لنقتدي بوطنية مكسيم غوركي !- ح4

لنقتدي بوطنية مكسيم غوركي !- ح4 (*) د. رضا العطار

حين يموت اديب نسأل هذا السؤال : هل كانت المشكلات التي شغلته والّف عنها كتبه هي حقائق نبعت من معاناة الانسان ونظام المجتمع واستقلال الروح وارتقاء الشعوب والحرية والمساواة ام كانت مشكلات جوفاء, حتى اذا مات نسيناها لتفاهتها ؟
ومثل هذا السؤال يمكن ان يسأله الناس في كل زمان ومكان.

انت رجل ايها الاديب و أنت انسان تطلب الخير للشعب الذي تعيش فيه. أنت تعلم معنى التطور وقيمة الحرية, حرية النفس في ان تسلك السلوك الذي تهواه وحرية العقل في الاستقلال. تؤمن ببينة العلم بدلا من الايمان بالعقائد الموروثة. وانت من الشعب فهل خدمت شعبك والانسانية يوما في سبيل الحرية والتطور والعلم ؟ .

البطل الاول في قصص مكسيم غوركي هو الرجل الناهض, بل المرأة الناهضة ايضا. هو الرجل الذي يقف لحظة في حياته ينظر الى الخلف والى الامام, الى ماضيه والى مستقبله ويقول : كنت جاهلا والان يجب ان اتعلم . كنت في غيبوبة فيجب ان انتبه. كنت عبد للخرافات فيجب ان أتحرر, كنت انانيا فيجب ان اكون انسانيا, كنت اعيش بلا هدف بلا وعي فيجب ان اعيش عن هدف ووعي . وهذا شئ خطير وعظيم.

وقصة ( الام ) التي الفها غوركي عقب فشل الثورة الروسية عام 1905 تدلنا على اهتمامات هذا الانسان في كفاحه المرير في سبيل انقاذ شعبه من محنته الكبرى وايصاله الى ساحل الامان. كان شعاره دوما : انهض , تعلم , اخدم الشعب , اعمل للمساواة والحرية, ارتفع من شؤنك الشخصية الصغيرة الى الشأن الانساني العظيم , فإن الحق والعدل سينتصران على الباطل والظلم.

لما فشلت ثورة 1905 وذبحت حكومة القيصر آلاف الاباء والامهات من الشعب, سادت فترة من اليأس والغم, قابلها مكسيم بقصة – الام – كي يبعث الامل والشجاعة في نفوس الشعب الروسي, ونحن بحاجة للأطلاع على تفاصيل هذه القصة :

القصة تبدأ بعامل مُسن يعمل كثيرا في المصنع كما يتعب كثيرا . فإذا قصد الى بيته لم يجد شيئا ينسيه تعبه ويأسه وفقره سوى الخمر, يشربها حتى يغيب عن وعيه. هذا الوعي الذي لا يطيقه. ويموت الاب , ويخلفه ابنه , ويقتدي به . يتعب في المصنع نهارا ثم يعبّ الخمر مساء . وكأن الدنيا بحضارتها وثقافتها وهمومها واهتماماتها الاجتماعية والانسانية أشياء بعيدة عن ذهنه لا يعرفها. وتتأمل الأم ابنها فترى فيه صورة ابيه ومصيره. اي الموت بعد الفقر والبؤس. فتناشد فيه الحميّة والشهامة, معظّمة فيه روح الشجاعة والشرف. تدعوه الى ترك الخمر. وكان لكلمات الام اكبر الاثر في التوجيه.

يكف الابن ( بافيل ) عن الخمر ويصحو نهاره وبعض ليله. وعندما يصحو يفكر. وعندما يفكر يسخط. ثم يدفعه سخطه الى التفكير مرة اخرى. ويتعرف على جماعة من المفكرين الذين يحملون في قلوبهم الهموم الوطنية و الانسانية ويبدأ يقرأ كما يقرأون . الكتب البذرية التي يؤلفها الحالمون الذين عرفوا الواقع ولم ييأسوا. بل كان املهم في مستقبل احسن تنهدم فيه مؤسسات الظلم والاستغلال.

كان يجتمع مع هؤلاء الحالمين من العمال والاساتذة والطلبة يتذاكرون ظروف السوء. السوء الذي يعيشون فيه. ثم يخططون لحياة قادمة. وهو يجد في هذا الارتباط بهؤلاء الثائرين قوة تنويرية عظيمة لذهنه الخام . فيقرأ ويدرس ويصنع من نفسه رجلا جديدا. فلا يفكر في الخمر كي ينسيه بؤسه وانما يفكر فيما يزيد يقظته من هذه الكتب.

وامّه الجاهلة التي لم تعرف ايام زواجها غير الطبخ وتحمّل الضرب وشراء الخمر. و هذه الام تتأمل في فهم طبيعة ابنها وهو يكد ويتعب يقرا ويخبّي الكتب الممنوعة و ترى بفعل الحدس وعقلها البدائي كيف ان الاجتماعات السرية التي يشارك فيها ابنها بافيل بدأت تصقل ذهنه وتصنع منه انسانا مستقيما فعالا مفيدا.

عرفت الام بان ابنها وزملائه يخشون الشرطة وانهم يقومون بحركات قد تنتهي بهم الى السجن فتمتلئ خوفا على ابنها ولكنها مع ذلك كانت تنظر الى هؤلاء الزملاء كقدوة حسنة فقد اعجبت بأتزانهم وكياستهم وجودة معاملتهم . ويدفعها حبها لأبنها عن السؤال عن معنى الثورة بل معانيها والى الاهداف الانسانية الكبرى التي يحتضنها ابنها وزملاءه والى البرامج التي يتبعونها. وتنسل الكلمات والافكار الى قلبها ويدخل شعاع بعد شعاع من النور الى عقلها المظلم , فيستضئ وتشرع وهي في العقد السادس من عمرها في تعلم القراءة.

لقد احالتها افكار الثورة الى انسان ناهض بعد نصف قرن من الظلام. وتلقي حكومة القيصر القبض على ابنها لانه يخطب ويحرض الناس على العصيان وتطرحه في السجن. ولكن الام بدلا من ان تصرخ وتولول تنهض وتتابع في جد الدعوة الى الثورة, نعم . لقد تغيرت هذه المرأة وعرفت هدفا جديدا في الحياة . . كانت أمّا لأبنها, فأصبحت , بمبادئ الثورة التي تعلمتها أمّا لجميع الشباب في العالم. وكانت تقصر اهتمامها على شؤون البيت و فأصبحت تهتم بشؤون العالم كله . لقد اخذ الهدف العام عندها مكان الهدف الخاص . هذه هي السعادة , حين نشعر بألام بمحنة الاخرين , نحاول ان توجه الحياة نحو الاصلح . الواقع ان ما نعانيه من عذاب في سبيل هدف سامي , يعود علينا بلذة سامية , لاحساسنا باننا نؤدي واجبا انسانيا على المستوى العالي . ويقبض على الام بعد القبض على الابن , ويستمر القيصر في اذلال الشعب . ويستمر الشعب في كفاحه المرير في سبيل التحرر من النظام الاستبدادي وتبديله بنظام ديمقراطي.
الحلقة الاخيرة في الغد !

* مقتبس من كتاب مختارات للموسوعي سلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close