قصة صعود ونزول آدم في الأسطورة البابلية (أداپا)

قصة صعود ونزول آدم في الأسطورة البابلية (أداپا)

بقلم : عضيد جواد الخميسي

الأسطورة البابلية (أداپا Adapa ) المدوّنة بالخط المسماري ، والموزعة على ثلاثة ألواح طينية ؛ هي قصة الإنسان الأول في بلاد الرافدين المعروفة باسم ( الطعام والحياة ) ؛ والتي تجيبنا بوضوح على ذلك السؤال القديم : لماذا الناس يعيشون ثم يموتون ؟

إله الحكمة ” إيا “؛ خلق الإنسان الأول أداپا ، ومنحه العقل والحكمة ؛ ولكنه لم يمنحه الخلود . وعندما قدَّم ” أنو” الإله الكبير (ربّ السماء أو ربّ الآلهة ) ، الحياة الأبدية إلى أداپا ؛ تحايل عليه (إيا) كي يرفضها. رغماً من عدم التعبير عن ذلك مباشرة في الأسطورة ، إلا ان تفكير إيا في هذا الموقف ؛ يبدو مشابهاً ليهوه في سفر التكوين من كتاب التوراة ؛ بعد ان لعن يهوه آدم وحواء ؛ بسبب تناولهما ثمار(شجرة معرفة الخير والشر) ؛ ألقى بهما خارج الجنّة قبل أن يتمكنا من تناول ثمار (شجرة الحياة) .

(وقال الربّ الإله :هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ) ( تكوين ـ 3 :22 )

( فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا) ( تكوين ـ 3 : 23 ).

فيما لو كان آدم وحواء خالدَين ؛ عند ذاك سيتساويان مع الآلهة ، وستخسر الآلهة هيبتها وقدسيتها ، ومن ثمّ تنتهي الفوارق مع البشر ، وهو نفس منطق إيا في أسطورة أداپا .

في سِفرالتكوين ؛ يكتسب الإنسان المعرفة عن طريق تناول ثمار الشجرة . بينما في الأسطورة البابلية ؛ يمنح الإله إيا المعرفة للإنسان أثناء عملية الخلق . من هنا نلمس الحبكة الدرامية الرائعة ، والاثارة القويّة في سيناريو توزيع الأدوار للشخوص البابلية أكثر منها في التوراتية . علماً أن أداپا كان حكيماً بالفعل ، ودور إيا كان مثل يهوه في سفر التكوين ، وكلاهما يرغبان في ان يبقى الإنسان عند موقعه على الأرض وليس في السماء .

تخبرنا الأسطورة البابلية ؛ القصة التالية عن أداپا الذي كان في الحقيقة ؛ ملكاً على أريدو :

في أحد الأيام ذهب أداپا بقاربه إلى مياه البحر(الخليج) ليصطاد السمك ، وعندما كانت الريح الجنوبية قد هبّت بعاصفة قوية ، انقلب قارب أداپا فجأة وألقى به في البحر . غضب أداپا غضباً شديداً ، فكسر جناح الريح الجنوبية . وبسبب ذلك ؛ لم تستطع الريح الجنوبية من ان تهب لسبعة أيام متتالية .

غضب الربّ والإله الكبير” أنو ” على أداپا بسبب فعلته الشنيعة تلك ؛ فأرسل بطلبه للمثول أمامه . وكان على أدابا ان يأخذ المشورة من إيا قبل لقائه “أنو” في مجلسه .

طالما إيا هو والد أداپا وخالقه ، فكان عليه ان يثق به ويتقبّل جميع النصائح والإرشادات التي توجه له من قبله ، لأنه بالتأكيد سيخبره الحقيقة ولا يكذب عليه . لكن إيا كان يخشى شيئاً واحداً ؛ أن يقدّم ” أنو” الطعام والشراب لأداپا ؛ اللذان يمنحانه الحياة الأبدية ( الخلود ) ؛ وكان عليه التأكد من ان أداپا سوف لا يقبل عرض ربّ السماء أبداً ، و بشتّى السُبل .

أخذ إيا يحذّر أداپا بخوف شديد ، واشترط عليه أن يتودد إلى حارسي بوابات السماء (تموز و جيشيدا ) ؛ وهما اثنان من آلهة الحياة والموت ؛ وكان يجب ان يتعرّف عليهما ؛ ويتذكرهما دائماً. وإن تمكنّ أداپا من ذلك ؛ فإنهما سيسمحان له بالمرور دون عائق ؛ وسينقلان فكرة جيدة عنه لربّ السماء أنو . ثمّ شدد بوصيته ، في حال حضوره مجلس أنو ؛ عليه أن يرفض أيّ طعام أو شراب يُقدَّم له ؛ لأنه سيكون طعام وشراب الموت ؛ كعقاب له على كسره جناح الريح الجنوبية . بيد ان إيا أوصاه أيضاً ؛ في ان يقبل الزيت المقدّس ليدهن جسده به ، ويرتدي أي ملابس يمكن أن تُعرض عليه .

نفذّ أداپا كل ماطلبه منه إيا ؛ فقد نال احترام وكرم الحارسين تموز و جيشيدا، كما امتنع عن الطعام والشراب الذي قدّمه له أنو ، ولم يكن رافضاً من ان يمسح جسده بالزيت المقدّس ، وتلّقي رداءً جديداً منه .

الذي حصل مع أنو في مجلسه بحضور أداپا ؛ قد وضعه في حرج شديد ؛ عندما رفض طعام وشراب الحياة الخالدة . بعد ذلك الموقف ؛ أعاد ربّ السماء أنو؛ أداپا إلى الأرض ، وفَرض عليه العيش حياته كبشر .

كما يبدو أن القصة تُختتم بمعاقبة أنو إله السماء لـ إيا ، بسبب خداعه أداپا ، وبما ان اللوح الثالث متضرر في معظمه ؛ لذا يصعب الجزم في صحة ذلك على وجه اليقين .

هناك بعض الآراء المغايرة حول تفسير ذلك الحدث الذي حصل بين إيا وأداپا ، والتي تعتبر إيا كان مخلصاً مع أداپا ، و انه عمل في صالحه وليس لخداعه ؛ وذلك عندما حذره من تناول الطعام أو الشراب في مجلس أنو الربّ ؛ لأنه كان يخشى عقوبة الإله أنو لأداپا بسبب كسره جناح الريح الجنوبية ، في حين لا نجده معترضاً على قبول الزيت والملابس منه ! . على الرغم من ذلك ؛ فلم نعثر في أي مكان من القصة ، عن خطة انتقامية أعدّها أنو لمعاقبة أداپا بعقوبة الموت . فقط ؛ كان منزعجاً من أن الريح الجنوبية قد توقفت (أو أن الحياة على الأرض لم تكن كما يجب) ، وأراد من أداپا أن يشرح له الأسباب ؛ باعتباره ملك الأرض ( أريدو ) .

في اعتقادنا ان القصة ربما تكون أكثر قبولاً وإقناعاً عندما تُفهم أن إيا قد خدع أداپا في رفضه الحياة الأبدية للبشر ، وكذلك العقوبة التي واجهها إيا من ربّ الآله أنو على تلك الخدعة .

بعد سماع أنو ما قاله أداپا ؛ مبرراً فعلته . سأله ربّ السماء : ” لماذا كشف إيا لمخلوق غير طاهر ، أسرار السماء والأرض ؟؟” .

يبدو أن إجابة أداپا على السؤال كانت مُقنعة ومُدهشة لدى أنو . بيد أنه تساءل مرة أخرى وبقصد في معنى : ” لماذا حرم إيا ؛ أداپا من الخلود بعد أن جعله حكيماً وذكياً ؟ ” .

بعد الإجابة على جميع الأسئلة ؛ أمر أنو في إحضار طعام ومياه الحياة الأبدية لأداپا تقديراً له ، ورغبة منه في تصحيح الخطأ الذي ارتكبه إيا بحق المخلوق الإنسان في عدم منحه الخلود .

يبدو محيرّاً حقاً عندما رفض أداپا ضيافة ربّ الآلهة في الطعام والشراب . ولكن أنو حاول استباق السؤال الأزلي الذي يسأله البشر عبر جميع العصور: ” أنا ولدتُ لأموت ، وأدرك أنني سأموت حتماً . ولكن ما هي سُبل الحياة المُستدامة ؟” . تأتي الإجابة بالطبع من خلال الخلود ؛ إلاّ ان هذا لم يكن ؛ ولن يكون أبداً ..

جاءت إلينا هذه الأسطورة من زمن البابليين الكيشيين في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، وذلك عندما حكمت قبائل الكيش بابل .

أطلق الكاتب البابلي ومؤرخ القرن الثالث قبل الميلاد ” برهوشا ، أو ، بيروسوس (الاسم اليوناني ) ” ، على أداپا اسم “أوانس” ووصفه بأنه رجل صيّاد عاش في أرض الخليج وعلّم البشر الحكمة والحضارة . وكان بيروسوس يعتبر أداپا واحدا من ” الأبكالو Apkallu ” ، والأبكالو ؛ هم مجموعة أنصاف الآلهة السبعة الحكماء التي جلبت الحضارة الى البشر في العصور القديمة قبل الطوفان الكبير . ولكننا نجد أداپا في الأسطورة البابلية ؛ قد تم تصويره كشخصية رئيسية لملك حكيم مخدوع من قبل إله ، وليس من أنصاف الآلهة ! .

الأسطورة البابلية أدابا التي ضمنّها العالم الآثاري ” روبرت وليم روجرز ” في كتابه الذي نشره عام 1912 م ((المتناظرات المسمارية في العهد القديم )) ؛ وهي أول ترجمة لها من المسمارية البابلية الى الانگليزية . وفيما يلي نص القصة البابلية الموزّع على ثلاثة ألواح طينية ، وهي من موجودات المكتبة الآشورية التي عثر عليها في بداية القرن العشرين . ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن ؛ اللوح الثالث من القصة ؛ كان في معظمه متضرراً ، وعليه فالقصة غير مكتملة النهاية ..

اللوح الأول

امتلك أداپا الذكاء والحكمة

مثله مثل أنو

وهبه الإله إيا ذكاءً للكشف عن مصير الأرض

ومنحه الحكمة ، لكنّه لم يمنحه الخلود

في تلك الأيام ، وتلك السنوات ، كان الإنسان حكيم أريدو

خلقه إيا أول إنسان من بين جميع البشر

رجل حكيم لا ينبغي لأحد أن يعارض أمره

كان هو الحكيم ، والأكثر حكمة بين الأنوناكي

نقيّاً ، طاهر اليدين ، مؤدياً الفرائض الإلهية

مع الخبازين ، صنع الخبز

في مخابز أريدو ، قد صنع الخبز

الطعام والماء يصنعه لأريدو كان يومياً

بيديه الطاهرتين يعدّ المائدة

و بدونه ، فالمائدة نجسة

القارب الذي ركبه ، صيداً للسمك ، والقنص ، كان من أجل أريدو

وفي الآخر أداپا هو لأريدو

بينما إيا ، (… .. ) في حجرته ، وعلى السرير

في نهاية اليوم يسهر فيها

على مياه النهر المقدّسة ، أرسى بقاربه الناصع بضوء القمر الجديد

هبّت الريح فاندفع قاربه ، مع المجذاف ، راحَ قاربه إلى البحر الواسع

اللوح الثاني

الريح الجنوبية .. عندما

قادتني إلى منزل سيدي ، قلت

يا ريح الجنوب ، أنا في طريقي إليك (… ) ، وكل ما (…)

سأكسر جناحك ، ما ان نطقها بفمه

جناح الريح الجنوبية قد انكسرت ، سبعة أيام

لم تهب بعد الريح الجنوبية على الأرض

نادى أنو على رسوله آيلبرات :

لماذا لم تهب الريح الجنوبية على الأرض لسبعة أيام ؟

أجابه رسوله آيلبرات : يا سيدي

أداپا ابن إيا ، قد كسر جناح الرياح الجنوبية

عندما سمع أنو هذه الكلمات

صرخ ، هلمّ إليّ ! ” واعتلى عرشه

“دع شخصاً ما يحضره”

********************

إيا ؛ الذي يعرف بواطن السماء

كان سبباً في ارتدائه ثوب الأحزان

كساه ، و أسدى له النصيحة

قائلاً : أداپا ، أنت ذاهب الى السماء لمقابلة الرّب أنو

عندما تصعد ، و تقترب من باب أنو

وعند باب أنو ، ستجد ” تموز” و ” جيشيدا ” واقفَين

سوف يريانك ، و يسألانك

سيدي ، من أجل مَن تبدو هكذا يا أداپا ؟

ولِمَ ترتدي لباس الأحزان ؟

في موطني غاب إلهان ، لذا أنا أبدو هكذا

من هما الإلهان اللذان اختفيا عن أرضك ؟

” تموز” و ” جيشيدا ”

سوف ينظران إلى بعضهما البعض

و يندهشان ، لانها كلمات طيّبة

سوف يتحدثان إلى أنو . ويمدحانك أمامه

سوف يريانك ، عندما تَمثُل أمام أنو

**************************

طعام الموت سوف يقدمونه لك ، لا تأكل

ماء الموت سوف يسقونك به ، لا تشرب

رداء جديد يضعونه أمامك ، اِرتَده

يضعون زيتاً أمامك بجسدك إمسحه

النصيحة التي أسديتها لك ، والتي تحدثنا عنها

لا تنسى كلماتها ، تمسّك بها

************************

جاء رسول أنو ، ثم قال :

لقد كسر أداپا جناح الريح الجنوبية

أحضره أمامي

طريق السماء الذي سلكه ، سار به إلى أنو

عندما حطّ في السماء ، اقترب من باب أنو

كان على باب أنو ، تموز و جيشيدا واقفَين

عندما رأوه نادياه ” هلمّ إلينا ” يا سيدي

من أجل مَن تبدو هكذا يا أداپا ؟

ولِمَ ترتدي لباس الأحزان ؟

في موطني غاب إلهان ، لذا أنا أبدو هكذا

من هما الإلهان اللذان اختفيا عن أرضك ؟

” تموز” و ” جيشيدا ”

********************************

نظرا لبعضها البعض .. لقد أدهشهما باعجاب

وعندما اقترب من أنو الرّب

رآه أنو ، ونادى عليه :

تعال إلى هنا ،أداپا . لِمَ كسرت جناح الريح الجنوبية ؟

أجاب أداپا :

يا ربّ السماء ، من أجل معبد سيدي إيا ، كنت في وسط البحر

لأصطاد السمك . كان البحر ساكناً ( مثل المرآة )

هبّت الريح الجنوبية فجأةً ، وقلبت قاربي

ثم دفعتني إلى معبد سيدي ، وإذا بالغضب قد اعتصر قلبي

تدخلّ تموز و جيشيدا (…. )

أخذا يتحدثان الى أنو

لقد هدأ من روعه ، وكان قلبه ساكناً

لماذا كشف إيا لمخلوق غير طاهر ، أسرار السماء والأرض ؟

أيّ قلب خلقه في داخله ، وجعل له اسماً ؟

ماذا نفعل معه ؟

طعام الحياة

أحضروه ليأكل منه

جاؤوا بالطعام ، لكنه لم يأكل

ماء الحياة أحضروه ، لكنه لم يشرب

جلبوا له رداء ، فلبسه

بالزيت ، مسح جسده

نظر إليه أنو متعجباً، ثم سأله

تعال يا أداپا ، لماذا لم تأكل ، ولم تشرب ؟

الآن لن تعيش (…) (… ) البشر(…) ..

قال لي سيدي إيا : “لا تأكل ولا تشرب”

خذه وأعده إلى موطنه الأرض

(… ) نظر إليه

اللوح الثالث :

عندما سمع [أنو] ذلك

غضب في قلبه

بعث برسوله

الذي يعرف قلب الآلهة العظيمة

(………………………….)

إلى الإله إيا ليأتي

وحملّه ما قال من كلمات

(…) إليه ، للإله إيا

بعث رسولاً

بأذن صاغية ، عالماً بقلب الآلهة العظيمة

(….) إلى السماء لتقويمه

ثوب متسخ جعله يرتدي

ثياب الحزن كان يرتديها .

والكلمات التي نطق بها له

أداپا ، قبل أن تذهب لمقابلة أنو

لا تفشل في الأمر ، حافظ على كلماتي

عندما تصل السماء ، وتقترب من باب أنو

تموز وجيشيدا على باب أنو واقفَين

( الى حد هذه العبارة ينتهي النص في هذا اللوح المتضرر )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روبرت وليام روجرز ـ المتناظرات المسمارية في العهد القديم ـ إيتن ومينس للنشر ـ نيويورك ـ 1912 .

موقع الأنبا تكلا هيمانوت ـ العهد القديم / سِفر التكوين .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close