التراجع عن الخطأ فضيلة في إعادة سعر صرف الدولار

د. باسل عباس خضير

هناك فرق واضح بين اثنين ، البحث عن مصادر لتمويل الموازنة الاتحادية لتقليل المديونية والشروع بإصلاحات تعطي أثرا مستقبلي ، وبين الإضرار بالملكيات الفردية وتضييق سبل العيش من خلال تقليل القدرات الشرائية لعموم المواطنين ، والقرار الذي اتخذه البنك المركزي العراقي بتغيير سعر صرف الدولار وتحويله من 1200 دينار إلى 1470 قرار شبه دائمي اتخذ من قبل حكومة مؤقتة مهمتها الأساسية تهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات مبكرة بما يلبي مطالب المتظاهرين وبما يضمن مشاركة نسبة كبيرة من الجمهور بعيدا عن الشبهات والتزوير ، وقرار تغيير سعر صرف الدولار لم يحظى بقبول أغلبية العراقيين بدليل خروجهم يوميا بوقفات احتجاجية أمام البنك المركزي والتذمر الشديد من الارتفاع المفاجئ في الأسعار وركود الاقتصاد المحلي إذ بلغت مبيعات البنك المركزي 15 مليون دولار بتاريخ 29 كانون الأول الحالي اي اقل من 10% من المبيعات قبل تغيير سعر الصرف ، ويشير واقع الحال إن القدرات الشرائية للجميع انخفضت بنسبة 22,5% على الأقل والأسعار آخذة بالارتفاع أكثر رغم صدور الأوامر للجهات الأمنية بمراقبة الأسواق ، فان راقبوا أم لم يراقبون فان السيطرة على الأسعار ستكون إحدى المشكلات القادمة سواء كانت السلع موجودة في المصانع الأجنبية ولم ينجز إنتاجها بعد وسواء كانت محملة في البواخر وفي طريقها للعراق او كونها في الموانئ والكمارك لانجاز معاملاتها أم في مخازن ومستودعات التجار او على رفوف أي صاحب دكان او في البسطيات مادامت مقومة بسعر الدولار ، فبين ليلة وضحاها ارتفعت أسعار السلع جميعا دون التمييز في كونها مستوردة او منتجة محليا بما أتاح الفرصة لكل من يعمل ويتعامل بالتجارة بتحقيق (ربح ) لا يقل مقداره عن 25% من رأس المال دون جهد مبذول ودون إضافة فلسا على التكاليف ، كما أتيح لمن يحتفظ بالدولار أن تزداد قيمة أموالهم عند معادلتها بالدينار العراقي بما يوازي نسبة الارتفاع بسعر صرف الدولار ، بما يثبت بان ( الدولرة ) تجارة رابحة رغم الادعاء بالحد منها بفرارات الدولة التي كانت تدعوا للتعامل بالدينار العراقي ، وفي صباح اليوم التالي لهذا القرار وجد المحتفظون بالدينار العراقي سواء المودعين أموالهم في المصارف الحكومية او الأهلية او في ( البطل ) إن أموالهم انخفضت بمقدار ربع ما يملكون ، لا لأنهم خسروا أموالهم في صالات القمار او في ساحات ( الريسس ) بل لان البنك المركزي غير سعر الصرف فوزع الشعب بقسمة غير عادلة بين الرابح والخسران بضربة حظ او بأمر دبر بليل .

ومن المؤسف حقا أن يتخذ هكذا قرار، بعد أن أشبعونا تصريحات بشعار المحافظة على أسعار صرف الدينار حماية للقدرات الشرائية للمواطنين منذ زمن محافظ البنك سنان شبيب ولحين اتخاذ هذا القرار الذي ينعته البعض ب( المشؤوم ) ، فمن اجل هذا الشعار انفق بلدنا أكثر من 400 مليار دولار تم بيعها بمزاد العملة الذي لا مزاد فيه فهو يحول الدينار إلى الدولار كاعتمادات وحوالات لتغطية الاستيراد ، التي اثبت التحقيقات الأخيرة إن الكثير منها فضائية ولا علاقة لها بواقع الحال ، كما تقوم هذه النافذة ببيع الدولار لشركات ومكاتب الصيرفة لتوفير احتياجات المواطنين من الدولار عند السفر والعلاج والدراسة في الخارج وغيرها من الأغراض ، وهذه الشركات والمكاتب لم تبيع في يوم من الأيام دولارا واحدا بسعر الصرف الذي يحدده البنك المركزي بمعنى إنها تخالف الأسعار منذ يوم وجودها وحتى اليوم دون عقاب او حساب ، وفي الأيام الماضية وجه البنك المركزي العراقي العديد من الدعوات للمواطنين لعدم اكتناز أموالهم وتحويلها إلى مدخرات في المصارف لكي يستفيدوا من الفوائد التي يدفعها مصرف الرشيد على حسابات التوفير بنسبة 3,5% والرافدين بنسبة 4% ، وله تعليمات سابقة بعدم قبول الإيداعات في المصارف لأكثر من 10 آلاف دولار شهريا بعد التأكد من أين لك هذا ودفع فائدة سنوية قليلة لا تزيد عن 1% على حسابات التوفير ، ونضيف إلى ذلك كله إن تصريحات المستشارين كانت تطمأن المواطنين بان تغيير سعر الصرف خطا احمرا منذ سنوات ولم تنقطع هذه السياسة في يوما ما ، وضمن ما سمعناه تصريحات مستشار رئيس الوزراء والنائب السابق لمحافظ البنك المركزي قبل أيام قليلة من تغيير سعر الصرف والتي أشار فيها إن ما يتم تداوله بخصوص تغيير سعر الصرف ليس له أساس من الصحة وان مبدأ المحافظة على القدرات الشرائية للعموم لايزال يحظى بذات الاهتمام ، ولحد اليوم لم يتم التوصل إلى حقيقة ما جرى بخصوص أسعار الصرف فالسعر قد ورد نصا في النسخة المسربة لمشروع قانون موازنة قبل أيام من تغييره والبنك المركزي يقول انه هو من اتخذ هذا القرار لأنه من صلاحياته الحصرية ، في حين إن بعض المتابعين أشاروا بوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بان قرار تغيير سعر الصرف تم التوافق عليه في اجتماع ضم رئيس مجلس الوزراء الذي اقترح 1300 دينار للدولار ورؤساء الكتل الذين اقترح بعضهم 1600 دينار ، ولكن تم العمل بمقترح وزير المالية الذي اوجد حلا وسطيا بان يكون السعر 1450 دينار ( 1600 + 1300 = 2900 تقسيم 2 = 1450) .

ورغم ما ذكر في أعلاه ، فان هناك من يقول إن تغيير سعر الصرف جاء لضرورات وطنية لتقليل عجز موازنة 2021 وهو رأي يمكن قبوله ولكنه يصطدم بمجموعة من التساؤلات ، وأبرزها أسباب اعتماد 42 دولار سعرا لبرميل النفط في الموازنة المقترحة رغم إن الأسعار السائدة في الأسواق هي أكثر من 50 دولار وهي مرشحة للزيادة خلال عام 2021 سيما بعد أن أقرت العديد من الدول اعتماد لقاحات كورونا ، كما يتم التساؤل عن أسباب اعتماد كمية التصدير ب3,250 برميل يوميا وحصة العراق من اتفاق اوبك + في مرحلته الثالثة التي تبدأ من كانون الثاني 2021 ( التي أجلت إلى شباط 2021 ) ولغاية نيسان 2022 هي 4,016 مليون برميل يوميا ، وهناك من يسال أيضا لماذا لم تتحرك الجهات المعنية على منظمة اوبك لزيادة حصة العراق من التصدير نظرا للظروف المالية التي يمر بها خاصة وانه فتح خطوط تفاوضية واسعة مع السعودية وهي المصدر الأكبر في صادرات اوبك ، والبعض يقول إذا كان الهدف هو تقليل العجز فلماذا لا يتم خفض النفقات لأقل من المقترح الحالي ، إذ ليس من الملائم أن توضع أعلى موازنة إنفاق في تاريخ العراق بحجم 164 تريليون دينار على حساب معيشة الناس في سنة انتخابية قد تسودها العديد من التغييرات ، كما إن هناك من يقول لماذا تم استسهال الحلول بتغيير سعر الصرف ولم يتم التعويض بفرض رسوم على التحويلات بالدولار او فرض ضرائب على الشرائح المستفيدة من الموازنة ، لان سعر الصرف الجديد يضر بالفقراء دون من غيرهم وهم يشكلون نسبة 34% بموجب التقارير الرسمية ، وهذا السعر من شانه رفع النسبة لأكثر من ذلك بكثير ، وهي ليست أرقام ونسب مجردة وإنما قابلة لان تتحول إلى جوع وفقر وحرمان ومعاناة وجهل وأمية وقد تتسبب بجرائم وتسول وهجرة واختلال في العديد من أوجه الحياة ، كما إن هناك العشرات من الحلول التي طرحت لزيادة الإيرادات وتعظيم الناتج الإجمالي لم يتم ولوجها ، وتم الأخذ بمقترح زيادة سعر الصرف بذريعة تشجيع المنتج المحلي الهجين حاليا في الهوية والتأثير كونه يعتمد في بعض مكوناته على الاستيراد ، ونحن نقف إلى جانب تشجيع المنتج الوطني قلبا وقالبا ولكنه لا يبدأ من تغيير سعر الصرف وإنما من بناء القدرات والتمكين التي هي اكبر من واجبات حكومة استثنائية ينتهي عملها بعد أشهر او أسابيع ، وعملا بالمقولة ( الرجوع عن الخطأ فضيلة ) وهي من شيم الفرسان ، فان مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخية بإعادة أسعار الصرف حفاظا على معيشة وكرامة الانسان ، ويفترض إن الشعب الغاية النبيلة لكل شعارات وعمل البرلمان ومن يدعمه من الكتل والأحزاب .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close