بورصة الدولار فسادٌ مُشرعَن

جاسم الحلفي

القلق هو الشعور السائد عند العراقيين ازاء الازمة المعيشية، التي لم يكن تلكؤ الحكومة وتأخرها في صرف رواتب منتسبي الدولة سببه الرئيسي. فالأسباب عديدة، بينها اتساع حجم البطالة المستفحلة خاصة بين الشباب، والتي لا حل لها يلوح في ظل السياسة الاقتصادية المعتمدة. والى جانب ذلك برز في الأيام الفائتة سبب آخر ضاعف القلق، الا وهو تراجع قيمة الدينار امام الدولار.

فقد صعدت قيمة الدولار في الأسواق لتصل الى 1350 دينارا، فيما يبيعه البنك المركزي رسميا مقابل 1190 دينارا. ويذهب فرق الصرف الكبير هنا ربحا صافيا في جيوب المرابين.

وبحساب بسيط يتبين ان بإمكان كل مليون دولار ان يجني في سوق البورصة 120 مليون دينار تقريبا، ولنا ان نتخيل السرقات الفاضحة التي فاقت الحدود، وتفوقت بها مافيات الفساد عندنا على كل مافيات العالم! وهل هناك مؤشر اوضح من هذا لحجم الفساد في المضاربة بسوق العملة؟ ولطالما ردد المسؤولون الماليون ان نافذة العملة وسيلة لضمان استقرار سعر صرف الدينار، لكنها كما يظهر اصبحت بابا للفساد المشرعن.

ويبدو ان الازمة المالية تستفحل يوما بعد آخر ولا فكاك منها، في ظل غياب الخطوات الفاعلة للحد من هذا الإهدار في الموارد المالية، ولاسترجاع الامل المفقود منذ عقود في اقدام السلطات على حل جذري لأنهاء المعاناة التي انهكت المواطنين. والواقع ان ليس ثمة غير تكلس العقل الاقتصادي الحكومي، واستسلامه لطغمة الفساد، غير مبال بآثار هذه الازمة وانعكاسها على حياة المواطنين ومعيشتهم، وما تخلفه من اوجاع وهموم تزيد من الأعباء الثقيلة التي لا طاقة لذوي الدخل المحدود والفقراء والمهمشين على تحملها.

وتتزايد الشكوك في قدرة الإدارة المالية على إيجاد مخرج لذلك، حيث لا تطمين بشأن الاضطراب الناجم عن انخفاض قيمة الدينار امام الدولار. على العكس، فتصريحات أعضاء مجلس النواب والمسؤولين في مرافق الإدارة المالية تزيد التوتر وتصعد أجواء القلق. وقد حدد الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء في تصريح لوكالة الأنباء العراقية “سببين لارتفاع سعر صرف الدولار، الأول قرب اقرار مشروع قانون الموازنة، والثاني المناكفات السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية”.

ويأتي النائب جمال كوجر عضو اللجنة المالية البرلمانية ليناقض ذلك بقوله لشبكة رووداو الإعلامية، انها خطوة في سياق سياسة الحكومة لتعويم الدينار، والتي باتت تنفذها: “يتبين لنا أن الحكومة الاتحادية العراقية أقدمت سراً على طباعة عشرات الترليونات من الدينار العراقي، لتسديد الرواتب وتغطية النفقات التي تمت الموافقة عليها بموجب قانوني الاقتراض، ما يشكل خطراً كبيراً على قيمة العملة العراقية”.

وبغض النظر عن صحة معلومة النائب كوجر من عدمها، فان تراجع قيمة الدينار امام الدولار لا يمكن اخفاؤها، وان لم تقم الحكومة بواجبها الأساسي في حماية ذوي الدخل المحدود، وبالأخص منهم الفقراء والمهمشون الذين يعيشون تحت خط الفقر، فستحل كارثة اجتماعية غير مسبوقة، يكون المواطن العراقي المتضرر الأساسي منها، وسينجم عنها تعاظم مشاعر السخط والغضب جراء ارتفاع أسعار السلع وتداعي القدرة الشرائية. ذلك ان اغلب ما نستهلكه مستورد في ظل تعطل الاقتصاد الحقيقي، وغياب الإرادة الوطنية لإعادة تشغيله.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close