انهض يا شباب العراق، تعلم، وتطور !

انهض يا شباب العراق، تعلم، وتطور ! بقلم د. رضا العطار

ان المقالات التي انشرها ما هي الاّ قطرات من ماء عذب اضيفها الى نهر المعرفة الجارية وئيدأ في ثنايا وعينا الأجتماعي، ذلك النهر الذي ينهل منه ابنائنا ما يغذي روحهم وعافيتهم الفكرية ويرفع من حاجاتهم الثقافية. ونظرية التطور لشارلتس داروين هي بعض هذه القطرات. علما أني لا ادعو الى قبولها، بل احث القارئ النبيه على قرائتها بهدوء و تأني بغية استيعاب فحواها، و محاولة فهم جوهر فلسفتها، وله بعد ذلك ان يقرر موقفه منها، فان اعجبته اخذ بها، اما اذا وجد فيها ما يتعارض مع آرائه،
فله ان يلعنها.

لقد اصبحت نظرية التطور لداروين، من مسلمات العصر الحديث، خاصة في الاوساط العلمية العالمية لدرجة تكاد تعتبرها من – العلوم العتيقة – حيث مضى على اعلانها اكثر من 150 عام، ومن الحيف ان نحرم شبابنا العراقي من الاطلاع عليها و فهم حقيقتها والعمل بها، فالى متى تبقى رؤوسنا مغروسة في رمال صحارينا لكيلا نرى ضوء الشمس ؟ . دعونا نتمتع بمنجزات العلوم الحديثة التي يبتكرها ذؤو العقول النيرة، ان هؤلاء العباقرة يحرمون انفسهم من راحة الحياة، يقضون اعمارهم في البحث والتنقيب من اجل التوصل الى ابتكارات تخدم البشرية، لتزيد من سعادتها، كانت نتائجها اكتشاف الكهرباء وظهور الطائرات وايجاد الأدوية العلاجية التي تشفي امراضنا، و ان نظرية التطور في ثقلها العلمي ما هي الاّ جزء من هذه الأكتشافات.

ان كتاب – نظرية النشوء و التطور – الّفه العالم البيولوجي الأنكليزي الشهير تشارلس داروين عام 1859. وان معظم دول العالم المتقدم في حينه، قد رحبت بالأكتشاف العظيم واعتبرته ثورة القرن التاسع عشر، كانت فرنسا في مقدمة هذه البلدان، التي اغنت ثقافتها الوطنية بمضمون هذه النظرية، حيث اقرت وزارة التربية والتعليم فيها، ضمن المناهج الدراسية – لمدارسها الابتدائية – كتاب – براون سيكار- ، وهو في علومه يوازي القيمة البذرية الثقافية التي وردت في نظرية داروين ، والمعروف عن الشعب الفرنسي تدينه، لكنه يدرك ان الدين الحقيقي لا يمنع معتنقيه من كسب العلوم الحديثة. اقول : كفى انتظارا ! دعونا نتعلم كي نوسع دائرة ثقافتنا العالمية، دعونا نفصل معارفنا الدينية عن العلوم المادية، صحيح ان الأولى تهذب الروح لكن الثانية تغذي العقل، فلكل له شأنه، كي يتسنى لنا، ولو بعد دهر طويل، اللحاق بركب الثقافة للعالم المتقدم.

كانت هذه النظرية الى وقت قريب تدعى ( بالداروينية ) وكأنها مذهب ديني ينتسب الى امام معين. ومن حق القارئ ان يعرف شيئا عن حياة هذا المفكر الفذ.
ينتسب تشارلس داروين الى اسرة اشتهرت بالذكاء. فإن جده لأبيه هو ( ارازموس ) الذي عالج نظرية التطور بالذات وحاول ان يصل الى حل لعقدتها، اي اصل الانواع.
له مؤلفات في النبات مثل – معبد الطبيعة – و – الحديقة اليونانية – . وكلاهما يتسم بالنظرة الشمولية والنزعة التعميمية اللتان برزتا في مؤلفات حفيده تشارلس.
اما جده لأمه فهو – ويدجود – الخزاف الكبير الذي لا تزال بعض مصنوعاته من الأطباق والزهريات تباع تحفا بأسعار خيالية يقتنيها الأثرياء للتفاخر، يعرضونها في خزائنهم لضيوفهم. ومن هذين الجدين يعرف القارئ ان التراث العقلي الواسع الذي ورثه تشارلس من عائلتي ابيه وامه لم يكن مما يستهان به.

ولد داروين عام 1809 وحصل على التعليم المألوف في مدارس الطبقة الوسطى. ثم التحق بجامعة ادنبرة كي يصبح طبيبا، لكنه بعد سنتين كف عن التحصيل، نفورا من الطب. وانتقل الى جامعة كمبردج كي يصبح قسيسا، اي ان بذرة الأيمان كانت فيه فطرية ثم بعد فترة كف عن الأستمرار فيها ايضا. وكان طيلة المدة في هاتين الجامعتين متعلقا بهوايته المفضلة التي صارت بعد ذلك رسالة حياته وغاية وجوده الا وهي دراسة الأحياء. لكن الى جانب اهتماماته هذه، درس داروين الأدب الانكليزي حتى حصل على ماجستير فيه. ومن هنا نفهم ان داروين لم ينتفع من الثقافة الجامعية كثيرا. وتخبطه بين الطب والكهانة يدل على تبلبل ذهنه. كما نفهم انه لم يكن لهاتين الجامعتين اي فضل في اهتدائه الى نظرية التطور. وكل ما يذكره داروين انه تعرف على الاستاذ – هنسلو – في الجامعة وانه كان يسدده ويرشده في جمع النباتات والحشرات النادرة. وكان يخرج في رحلات خاصة يبحث فيها عن النباتات الغريبة في البحر واليابسة.

وحدث عام 1831 ان اعدت وزارة المستعمرات البريطانية السفينة الاستكشافية
(Beagle)، لأرتياد المياه المحيطة بأمريكا الجنوبية كي تُسبر اعماقها وتدرس تياراتها مع الوقوف على احوال الجزر في المحيط الهادي. وكان هدفها يرمي الى الاستيلاء على الاقطار البعيدة وعلى الاسواق. فكانت السفينة بحاجة الى شخص على دراية بالتاريخ الطبيعي، اي المعارف الخاصة بالحيوان والنبات والتغيرات الارضية. هكذا وقع الاختيار على داروين بعد ان حصل على توصية من استاذه هنسلو.

وقد كتب داروين بعد ذلك تفاصيل هذه الرحلة التي رأى فيها الفويجين المتوحشين في مناطق من امريكا الجنوبية وفي بعض جزرها الغربية في كتاب مستقل نجد فيه تجرثم الفكرة التي كانت رسالة حياته بعد ذلك في تفسير نظرية التطور وتعميمها في العالم المتمدن. ومما جاء في مذكرات داروين من طريف، ان حيوانات هذه الجزر لا تنفر من الانسان بل تؤلفه، فكانت تقترب منه، وكان الطير مثلا يجلس على كتفه، لان هذه الحيوانات لم تعهد بعد انسانا يؤذيها.
جزيرة Calapatous كانت المحطة الاولى التي قصد اليها داروين عام 1832 والتي تقع في القسم الجنوبي للمحيط الهادي، على بعد الف ميل من الساحل الغربي لامريكا الجنوبية، بقى فيها شهورا متطاولة يبحث ويدرس ظواهر الطبيعة للكائنات الحية من نبات وحيوان، الى ان توصل في النهاية الى قناعة من ان الاحياء المائية نشأت بداية على شكل طحالب، ثم تطورت عبر احقاب طويلة من الزمن، فظهر نبات الاسفنج الذي يجسد مرحلة التحول من النبات الى الحيوان، واستمرت حتمية التطور الى ان ظهرت الاسماك، التي انتقل بعضا منها الى اليابسة بعد ان تحولت زعانفها الى اطراف. (1) فاستقرت على الارض، ومنها ما تطور الى لبائن ومنها ما طارت في الجو، بعد ان تحولت اطرافها الى اجنحة، هذه المراحل التطورية البيولوجية اخذت من عمر الارض ملايين كثيرة من السنين، لا يعلم سرها ومداها الا خالقها.

يظن علماء الجيولوجيا، ان الارض ما كانت إلا شظية مشتعلة انفصلت عن الشمس، واخذت تدور حول نفسها في الفضاء الاّمتناهي، قبل اكثر من اربعة مليارات وخمسمائة مليون سنة، ثم بدأت تبرد تدريجيا، واول ما برد منها هي قشرتها الخارجية. و ان ما برد من الارض في البداية كان القطبان. فنشأت الحياة الراهنة في القطب الشمالي اولا، وقد ثبت صحة هذا الادعاء، بعد ان اكتشف العلم الحديث في هذه المنطقة بالذات متحجرات لاشجار النخيل. هذا ما يعني ان هذه الاشجار كانت تعيش في مناخ حار كالذي نشاهده اليوم في المناطق الاستوائية.

لقد نبضت الحياة في الخلية الأولى في طين السواحل للمستنقعات الدافئة، حيث يختلط الماء بمركبات التربة. ولسنا نعرف لحد الان ماهية الحياة الأولى، وكيف خلقت، علما ان عناصر مياه البحار لا تزال موجودة في جميع اجسام الكائنات الحية. وان اهم هذه العناصر هو – اليود – وثانيهما هو ملح الطعام وكلاهما ضروري لكل جسم حي، وفي ملوحة دمائنا نحن البشر ما يماثل ملوحة ماء البحر.

ان الخلية الحياتية الاولى خُلقت من طين، يتعذر على العلماء تحديد زمنه، ربما كان قبل الف مليون سنة، كانت عناصرها الأولية في التكوين هي نفسها الموجودة حاليا في الطين، فقد جاء التعبير لهذه الحقيقة موحدا، سواء ما جاء ذكره في الاية القرانية الكريمة من سورة المومنون:
( ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين ) او في نظرية داروين. والفارق ان الباحث قد عبرعن مقصده بأسلوب علمي يتسم لفظه بصيغة المبني للمجهول ( خُلق ) ، بينما الاسلوب الديني اتسم بصيغة المبنى للمعلوم (خَلقنا). فهنا لا نجد ما يدل على ان داروين تناسى دور الخالق في هذا الشأن، علما ان بابا الفاتيكان قد اعلن عام 2009 :
(ان نظرية داروين لا تتعارض مع جوهر الأديان السماوية) .

بعد ان تزوج داروين. انتقل الى قرية داون، وهي تبعد بضعة اميال عن لندن، تمتاز بالبيئة الريفية وهدوئها التي يحتاج اليها، اي السكون اولا، وقلة الاختلاط الاجتماعي الذي يفسد عزلتة ثانيا. فهنا تتوفر النباتات والحشرات والطيور. وكان قد ورث ثروة من والديه، تهيئ له دخلا متوسطا يكفي المعيشة المعقولة فوق الحاجة ودون الترف.
وهنا استقر وشرع يؤلف، واخرج كتابه – اصل الانواع عام 1855 فإرتجت الدنيا به كما لو كان الكتاب قنبلة انفجرت، حتى وصل دويها الى الجامعات الاوربية التي كانت تدرس الغيبيات الخرافية، رغم ان كثير من مدرسيها كانوا دكاترة في علم الأديان، لكنهم اعتقدوا ان ما يعرفونه كان كافيا وصحيحا في تفسير نشوء الخلق. وقد قوبل الكتاب من الاكثرية الساحقة من الشعوب الاوربية بثورة من الغضب والحنق والنفور والسخرية، كما قوبل من الاقلية الواعية بالرضا والقبول.

ولم تمضي سنوات حتى كان قد اعيد طبعه وترجم الى لغات العالم المتمدن. وكان هذا الكتاب بذرة لتفكير توجيهي جديد ليس في النبات والحيوان فحسب انما في الاجتماع والاقتصاد والدين والسياسة كذلك. وفي عام 1872 اصدر كتاب التعبير العاطفي للحيوان وفي عام 1875 اصدر كتاب النباتات التي تأكل الحشرات، كان داروين في هذا المكان متحفظا ولكنه تجرّأ والّف كتابه ( اصل الانسان ) وموضوعه، اننا والقردة العليا منحدرين من ارومة واحدة.

لم يذق داروين طعم الخمرة، لكنه كان مفرطا في التدخين. وقد انجب سبعة اولاد، مشى جميعهم على درب ابيهم ونجحوا في الحياة.
وفي السنوات العشرة الاخيرة من عمره كانت داره كعبة العلماء يفدون اليه من القارات الخمسة، كان بين الحين والأخر يصرح لهم قائلا : ( ان كتبي وما تتضمنه من معلومات صاعقة جعلتني استحي من رؤية الناس، واني اشعر ازائهم بالخجل ).
يقولها هذا الرجل الذي اكسبنا تصورا موضوعيا في كيفية نشوء الحياة ونقل التفكير البشري من النظر الغيبي الخرافي الى النظر المادي المعرفي الواقعي.

(1) في (علوة السمك) في احدى المدن الساحلية الشرقية لجزيرة مدغشقر الكائنة في البحر العربي وبطريق الصدفة وجدت عام 1935 سمكة، كانت زعانفها الامامية عبارة عن اطراف، (ساعدتها على الخروج من الماء والزحف على اليابسة)، مما اثارت فضول السكان المحليين، فلم يقدموا على شرائها، واصبحت السمكة في نظرهم موضع ضحك وسخرية. لكن من حسن حظ نظرية التطور لداروين ، ان شاهدها سائح اوربي، فأشتراها بسعر بخس لم يتجاوز ميليمات معدودة، لكن ( قيمتها العلمية الحقيقية ) كانت لا تقدر بثمن. اطلق عليها علماء البيولوجيا بعدئذ اسم (السيلاكانت)، فقد اثبتت الظاهرة التطورية التي ظهرت في هذه السمكة، صحة ما قاله داروين في كتابه (اصل الانواع) في نشأة الحياة وتطور الاحياء بشكل قاطع لا يقبل الشك.
والجدير بالذكر، ان دارون قد اكد على هذه المرحلة التطورية قبل 150 سنة دون ان يكون قد شاهد ما هو نظير لها. وهي الان محنطة ومعروضة في متحف التاريخ الطبيعي في الولايات المتحدة الامريكية.
* بعض الفقرات مقتبس بتصرف من كتاب نظرية التطور للموسوعي سلامة موسي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close