تستخدم القوى الكبرى اطرافا اخرى للقتال بدلا عنها لان الصدام بينها…

 يسبب كوارث ودمار وثمن غالي وعلى كل الاصعدة
جسار صالح المفتي
تستخدم القوى الكبرى اطرافا اخرى للقتال بدلا عنها لان الصدام بينهايسبب كوارث ودمار وثمن غالي وعلى كل الاصعدة 

الحرب التي تنشأ عندما تستخدم القوى الكبرى المتصارعة أطرافا أخرى للقتال بدلا عنها بشكل مباشر خشية من الصدام المباشر فيما بينها، ومن ثم تؤدي إلى تهديد السلم الدولي والعالمي لأن أغلب هذه الدول الداعمة للحرب بالوكالة هي دول نووية

وسيكون الثمن غالي على البشرية جمعاء في أي صدام مباشرة بينها.

عادة ما تستخدم الجماعات العرقية والدينية والانفصالية والأقليات في هذه الحرب بحجة الحصول على الحقوق المغتصبة من قبل دولهم، أو بحجة الاستقلال، وتكوين الكيانات السياسية لهم سواء على شكل دويلات أو أقاليم

بدأت الحروب بالوكالة في التاريخ المعاصر بعد نهاية الحرب الباردة عام ١٩٩١، التي كانت دائرة بين الاتحاد السوفيتي سابقا وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت منتصرة بهذه الحرب، واستطاعت أن تفكك الاتحاد السوفيتي إلى دويلات مستقلة لكن بقيت روسيا موحدة، وتسعى لعودة أمجاد الاتحاد حتى لو بصيغة أخرى جديدة.

لقد توسعت اليوم الحرب بالوكالة بطريقة سريعة جدا وخاصة في المنطقة العربية، التي تعتبر ساحة صراع دولي تمارس فيها الحرب بالوكالة، ومن أبرزها هي الحروب القائمة الآن في كل من سوريا وليبيا واليمن ولبنان والعراق وممكن أن تتسع أكثر فأكثر.

ففي سوريا كان الصراع في بداياته بين الشعب والنظام عام ٢٠١١، وبسبب تراخي المجتمع الدولي أو انحيازه للنظام في سوريا خشية من استيلاء الإسلاميين السنة على السلطة وهم يمثلون الأغلبية فيها، فيبدو أن هذا لا يروق لأغلب الأطراف الدولية، فبدأت بالتدخل المباشر وغير المباشر في الشأن السوري فدخلت إيران وروسيا بصورة مباشرة في دعم نظام بشار الأسد.

وكذلك التحقت فرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الصراع، أما الدول العربية فكانت في بدايات الصراع داعمة للشعب السوري وثورته ضد النظام ثم تراجعت عن هذا الدعم وبدأت تلمع صورة النظام والقبول به كممثل شرعي للشعب السوري، بينما نجد تركيا قد دعمت الثورة السورية منذ البداية ولحد الآن.

من هنا نجد الحرب بالوكالة قد تجسدت كاملة في سوريا.

أيضا الصراع اليوم في ليبيا، نجد أن الحرب بالوكالة قد أصبحت واضحة وجلية فنجد أطراف تدعم الحكومة الشرعية المتمثلة بحكومة الوفاق برئاسة السراج مثل تركيا وقطر، بينما نجد الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا وروسيا تدعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر على حساب الحكومة الشرعية في طرابلس.

كذلك في اليمن الذي دمر بسبب هذا النوع من الحروب، فنجد إيران داعمة لمليشيات الحوثي على حساب الحكومة الشرعية برئاسة عبد ربه منصور هادي، ونجد الإمارات والسعودية داعمة لمليشيات المجلس الانتقالي على حساب الحكومة الشرعية أيضا.

إذا أغلب الحروب بالوكالة الآن هي على الأراضي العربية وهذا بسبب الضعف العربي وحالة التمزق والتبعية للقوى الدولية على حساب المصالح العليا للأمن القومي العربي بل حتى على حساب المصالح الوطنية.

هناك شروط يعتمدها اللاعبين الكبار في دعمهم للحرب بالوكالة، ومن أهم هذه الشروط هو أن تكون هذه الحروب بعيدة جغرافيا عنهم خشية من ارتداداتها عليهم، لهذا نجد أمريكا وروسيا وفرنسا وغيرهم حريصون على أن تكون المنطقة العربية هي ساحة الصراع لهذا النوع من الحروب لأنها بعيدة عنهم ولا تمس أمنهم القومي.

ومن خصائص الحرب بالوكالة يمكن أن نجملها بما يلي:

تكون بأقل خسائر على الأطراف الدولية الداعمة لها خصوصا في الموارد البشرية، لأن أبناء الدولة الواحدة تجدهم يتصارعون فيما بينهم أو حتى بين الدول العربية نفسها وكلا يعمل لحساب طرف دولي آخر، بينما يكتفون ببعض الدعم اللوجستي أو تقديم المشورة والدعم المعنوي لحلفائهم.

هذا النوع من الحروب يكون التدخل الدولي فيه بثمن بخس، من خلال فتح القواعد العسكرية على أراضي الدولة التي تنشأ فيها الحرب إضافة للهيمنة على القرار السياسي والأمني والاقتصادي بسبب تكلفة الحرب.

شرط الفائدة لا يمكن للدول الداعمة للمتحاربين أن تدعمهم بلا فائدة، مرجوة من هذا الصراع فممكن تكون الفائدة اقتصادية أو سياسية، وممكن دينية، وإلا لا يمكن أن تدخل في هذا الصراع الدولي من أجل سواد عيون المتحاربين وخاصة في المنطقة العربية.

لا يمكن أن يعترف المتحاربين بالوكالة بدعم الأطراف الدولية لهم، فتجدهم ينكرون هذا الدعم بحجة الاستقلالية ونزاهة هذا الصراع بينهما، خصوصا الأطراف الدينية، الجامية في ليبيا والمليشيات الشيعية المدعومة من إيران أنموذجا.

عندما تتحقق أهداف الدول الكبرى الداعمة لهذا النوع من الحروب تجد أن هناك نوعين من التفاوض لإنهاء هذه الحرب، طرف المتورطين مباشرة في الحرب، وهم الذين يظهرون علانية في وسائل الإعلام لكنهم أشبه بالأصم الذي يحاور أصم مثله. بينما يتفاوض الداعمون الدوليون سرا ثم يسلموا نسخة التفاوض إلى المتصارعين مباشرة ليتفقوا رغما عنهم على ما اتفق عليه الداعمين الدوليين. وبهذا يكونوا مجرد حطب ووقود لحرب استنزفت مواردهم ودمرت دولهم وقد فقدت دولهم سيادتها وممكن أن يحاكموا كمجرمين حرب.

لا يشترط أن تكون الدول الكبرى هي فقط من يدعم الحرب بالوكالة، فمن الممكن أن تكون دول صغيرة تدعم هذا النوع من الصراع.

من مميزات الحرب بالوكالة أنها لا تختلف عن الحرب بالأصالة من حيث استخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بإستثناء أسلحة الدمار الشامل، إلا أنها تختلف من حيث الأهداف فعادة ما تكون أهداف الأطراف المشاركة مباشرة فيها غير أهداف الداعمين لها فلكل طرف أهدافه ومصالحه.

لكن هل الحروب بالوكالة تغني عن الحرب بالأصالة؟ هذا يكون حسب حال الأطراف المتحاربة بالوكالة خصوصا في توازن القوى وعدم حسم الصراع وهذا ما يسعى إليه الداعمين في ديمومة هذه الحرب لحين تحقيق مصالحهم فإذا ما تحققت مصالحهم فيبدأوا بممارسة الضغط على الأطراف المتحاربة لإيقاف هذه المعركة.

لكن عادة ما تكون الحرب بالوكالة هي مفتاح لدخول الحرب مباشرة وبالأصالة بين الداعمين لها، خاصة إذا ما أستطاع أحد أطراف المتحاربين بالوكالة من حسم الصراع والقضاء على خصمه أو استسلامه.

وهنا نجد أن هذه الدول الداعمة لهم تدخل الحرب مباشرة وتكون ساحة الصراع أوسع من حيث الخسائر المادية والبشرية، خصوصا في مثل المنطقة العربية ذات الأهمية القصوى للدول الكبرى، لما تمتلكه من موارد مهمة كالنفط والغاز وغيرهما من الموارد الطبيعية إضافة لموقعها الإستراتيجي للتجارة العالمية مثل البحر المتوسط والخليج العربي.

وتعتبر إيران والولايات المتحدة من أهم الدول الداعمة للحروب بالوكالة، التي استنزفت المنطقة العربية ودمرتها بسبب ضعف أنظمتها السياسية، التي تسعى جاهدة للبقاء في السلطة بأي ثمن.

أخيرا عندما نتحدث عن الحرب بالوكالة هذا لا يعني أن جميع الأطراف المتحاربة هم على الباطل أو مرتزقة، بل لابد من وجود طرف على حق وطرف على باطل، وعادة ما تكون الحكومات الشرعية هي صاحبة الحق في هذا الصراع، ليبيا أنموذجا.

كانت الحروب بالوكالة شائعة خلال الحرب الباردة، لأن القوى العظمى المسلحة نوويا (الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة) لم تشأ أن تحارب بشكل مباشر، لأن ذلك يتضمن المخاطرة بنشوب حرب نووية (انظر التدمير المشترك المؤكد). تم استخدام الوكلاء في نزاعات حصلت في أفغانستان وأنغولا وكوريا وفيتنام والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية.

العديد من الصحف، التقارير الصحفية والمقالات والكثير من التحليلات تؤكد أن ما يحدث في سوريا والعراق”حرب بالوكالة” بين قوى إقليمية وأخرى دولية. بالنسبة للوضع في سوريا فإن الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة (السعودية ودول الخليج) في جانب يدعمون الفصائل المسلحة وروسيا وإيران والصين في الجانب الآخر يدعمون نظام الأسد.

أما في العراق فإن حربًا بالوكالة بين السعودية وإيران قد بدأت منذ الغزو الأمريكي لها عام 2003 واشتدت مع ظهور داعش في العراق الآن وسيطرتها على مناطق هامة منها. فما معنى مفهوم الحرب بالوكالة؟

ما هي الحرب بالوكالة؟

يشير مفهوم الحرب بالوكالة إلى الفترات التي توجد فيها قوى كبرى (إقليمية أو دولية) تتنافس على النفوذ في منطقة ما أو في العالم وتحاول هذه القوى أن تتجنب حروبًا مباشرة بينها، فتبدأ في زيادة نفوذها من خلال التدخل في بعض الدول الأصغر والتي تمثل قيمة استراتيجية أو جغرافية أو اقتصادية، أو تقوم بدعم بعض الجماعات أو الأحزاب السياسية لإسقاط أنظمة معادية لها، أو مواليه لأعدائها.

تتطور هذه الحالة لدعم بعض القوى العسكرية داخل هذه الدول الأصغر، من طرف الدول الكبرى. وقد شهد العالم القديم العديد من هذه الحروب بالوكالة، بينما انتشرت هذه الحروب أكثر في العالم الحديث خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والغرب والاتحاد السوفييتي.

أمثلة على حروب الوكالة

الكثير من الحروب التي خاضتها دول صغيرة ولا زالت تخوضها كانت حروبًا بالوكالة عن الأطراف الكبرى، منذ الحرب الكورية/الكورية ثم حرب فيتنام والحرب في أفغانستان والعديد من صراعات أفريقيا وأمريكا اللاتينية كانت حروبًا بالوكالة، نذكر هنا بعض هذه الحروب.

الحرب الأهلية الإسبانية 1936ـ1939

القوات الجمهورية

بدأت الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 لتكون أولى هذه الحروب بالوكالة، التي ستسمى بحروب القرن العشرين، قام الجيش بتمرد ضد الحكومة اليسارية، ثم تحول التمرد بالتدريج لقتال تدخل فيه أكثر من 50 دولة.

انهالت المساعدات على كلا الجانبين، من جانب الجنرال فرانكو وأتباعه كانت مساعداتهم تصل من ألمانيا وإيطاليا، حيث دعمه هتلر وموسوليني بدبابات وطائرات بل حتى قوات ألمانية شاركت في الحرب.

قوات اليساريين المناهضين لفرانكو

استغل هتلر هذه الحرب كأرض للتجارب على التكتيكات العسكرية والأسلحة التي طورها والتي ستستخدم في الحرب العالمية الثانية، بينما استطاع الاتحاد السوفيتي أن يقدم الدعم لليساريين وحلفائهم، استمرت الحرب ثلاث سنوات انتهت بانتصار فرانكو لتظل أسبانيا تحت حكمه الديكتاتوري منذ العام 1939 وحتى وفاته 1975.

الحرب الأهلية اليونانية 1944ـ1949

أثناء الحرب العالمية الثانية قامت المانيا باحتلال اليونان ما أدى لهروب ملك اليونان إلى مصر وتشكيل حكومة منفى من هناك، أعلنت بريطانيا دعمها لحكومة المنفى، بدأت مجموعات ثورية داخل اليونان بتجميع نفسها وأعلن الحزب الشيوعي اليوناني تكوين جناح عسكري له عرف بجيش التحرير الوطني.

دعمت موسكو المتمردين، وبعد استقلال اليونان عام 1944 عادت الحكومة الوطنية من المنفى والتي تدعمها الولايات المتحدة وبريطانيا إلى اليونان وحاولت الحكومة حل الجناح العسكري للحزب الشيوعي الذي رفض بدوره هذا القرار.

وبدأت الحرب بين الحكومة اليونانية بدعم من بريطانيا وأمريكا، فقد أرسلت بريطانيا 40000 مقاتل إلى اليونان، وأقر الرئيس الامريكي ترومان مساعدات بلغت 400 مليون دولار للحكومة المركزية في اليونان. وبين قوات الحزب الشيوعي اليوناني المدعوم من الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وبلغاريا وألبانيا.

مقاتلو الحزب الشيوعي

انتهت الحرب بهزيمة الشيوعيين في اليونان، في المجمل كانت خسائر اليونان جراء الحرب الأهلية أكبر بكثر من خسائرها في الحرب العالمية الثانية، قدرت الخسائر البشرية بأكثر من3,5 مليون يوناني.

غزو خليج الخنازير 1960

تعتبر هذه الحادثة من أبرز أمثلة الحروب بالوكالة في أمريكا اللاتينية، حيث حاولت الولايات المتحدة بدعمها لبعض المتمردين الكوبيين إسقاط نظام الرئيس فيديل كاسترو المعادي لها والموالي للاتحاد السوفيتي.

كانت الخطة تعتمد على تدريب المتمردين المعارضين لنظام كاسترو في نيكاراجوا ومدّهم بالأموال والسلاح. كان المخطط أن تقوم طائرات عليها العلم الكوبي بضرب المطارات الرئيسية لكوبا وشل حركة الطيران للتحرك إلى العاصمة هافانا وإسقاط كاسترو نظامه. إلا أن النظام قد استطاع أن يغير العديد من مواقع الطائرات إلى المطارات الاحتياطية ما أفشل العملية منذ اللحظات الأولى.

أحد المتمردين في معسكر تدريب للولايات المتحدة

لم تستطع حركة المتمردين إسقاط كاسترو، ولم تستطع كذلك الولايات المتحدة ـ رغم محاولاتها ـ أن تتستر على اشتراكها في العملية حيث اتهمتها كوبا رسميًا بمحاولة إسقاط نظامها.

عَقِب حربين عُظميين بين دول أوروبا ونفرٍ من حلفائها في القرن العشرين، انبثقت منظمة الأمم المتحدة، ووُضِع أيضاً مفهومٌ جديدٌ للحروب بالوكالة، باعتبار أن الحربَ محتومةٌ في الحياة البشريَّة، إذ التنافس بين الدول مؤدّاه الحرب، وأنها السبيل الوحيد إلى سِلم مؤقّت. فكان أن أنتج مفهوم الحروب بالوكالة، ما تعني أن تقوم هذه الحرب أولاً خارج القارة المنهكة، ومن ثم العجوز، ثانياً أن تقوم على الأراضي التي كانت مستعمراتها، ثالثاً أن يقوم بالحرب أبناءُ هذه المستعمرات، مَنْ اُستخدموا في الحربين الكبريين وقوداً، هؤلاء من هم خصوم، لكنهم حلفاءٌ لطرفٍ من الأطراف، في حروب ما بعد الاستعمار، وهي كما حروب صغيرة بديل الحروب الكبرى، ما أنهيت بالغول البشري الأعظم: الذرة.

ساعتها وُضعت لبنة مفهومٍ جديد أيضاً: الحرب الباردة، ما كأنَّها مرادفٌ آخر للحرب بالوكالة، وأنها مولود التوازن النووي، فالرعب النووي أسهم بوضع حجر أساس تفتيت الحرب الكبرى، وطبعاً نذكر أن نتائج الحرب الكبرى الثانيَّة تقسيم العالم إلى معسكرين: ما عُرِفَ بالعالم الحر، قائدتُه الولايات المتحدة، القوى العظمى الجديدة، والعالم الثاني المنظومة الاشتراكيَّة، ما يقودها الاتحاد السوفييتي!

لكن ذاك لم يؤدِ إلى استبعاد تدخل مباشر من قِبل الدول الكبرى القائدة، فقد تورَّطت هذه القوى/ الفيل في حروبٍ صُغرى أسهمت في هزيمتها، مثلما حصل للعم سام في فيتنام، أو ما أنهى الاتحاد السوفييتي، ما خاتمته حرب دينيَّة خيضت ضده في أفغانستان، التي لم تنته حربها تلك حتى الساعة.

العالم عَرِف تهديداً نوعياً في خليج الخنازير، حيث جزيرة كوبا أنف الولايات المتحدة، تحوَّلت إلى قاعدة سوفييتيَّة نوويَّة. لكن مُكنة حرب كبرى كانت مستبعدة للأسباب التي ذكرنا أهمها، وكان المتحاربون الكبار صنعوا منظمة للسلم، وفي جوهرها إعادة إنتاج الحرب طبقاً للمفهوم الجديد: الحرب بالوكالة. تبييض الحرب هذا تم في حرب شبه الجزيرة الكوريَّة، التي قادت الحرب فيها الولايات المتحدة تحت علم الأمم المتحدة.

• ختامُها ترمب!

ظلت الأمم المتحدة، منذ وضْع حجر أساسها في أربعينيات قرن الحروب الكبرى، منبراً لخطب السلم، فيما مجلس الأمن تنفرد به الدول الكبرى منبراً للقرارات، والفيتو ما يرفع لقتل قرار ما، وفي هذه الأجواء باتت الأمم المتحدة ومجلس أمنها طاولةً مستديرةً لإدارة الحرب بالوكالة في عقد الستينيات كثورٍ أهوج. خبط خروتشوف الزعيم السوفييتي على منبر الأمم بحذائه، وبهذا أفصح عن مهمة منظمة الأمم المتحدة، إذ ساعتها كانت آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينيَّة غارقة في حروب بالوكالة، ما زالت ذيولها تجرجر حتى الساعة.

زال الاتحاد السوفييتي، فتغيَّر مفهوم الحرب الباردة، باتت الولايات المتحدة شرطي العالم، فتضعضع حال الأمم المتحدة، ما بات المراد منها أن تكون منظمة الولايات المتحدة، لكن سقوط الاتحاد السوفييتي أظهر انقسامات أوسع بالعالم، فالعالم الثنائي تعددت قواه الكبرى، ودخل المجال النووي دولاً عدة، وعُدَّت الدول الاقتصاديَّة القويَّة دولاً كبرى، ومن أثر ذلك زالت ضغوط على قارات العالم ما عُرِفَ بالعالم الثالث.

لقد أُنهيت مع الحرب الباردة الحرب بالوكالة في العالم الثالث، واستبعد من هذا قلب العالم: الشرق الأوسط، قلباً مُتبقياً لخوض الحروب بالوكالة، ووُضِع مفهومٌ جديدٌ للحرب الباردة عُرِف بالحرب ضد الإرهاب الدولي، فالإرهاب أمسى دولياً، في تحويل حاذق لمفهوم إرهاب الدولة، ما وُصمت به الولايات المتحدة لعقود بين الخمسينيات والثمانينيات.

عقب الأزمة الاقتصاديَّة الكبرى 2008، وعقب زلزال الربيع العربي 2011، وقبل هيمنة العالم السيبراني، لم يعد العالم العالم، ما جعل العالم الغربي يدخل في عالمٍ جديدٍ، وكأنَّه يعيش حالته، غداة الحرب الكبرى الثانيَّة، من هذا الرحم وُلِدَ ترمب، من يعمل على إعادة توظيف الأمم المتحدة لإدارة الحروب بالوكالة، فجِلسات الأمم تلغو وترغي عن الإرهاب الدولي، واعتبار الشرق الأوسط والإسلام مولّداً وقاعدة لمفهوم الحرب الباردة الجديدة: الإرهاب الدولي.

الأمم المتحدة أخيراً، كما منظمة لشؤون الإرهاب الدولي، ومحل إقامته الشرق الأوسط، ما تخاض فيه الحروب بالوكالة، ما وقودها النفط، وأيديولوجيتها حربٌ دينيَّة، خيضت بالإسلام في البدء ضد الإلحاد، وتخاض الساعة ضد الإسلام المتطرف.

الأمم المتحدة أخيراً، كما منبر في مسجد تُتلى من عليائه آيات ترمب وفتاوى الحرب بالوكالة، وترمب مرة ثانيَّة الثور الهائج، من يخبط برأسه الفارغ، وكل أطرافه المتبعثرة، في عالم فقد عقلُه القديم، ولم يستوعب جديدَه بعد. 

الحرب… مصطلح فلسفي له عدة دلالات و مضامين، و هي ظاهرة ملازمة للبشرية منذ نشأتها، تتجوهر في إخضاع الخصم وتحقيق أهداف متنوعة. لكن الحروب، بمختلف أنواعها، لا تبقى على نفس النهج وإنما تتطوّر عبر الزمن ولذلك فقد عرف العالم عدة أجيال للحروب كل و خصائصه؛ حيث تميّز الجيل الأول بالحشد الكبير للقوات والمواجهات المباشرة بين الجيوش ومثالها الحروب النابليونية، أما الجيل الثاني فقد تميّز بالاعتماد على القوة النارية أكثر من الاعتماد على حشد أعداد كبيرة من الجنود، بعدها جاء الجيل الثالث من الحروب في الحرب العالمية الثانية، وتميز بالتطور الكبير للاسلحة والاعتماد الأكبر على القوات الجوية وسرعة الحركة والمفاجأة، والعمل خلف خطوط العدو، ولذلك يطلق عليها اسم الحروب الخاطفة. ومع التباين بين هذه الأجيال الثلاثة من الحروب، فإنها تشترك في أنها كانت حروباً بين الجيوش النظامية بشكل أساسي. أمّا حروب الجيل الرابع فتعمل على جعل المجتمع عدواً لنفسه بوعي منه أو دون وعي عبر دفعه إلى التصادم والتقاتل أو العمل ضد استقراره بذرائع ومبررات غير حقيقية، ولعلّ الشرق الأوسط يعيش هذا النوع من الحروب منذ عام 2011 في ما عرف بـ”الربيع العربي”. وإضافة إلى هذه الأجيال الأربعة هناك جيل خامس من الحروب وهو الحروب الهجينة التي تجمع بين الوسائل التقليدية والوسائل غير التقليدية كحروب المعلومات والحروب السيبرانية الخ. وأهم ما يميز الجيلين الرابع والخامس من الحروب أنهما يستهدفان إطاحة الأنظمة الحاكمة ولا يعترفان بالوضع الراهن في الدول.

يشبّه الجنرال والمنظّر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز الحرب بالحرباء، فمع احتساب ان هذه العبارة طبقت على الحرب في كل زمان و مكان، فإن التغيرات التي تشهدها و ستشهدها الحروب من حيث نوعية السلاح والتدريب والقيادة والتخطيط وغيرها، تجعل هذه العبارة مخصصة لزماننا على الرغم من مضي قرون عليها ( قالها في اوائل القرن 19 )

يمكن تبسيط مفهوم الحرب بالوكالة بأنه كل تدخل غير مباشر من طرف قوى كبرى، قوى اقليمية او حتى جماعات و اطراف في حروب و نزاعات لا تستهدفا من اجل تفادي الدخول في حروب مباشرة، بحيث تتنافس على النفوذ في منطقة ما أو في العالم فتبدأ في زيادة نفوذها على احد اطراف الصراع من خلال التدخل في بعض الدول الأصغر والتي تمثل قيمة استراتيجية أو جغرافية أو اقتصادية، أو تقوم بدعم بعض الجماعات أو الأحزاب السياسية لإسقاط أنظمة معادية لها، أو مواليه لأعدائها،.

شهد العالم القديم العديد من هذه الحروب، بينما انتشرت أكثر في العالم الحديث خاصة في فترة الحرب الباردة فسميت بحروب القرن العشرين..

امثلة اخرى عن الحروب بالوكالة:

الصراع الليبي

الحرب اللبنانية

حرب العراق

التدخل الامريكي في لاوس

الحرب الكورية

الصراع الاوكراني الروسي

الحرب الفيتنامية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close