هل أصبح الحَشد جُزءً من مَنظومة الدفاع العراقية أم ذراعاً للنظام الإيراني للإرهاب في العراق؟

هل أصبح الحَشد جُزءً من مَنظومة الدفاع العراقية أم ذراعاً للنظام الإيراني للإرهاب في العراق؟

بقلم: د. آزاد عثمان

بعد غزو معظم المناطق العربية السنّية في العراق في صيف العام 2014 من قبل بضع مئات من مسلحي تنظيم “داعش” الارهابي، الداخلين من سوريا، على أثر انسحاب أو هروب كافة القوات المسلحة العراقية العَجيب والمُريب من كل هذه المناطق في عهد حكومة حزب الدعوة برئاسة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المُسلحة نوري المالكي، وترك كل الأسلحة الحديثة واموال كثيرة في بنوكها لإرهابيي داعش! وبعد الدفاع المستميت عن كركوك و دوزخورماتو ومخمور وجلولاء وسنجار، وحفظ حياة و كرامة وممتلكات كل مكوناتها من قبل قوات مدافعي إقليم كوردستان (البيشمركة)، وبطلب من الحكومة العراقية ايضاً وبمساندة التحالف الدولي. بعد وصول “داعش” الى مشارف بغداد (العاصمة الاتحادية) ومقربة مدينة خانقين الكوردية المُتاخمة للحدود الايرانية، تم جمع الميليشيات الشيعية الموجودة آنذاك (قوات بدر تحت إمرة هادي العامري و قوات “جيش المهدي” باسم “سرايا السلام” تحت زعامة مقتدى الصدر وقوات المنشق عنه قيس الخزعلي باسم “عصائب أهل الحق” و فصيل يُسمى ب”حزب الله العراقي – الفرع العراقي من حزب حسن نصرالله اللبناني المؤسَّس من قبل النظام الإيراني باستغلال هذا الاسم المقدس، كدولة موازية ومهيمنة وكذراع يجسد الهيمنة الايرانية علي جميع مقدرات لبنان – و تم تشكيل فصائل أخرى جديدة وبأسماء الأولياء وجمعها جميعا تحت اسم “الحشد الشعبي” بفتوى من المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق (علي السيستاني)؛ وتم دعمه والاشراف المباشر عليه من قبل ضباط الجيش الموازي الإيراني “پاسداران”. بالرغم من تناقض هذا الأمر مع جوهر الدستور العراقي (المرجع القانوني الأعلى لكل سكان العراق بجميع طوائفه) والمؤيد من قبل (80٪) من سكان العراق في أول إستفتاء شعبي حُر (المادة 9| الفقرة أولا: البند ب)، تم قبوله من قبل غالبية الأهالي بسبب ضرورة محاربة “داعش” حينذاك.
فور إعلان الإنتهاء من قتال “داعش” على الأرض بالتعاون مع قوات الإقليم المسلحة وأجهزته الأمنية وبمساندة التحالف الدولي ضد “داعش”، وجه رئيس حكومة الدعوة آنذاك حيدر العبادي بالتنسيق مع حكومتي ايران وتركيا ومخابراتهما إنذارا شديد اللهجة الى حكومة إقليم كوردستان للانسحاب فورا وخلال 48 ساعة من جميع المناطق التي تم الدفاع عنها وحمايتها ضد هجمات “داعش”، وبالرغم من كون هذه المناطق مستقطعة من إقليم كوردستان من قبل النظام البعثي البائد وأصبحت تسمى في العراق الجديد ب”المناطق المُتنازع عليها”. والحكومات الثلاثة كانت تعلم جيداً بان النزاع أوجده النظام البعثي، وهي تعرف ايضاً كل الحقائق التاريخية والخرائط الجغرافية والبيانات الاحصائية الرسمية المُتعلقة بالهوية الجغرافية الكوردستانية والحدود الإدارية الاصلية لهذه المناطق وأسباب هذه المشكلة المزمنة والحل الدستوري لها، والمتمثل في متن مادة مهمة منه (المادة 140)، والتي كان من واجب حكومات العراق الجديد تنفيذها لغاية نهاية العام 2007. فهاجمت كافة القوات المسلحة العراقية ومعها قوات “الحشد الشعبي” وبمساندة خبراء ومخابرات حكومتي ايران و تركيا، هذه المناطق في ليلة السادس عشر من أكتوبر (2017) واحتلها، بالقوة على غرار ما فعلته سابقا ً قوات النظام البعثي البائد تحت قيادة صدام حسين. وكان حيدر العبادي فخورا بهذا العدوان السافر بحق البيشمركة المدافعين عن هذه الديار وبحق الشعب الكوردي التاريخي فيها و بحق إقليم كوردستان في الإدارة المشتركة حتى وفقا للقانون الدولي؛ وضاربا بالحل الدستوري للمسألة و الشرط السلمي لحل الازمات في العراق الجديد عرض الحائط! والغريب في هذا الشأن هو انه كان يتظاهر بالاستياء من وصف السيطرة بالدبابات والصواريخ وبدعم الباسداران و الاطلاعات الإيرانية والميت التركي وبالضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب علي هذه المناطق المستقطعة و”المِتنازع عليها” بالاحتلال العسكري، وكان يسميه ب”فرض القانون”! نفس التبرير البعثي عند خلق النزاع وتعقيده!
وفيما بعد تم “شرعنة” إعتبار “الحشد الشعبي” جزءً من منظومة الدفاع العراقي عبر أصوات الأغلبية في مجلس النواب (المجلس الأدنى من السلطة التشريعية – البرلمان) بصورة غير مشروعة. وبعد تحول “الحشد” من قوات غير نظامية الى جيش موازي و ذراع ايران المسلح في العراق وسيطرته على معظم مناطق العراق من الفاو الى سنجار (أي باستثناء مناطق الإدارية الحالية لإقليم كوردستان)، وبعد قمع انتفاضة الشباب الشيعي المغدور في بغداد والمحافظات الجنوبية بالقتل والاختطاف، يستعمل صانع هذا “الحشد” فصائله المسلحة بغية تنفيذ اجندته الاستعمارية التوسعية لإجبار أهالي العراق كلها (أي سكان إقليم كوردستان ايضاً) للخضوع الى هيمنته؛ فتارة عن طريق تصفية ناشطي الحراك الشعبي الشيعي في الوسط والجنوب، وتارة بقمع المعارضين المدنيين في المناطق الغربية السنّية، وتارة عن طريق الهجوم على السفارة الامريكية في بغداد أو قصفها أو مطار بغداد الدولي بصواريخ كاتيوشا لنشر الفوضى والرعب في بغداد والجنوب، وأخيرا ومن جديد وللمرة الثانية بقصف أربيل (من المناطق الكوردستانية المحتلة من جديد في عهد العبادي) من اجل ابتزاز إقليم كوردستان والضغط عليه للخضوع الى هيمنة واهداف النظام الإيراني التوسعية في المنطقة.
هناك حقيقة مهمة بصدد إقليم كوردستان، يعرفها النظام الإيراني جيداً وأكثر من الآخرين، ولكنه يتجاهلها، كتجاهله لأمور وحقوق شعبه الأساسية وكتجاهله لقضايا وحقوق شعوب بلدان المنطقة التي يهيمن عليها من خلال أذرعه المسلحة تحت غطاء أسماء دينية ومذهبية مقدّسة:
لقد تم إنشاء ملاذ آمن للشعب الكوردي المضطهد عام 1991 في جزء من كوردستان الجنوبية (كوردستان – العراق) إستناداً الى قرار مجلس الامن للأمم المتحدة (688) وبتعاون حلفاء حرب الخليج الثانية. وقد تحول الملاذ الآمن بعد اول انتخابات برلمانية حرة عام 1992 بدعم الأمم المتحدة ومساعدة الدول الغربية الى إقليم كوردستان العراق بحكم الواقع. وبعد اسقاط النظام البعثي في حرب الخليج الثالثة وتثبيت الاعتراف الدستوري بالإقليم (2005) في إطار حدود سياسية وإدارية مؤقتة – استناداً الى خطوط وقف القتال بين قوات النظام البعثي وقوات الإقليم لغاية 19|3|1992، لحين حل مشكلة المناطق المُستقطعة منه والتي سميت ب”مناطق متنازع عليها” دستورياً وسلمياً. وقد تقاعست الحكومات المتعاقبة في العراق الجديد عن تنفيذ جوهر الدستور، وبسبب تدخله هو والنظام التركي المستمر ضد تطبيق جوهر الدستور العراقي (الديمقراطية والفيدرالية وتعايش المكونات المتعددة في ظل السلام والمساواة). لذلك على النظام الإيراني ان يدرك مغزى وابعاد هذه الحقيقة بخصوص إقليم كوردستان. ومن مصلحة إيران أيضا ان يدرك النظام القائم حاليا فيها، بان تبديد ثروات ايران الغزيرة بهدف التوسع والهيمنة باسم الدين والمذهب و بأتباع اساليب مرعبة ومخلة بامن واستقرار المنطقة وباسلحة متطورة (ومنها صواريخ كاتيوشا) وعن طريق أذرع مسلحة، تضر فعلاً شعوب المنطقة باسرها. وعليه ان يعلم ايضاً بان نظام الحكم أينما كان، هو ايضاً كائن حي، فما لم يحافظ على صحته ولم يستند في أفعاله وسلوكه في بيته وإزاء الجيران على العقل والمنطق، فان نهايته ستكون مأساوية، كما يثبتها تاريخ الدول المتواجدة والأنظمة الحاكمة في العالم، ومنها الدول والأنظمة الزائلة في بلاد فارس وايران، لذلك من واجب حكومة ايران ان تراعي حقوق ومصالح شعبه أولا، وان يحترم حقوق ومصالح الشعوب الجارة وسيادة دولها، وتعمل من اجل التعايش والتعاون معها، في ظل السلام والاستقرار كما تفعل الدول والحكومات الأوروبية مع بعضها حاليا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close