العراق: لا غنى عن كاميرات المراقبة

كرم سعدي
كثيرة هي الأحداث الأمنية في العراق (أحمد الربيعي/ فرانس برس)شرطة في العراق (أحمد الربيعي/ فرانس برس)

تردّي الأوضاع الأمنية في العراق دفع وزارة الداخلية إلى دعوة المواطنين إلى وضع كاميرات مراقبة، في محاولة للحد من الجرائم التي تتهددهم. وهذا ليس جديداً في ظل انتشار هذه الكاميرات في بيوت وأحياء العراقيين

كثيرة هي كاميرات المراقبة في العاصمة العراقية بغداد. ويبدو أن تراجع الوضع الأمني قد يفرض مزيداً منها في الفترة المقبلة. وأخيراً، دعت مديرية الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية، المواطنين وأصحاب المحال التجارية، إلى وضع كاميرات مراقبة لحماية مناطقهم وممتلكاتهم. وقالت في بيان: “ندعو المواطنين وأصحاب المحال التجارية إلى نصب كاميرات المراقبة على جدران بيوتهم وفي مداخل أزقّتهم ومحالّهم، وصيانة الموجود والمنصوب منها”. أضافت أن الإجراء يأتي “حفاظاً على أمن مناطقهم وممتلكاتهم، فضلاً عن مساعدة الأجهزة الأمنية في عمليات حفظ الأمن وتتبّع المجرمين، وفي الوصول إلى الجناة واللصوص والإرهابيين”.

وتشهد عدد من المدن العراقية، خصوصاً العاصمة بغداد، وضعاً أمنياً غير مستقر. وتكثر جرائم الخطف والقتل، لا سيما بحق الناشطين المعارضين للحكومة، وأحياناً طلباً للحصول على فدية. وتعد الأحياء التي تصنّف راقية، ويقطنها ميسورو الحال، الأكثر اعتماداً على كاميرات المراقبة، ومنها حي زيونة شرقي بغداد. يقول المواطن ناظم المرعاوي الذي يقطن في الحي، لـ “العربي الجديد”، إنه لجأ وجيرانه إلى مهندس لوضع كاميرات في الحي الذي تسكنه ثلاثون أسرة. المرعاوي الذي يعمل في تجارة الحديد يقول إنه خلال عامين، تعرّض منزلان في الحي للسرقة، في وقت فشلت ثلاث محاولات أخرى. ويشير إلى أن الحي شهد أيضاً جرائم خطف وسرقة. ويقول عدد من الذين تحدثت إليهم “العربي الجديد” إنهم يدينون بالفضل لـ “كاميرات المراقبة”، لأنها تساهم في الحفاظ على حياتهم وحياة أسرهم.

سارة خماس، التي تدير محلاً لتجميل النساء، تقضي ساعات طويلة من اليوم في عملها، وكذلك زوجها الذي يملك ورشة لتصليح السيارات، في حين يبقى منزلها خالياً لساعات طويلة؛ إذ تصطحب طفليها إلى منزل جدهما إلى حين انتهائها من العمل. تقول لـ “العربي الجديد” إنها تعتمد على كاميرات مراقبة متطورة مخفية في أماكن خارج وداخل منزلها، تمكّنها من توثيق أي عملية تستهدف أمن منزلها. تضيف: “من خلال تلك الكاميرات، نستطيع رؤية مسافة تصل إلى أكثر من خمسين متراً على جانبي منزلنا ونحن في داخله. وبتنا لا نخرج من المنزل قبل التأكد من أن الخارج آمن”. كذلك، وضعت وزوجها كاميرات مراقبة في مكانَي عملهما.
دعوة وزارة الداخلية المواطنين إلى وضع كاميرات مراقبة ليست جديدة، كما يقول ضابط في وزارة الداخلية لـ “العربي الجديد”. ويوضح أن الوزارة في أوقات سابقة دعت أصحاب المحال التجارية والمواطنين إلى اعتماد كاميرات المراقبة من أجل الحفاظ على أمنهم. يضيف أن “كاميرات المراقبة التي يعتمدها الأهالي في منازلهم ومحالهم التجارية وفّرت جهداً كبيراً على الأجهزة الأمنية، إذ ساعدت في الوصول إلى الكثير من المجرمين. ولولا أهميتها، لما دعت الوزارة المواطنين إلى نصبها”.

كاميرات مراقبة (صباح عرار/ فرانس برس)

اميرات مراقبة للبيع (صباح عرار/ فرانس برس)

يتابع: “في بعض الجرائم، جرى تتبّع المجرمين عشرات الكيلومترات من خلال تفريغ محتوى كاميرات المراقبة التي ينصبها مواطنون فوق أسطح منازلهم وأمام محالهم التجارية”.
لكن في أحيان أخرى، ورغم توثيق الكاميرات عددا من جرائم الخطف والاغتيال، تعجز الأجهزة الأمنية عن الوصول إلى الفاعلين، ومن بينها جريمة اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي الذي وثقت كاميرات المراقبة اغتياله من قبل مسلحين في يوليو/تموز الماضي، وجريمة خطف الناشطة الألمانية هيلا مفيس في الشهر نفسه، بالإضافة إلى آخرين.
والسبب، بحسب الضابط، يرتبط بنفوذ الجهات الخاطفة، موضحاً أن “عمليات الاغتيال والخطف التي تأتي في هذا السياق تقف وراءها مليشيات لها قوة وتأثير وسلطة، وهذا ليس سراً يخفى على أحد، بل يدركه العراقيون والحكومة أيضاً”. يضيف أن الأجهزة الأمنية لم تتمكن من الوصول إلى المجرمين في العديد من الجرائم والخروقات الأمنية بسبب منعها من التحقيق.
كذلك، يؤكد الضابط أن “غالبية الأحياء باتت اليوم مؤمّنة بشكل كبير بكاميرات مراقبة. بالإضافة إلى الكاميرات التي نصبتها وزارة الداخلية ومجالس المحافظات، هناك توجه كبير من قبل المواطنين وبشكل طوعي لوضع الكاميرات”.
ومنذ عام 2017، كشفت محافظة بغداد عن خطة لإدخال وتطوير كاميرات المراقبة وتوسيع مساحة نشرها في كافة مناطق العاصمة، لرصد حركة السيارات المشبوهة، ومعرفة مواقع تفجير السيارات، والبحث عن أماكن تواجد الخلايا النائمة، بالإضافة إلى عصابات الجريمة المنظمة.
وبحسب إحصائية أعدتها شركة “كومباريتش” الإنكليزية، جاء العراق في مقدمة الدول العربية لناحية أعداد كاميرات المراقبة. وتوضح أن بغداد تملك 20 ألف كاميرا من نوع “CCTV” موزعة على كافة أنحاء العاصمة. وفي دليل على إقبال المواطنين على نصب كاميرات مراقبة، بدأت تنتشر المحال التي تبيع الكاميرات خلال الأعوام العشرة الأخيرة.
ويقول حسين الدايني، الذي يعمل في تجارة الأجهزة الإلكترونية، إن “الإقبال الكبير على شراء كاميرات المراقبة جعلني أعمل أيضاً في هذا المجال”، مضيفاً أن المواطنين يستبدلون الكاميرات القديمة بتلك الأحدث، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن الأسعار مقبولة.

تسول في العراق (حيدر همداني/ فرانس برس)

ويشير إلى أن كاميرات المراقبة في العراق أصبحت “ثقافة شائعة”، والأمر ينسحب على “بعض المحال الصغيرة جداً، إذ يتحمل هؤلاء تكاليف شراء ونصب الكاميرات. كثيرون يعتقدون أنه من الضروري تقديم ما يدعم نشر الأمن واستتبابه في البلاد”. من جهة أخرى، يعترف الدايني بأن كاميرات المراقبة “وفرت عملاً جيداً لشريحة من المواطنين”، مضيفاً: “فضلاً عن التجار الذين يستوردون هذه الكاميرات، فهناك عدد كبير من المحال التي تعتمد بشكل أساسي أو ثانوي على بيع الكاميرات، بالإضافة إلى توفير عمل لفنيين مهمتهم نصب الكاميرات”.

15 فبراير 2021
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close