زادت من عقله. فأنشتاين يعرف بعض قوانين الكون اكثر منا, وقارئ الجريدة اليومية يكون اكثر عقلا من القارئ للمجلة المصورة. العقل ميزة انسانية ولكني ارى بوادره في الكلب وفي حيوانات اخرى, بوادر فقط.

حين اتأمل الآسد في قفصه, ارى ان بوادر عقله قد الغيت بوجود القفص, لآن هذا القفص قد حرمه من اختبارات الغابة من الصيد والخطف والهرب, كان كل هذا جديرا بأن يكسبه شيئا من العقل. اني اتأمل بعض الناس فأجد انهم احيانا ذاهلون مثل هذا الاسد في سجنه. والسجن الذي يعيشون فيه هو هذا البيت وهذا المصنع و الشارع بينهما. يقطعونه ذهابا وايابا كل يوم, ولا يقرأون الجريدة ولا يشتركون في نشاط علمي او ادبي او اجتماعي وحتى ديني، ناهيك عن النشاط الرياضي , فأمثال هؤلاء ذوي الثقافة الضحلة لا يستأنسون الى حديث يفتح لهم نوافذ الذهن و لا يخرجون الى الريف لآستنشاق عذب النسيم ولا يستهوون رؤية جمال الطبيعة ومشاهدة الاطفال يلعبون فرحين ولا تسعده ضحكاتهم ولا تهزه سعادتهم، حتى انهم لا يحبون الناس, فضلا انهم لا يسهرون ليلة بصحبة الأحبة والأقربين في ضوء القمر يمرحون و يتسامرون.
* من اعمال الكاتب الاجتماعي سلامة موسى!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close