كيف يفهم دهاقنة السياسة والقرار العراقي حول السيادة

كيف يفهم دهاقنة السياسة والقرار العراقي حول السيادة

جعفر القزويني

ان مفهوم “السيادة” هو اكبر عملية احتيال قامت بها البرجوازية في العالم المعاصر وسوقتها وباعتها بثمن باهظ على الطبقة العاملة. وليس هذا فحسب بل وعن طريق هذه العملية عومت البرجوازية العمال والشرائح الاجتماعية المسحوقة كي تحولها إلى وكيل مزيف ورأس حربة لها في معاركها مع منافسيها من برجوازيات البلدان الأخرى التي يقف معها عمالها الخاضعين لخداع تلك “السيادة”. وفي نفس الوقت تبادر البرجوازية في لعب دور المحامي للدفاع عن تلك “السيادة” باسم العمال ومحرومي المجتمع كي تنتزع تنازلات مادية وسياسية من منافسيها الآخرين في الدول الأخرى، والتمهيد لعقد الاتفاقيات والصفقات، التي في اغلبها تكون سرية تجري خلف الكواليس ومن وراء ظهر الجماهير.

ان “السيادة” بالنسبة للبرجوازية وحسب حاجتها؛ من الممكن ان تكون مقدسة وتسفك الدماء من اجلها، ومن الممكن ان تكون معدومة أو لا يكترث احد لها كما حدث مع احتلال العراق. المهم ان الوقوف إجلالا للسيادة واخذ تحية العلم لها وعزف النشيد الوطني “موطني” لها، أو الدوس عليها دون اي عناء أو اكتراث مرتبط بموافقة البرجوازية الحاكمة منها. ففي الأول تقام الدنيا ولا تقعد وتدق الطبول الإعلامية والدفوف، وتشحذ الهمم وتعبئ المجتمع سياسيا وإعلاميا ووجدانيا وأحيانا عسكريا، إذا كان من ينتهكها لم يدفع ثمن بطاقة الدخول، في حين يغض الطرف عن الدوس على السيادة إذا كان من ينتهكها هم من أصحاب كارتات الدفع المسبق، حصلوا عليها ممن امتهنوا مهنة العمالة باحترافية عالية كما يحدث اليوم في العراق.

المفارقة المضحكة والتي تثير السخرية، هي أنه وعندما يتحدث عن السيادة العراقية والتبجح بالدفاع عنها (رئيس الجمهورية) ومرشح جميع القوى السياسية ممن قتل المتظاهرين والمتواطئين معهم من القوميين والطائفيين ، ومستذكرين هذا العنوان “السيادة” في ذكرى سقوط بغداد ٩ نيسان وإعلان احتلال العراق. ولا يقف الموضوع عند هذا الحد، بل ان الكاظمي وفي كلمته بعد تكليفه لاستلام منصب رئيس الوزراء أطلق جمل إنشائية طنانة حول السيادة، ومستخدم بعض مقولات المرجعية الشيعية، كي يضفي مشهد درامي مثل السينما الهندية على السيادة، عندما قال ان سيادة العراق غير جدلية، وظل يكرر مقولة السيادة بين سطر وسطر في كلمته، وكأن اشتعال شرارة انتفاضة أكتوبر والتي قتل فيها المئات من المتظاهرين العراقيين واختطفوا واغتيلوا كان من اجل “السيادة”، وليس من اجل رغيف من الخبز والقليل من الكرامة الإنسانية مع مساحة صغيرة من الأمن والحرية.

حقيقة لا ندري ماذا نصف كلمة الكاظمي المكلف الجديد لرئاسة الوزراء حول إفراطه باستخدام مقولة السيادة، في الوقت الذي يحي ذكرى سقوط النظام في ٩ نيسان، هل نصفها بالنفاق السياسي أو بازدواجية المعايير في ذكرى سقوط بغداد. أو ليس شن الحرب على العراق واحتلاله عام ٢٠٠٣ ودون موافقة مجلس الأمن الدولي وعن طريق سياسة البلطجة الدولية هي انتهاك لسيادة العراق؟ أم انه نيران صديقة، وان هذا النوع من الخرق الفاضح طبعا للسيادة البرجوازية لا يعتبر انتهاك للسيادة، لان من احتل العراق وداس ببساطيله على كل القيم الإنسانية وقتل مئات آلاف من جماهير العراق إضافة إلى الأهوال الأخرى التي احدثها في مجال الصحة والتعليم والخدمات والنهب والسلب والفساد، هو من نصبت هذه الكتل السياسية على السلطة في العراق وهي من رشحت سيادة مصطفى الكاظمي لمنصب رئيس الوزراء.

وليس هذا فحسب فما دمنا بصدد السيادة اليوم في ذكرى احتلال العراق، لنذكر أيضا ان مساعد وزير الخارجية الأمريكي أعلن انه سيدعم حكومة الكاظمي إذا التزمت باحترام سيادة العراق ومحاربة الفساد، في حين كانت جيوشه عام ٢٠٠٣ هي من علقت سيادة العراق إلى إشعار آخر. وهنا يقصد مساعد وزير الخارجي الأمريكي بالسيادة، مجرد تحجيم النفوذ الإيراني في العراق. بينما توغل النفوذ الأمريكي وتحويل العراق أرضا وسماءً إلى ساحات حرب لتصفية عملاء الجمهورية الإسلامية في العراق ومنطقة حرة للشركات الأمريكية ومؤسساتها المالية، فلا يدخل في خانة انتهاك السيادة.

بيد ان المفهوم النسبي الذي تتمتع به “السيادة” يأخذ شكلا آخر عند تحالف المليشيات التي قتلت المتظاهرين، فبالنسبة لقيس الخزعلي وأبو ولاء الولائي والبطاط والكوثراني.. فأن ضرب القواعد العسكرية العراقية بالصواريخ الإيرانية بحجة وجود القوات الامريكية وضرب المعارضين الإيرانيين في كردستان العراق وتوغل الجيش التركي وبناء قواعد عسكرية فيها ليس انتهاك للسيادة. كما ان إطلاق عدة تصريحات ومن معممين مسؤولين إيرانيين بأن العراق هو الحديقة الخلفية لإيران، لا يعد انتهاكاً للسيادة ولم يحرك وجدان وقلوب “الغيارى” من القوى الإسلامية التي رفعت لواء الدفاع عن سيادة العراق.

ما نريد أن نقوله أن التلاعب بمفهوم السيادة هو جزء من ترهات البرجوازية، ومحاولة لجر أنظار الجماهير إلى مكان آخر، وذلك لتمويه الجماهير عن الاطرفا الحقيقية في انعدام أمنها وسلامتها، وإشاعة فقرها وعوزها، وفي نفس الوقت تعبئتها لزجها في حرب ليس حربها إنما هي حرب اللصوص وعرابيها من الأنظمة المافيوية في إيران وأمريكا.

ان مفهوم “السيادة” هو جزء من قاموس الترهات السياسية للبرجوازية، ولا اي مصداقية أو معنى لها. وإن تلك الطبقة مستعدة ان تبيع كل شيء بما فيها ممارسة مهنة السمسرة والبلطجة والعمالة السافرة وتدوس على كل شيء من اجل مصالحها. أما بالنسبة لنا نحن الشيوعيين فأن نظرنا إلى السيادة هي من زاوية سيادة الإنسان، كرامته وقيمته، أمنه وسلامته وصحته ورفاه. ان انتهاك هذه السيادة تجري في كل لحظة وبشكل يومي ومتكرر من قبل نفس القوى الإسلامية ومن قبل أمريكا والجمهورية الإسلامية. فإذا استطعنا الوقوف بوجه انتهاك سيادة الإنسان ووضع حد له فيمكننا حينئذ ان نضع حدا لمن يخرق سيادة امن وسلامة وحرية جماهير العراق.

إن سيادة العراق الوطنية تعرضت لاقسى امتحان سياسي عرفه تاريخ العراق الحديث والمعاصر من الممارسات السلبية للانظمة السابقة وطبيعة العلاقات الداخلية والخارجية والتي انتهت (هدرت السيادة) بفعل الاحتلال الامريكي غير المبررعام2003 وماانتجه من افرازات عقيمة اضرت بسيادة ووحدة العراق الوطنية اثناء مرحلة الاحتلال وحتى استعادة السيادة الكاملة بعد انسحاب الاحتلال وانتقال السلطة الى حكومة عراقية والتي تكون امامها مسؤولية الحفاظ عليها

هؤلاء السياسيين ” العراقيين” يضحكون على ذقون المواطن العراقي البسيط، فهم الذين سرقوا لقمة الشعب وسلبوه نعمة العيش كغيره من خلق الارض في بلدان العالم. وحتى جوازه العراقي والخدمات المقدمة له تدهورت وتم سرق مخصصاتها. واليوم يتأمرون لزجه في مواجهات حربية لا ناقة له فيها ولا جمل.

وحول الاسئلة : ماهي السيادة؟ ومن خرق ويخرق سيادة العراق؟

فمصطلح السيادة لغة جاء من المصدر سادَ و سَادَ قَوْمَهُ يعني حَكَمَهُمْ ، سَيْطَرَ وهَيْمَنَ عَلَيْهِمْ.

فالسيادة تعني : السُلْطة، الهيمنة والغلبة والسيطرة اضافة الى حرّيّة التَّصرُّف. ويفهم المرء السيادة في لغة القانون، قدرة الشخص الطبيعي أو الاعتباري على تقرير المصير القانوني الحصري. تتميز هذه القدرة على تقرير المصير باستقلال واستقلال الكيان القانوني، وبالتالي تنأى بنفسها عن حالة التصميم الخارجي.

وفي السياسية يفهم على أنه قدرة الدولة والمؤسسة على أن تكون هي نقطة الانطلاق المركزية و الوحيدة في العمل والقرارت السياسية. وتمت صياغة هذا المصطلح في القرن السادس عشر من قبل الفرنسي جان بودين. في كتابه “كتب الجمهورية الستة” ، عرف جان بودين (1529 / 1530-1596) مفهوم السيادة بأنه أعلى سلطة لصنع القرار في الدولة. ووفقًا لمفهوم بودين للحكم المطلق فينبغي أن تكون هذه السلطة غير قابلة للتجزئة من حيث المبدأ، وعليها ان تمكن الحاكم من فرض القانون على جميع الأفراد.

ولعبت فكرة السيادة دورًا مركزيا في ظهور نظام الدولة الأوروبية في عصر النهضة. وقد مثل هذا افتراضًا عرفيا و دستوريًا يمكن بواسطته، للأمراء والحكام أن يتفادوا فيه المطالبات “الأجنبية” بسلطة الفاعلين السياسيين أو الاقتصاديين أو الدينيين على أراضيهم من خلال حرمانهم من شرعيتهم. وبذا اصبح الحاكم الشرعي هو صاحب السيادة.

للسيادة وجهان:

الأول: الوجه الخارجي: ويكون بتنظيم الدولة لعلاقاتها مع الدول الأخرى في ضوء أنظمتها الداخلية، وحريتها في إدارة شئونها الخارجية، وتحديد علاقاتها بغيرها من الدول وحريتها بالتعاقد معها، وحقها في إعلان الحرب أو التزام الحياد.

والسيادة الخارجية “مرادفة للاستقلال السياسي, ومقتضاها عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة لأية دولة أجنبية, والمساواة بين جميع الدول أصحاب السيادة، فتنظيم العلاقات الخارجية يكون على أساس من الاستقلال” وهذه السيادة هي التي تعطي الدولة الحق في تمثيل الأمة والشعب والدخول باسمها في علاقات مع الأمم الأخرى.

ومما ينبغي الإشارة إليه أن هذا المظهر لا يعني أن تكون سلطتها عليا، بل المراد أنها تقف على قدم المساواة مع غيرها من الدول ذات السيادة، ولا يمنع هذا من ارتباطها وتقييدها بالتزامات أو معاهدات دولية مع غيرها من الدول.

الثاني: الوجه الداخلي: ويكون ببسط سلطانها على إقليمها وارضها وولاياتها، وبسط سلطانها على كل الرعايا وتطبيق أنظمتها عليهم جميعاً، ولا ينبغي أن يوجد داخل الدولة سلطة أخرى أقوى من سلطة الدولة، وخاصة سيادتها في احتكار السلاح و مجال الامن والقوات المسلحة.

وينبغي أن تكون سلطة الدولة على سكانها محترمة شاملة، وألا تعلو عليها أو تنافسها أي سلطة أخرى في فرض إرادتها.

وكلا الوجهين في الدولة مرتبط بالآخر، فسيادتها الخارجية هي شرط لسيادتها الداخلية.

في العراق ومنذ 2003 دخلت قوى عالمية ومن المنطقة وبشكل خاص الولايات المتحدة الامريكية وايران للعراق واخذت تلعب دورا اساسيا في تقرير السياسة الداخلية والخارجية للعراق وبهذا ضعفت السيادة وتهرأت.

واخذت هذه التدخلات اشكال مختلفة ومنها بناء مليشيات مسلحة تابعة لاحزاب تلتقي ايديولوجيا مع الدولة الاجنبية ايران، وبهذا كسرت احتكار الدولة للسلاح. اضافة لذلك وبأسم الدين والمذهب تورطت هذه المليشيات المسلحة في نزاعات حربية .

سبق وان نشرت الكثير من المصادر ووكالات الانباء العالمية الرصينة ان ايران تستخدم العراق لخزن ونقل الاسلحة الى سوريا ولبنان، فأظهرت صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية، إنشاء إيران لمعبر حدودي جديد على الحدود السورية مع العراق ليشكل ممراً برياً جديداً لبنان، وذلك حسب ما كشفت شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية يوم الإثنين 27 ايار (مايو) 2019. وهذه الافعال اضافة لغيرها هي انتهاك صريح من قبل ايران للسيادة العراقية.

وقامت القوات الاسرائيلية بخرق سيادة العراق بذريعة الدفاع عن نفسها ضد العدوان الايراني وتهديد المليشيات العراقية المسلحة، وقصفت مخازن الاسلحة لبعض فصائل هذه المليشيات.

كما وقامت ايران ولعدة مرات بقصف الاراضي العراقية بكافة الاسلحة من المدفعية وحتى استخدام الطائرات المسيرة بدون طيار وخاصة في مناطق كردستان العراق مما ادى الى تهجير ومقتل الفلاحين العراقيين، وهذا ايضا خرقا للسيادة العراقية. وتتصرف مجموعة من قادة القوى والأحزاب الإسلامية السياسية في العراق، وهم في الوقت نفسه قادة عسكريون في الحشد الشعبي. لهم مقرات وزارية في مقرات أحزابهم ومقرات لهم كقادة عسكريين في مقرات الحشد الشعبي، وهم في الوقت نفسه شيوخ أو يسمون انفسهم رجال دين، وحسب تصريحاتهم رئيسهم ليس رئيس وزراء العراق، بل خامنئي، وقائدهم العسكري ليس القائد العام للقوات المسلحة العراقية، بل خامنئي ونائبه في العراق العميد قاسم سليماني. فيلجؤون إلى طهران مباشرة ودون أخذ الإذن من أحد، ليتلقوا الفتاوى والتعليمات من ولي الفقيه علي خامنئي وقادة الحرس الثور وفيلق القدس والبسيج.

حتى أن معاون زعيم ميليشيات النجباء، يوسف الناصري، وصف بتصريح متلفز، الجيش العراقي صاحب السيادة بـ”المرتزق”، وطالب بحله وإسناد مهامه إلى ميليشيات الحشد الشعبي”. وهذا اضعاف وخرق كبير للسيادة العراقية، ثم يسافر اثنان من قادة الحشد الشعبي، وهما نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وزعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، وهما من أشد أنصار ولاية الفقيه الإيراني علي خامنئي، في زيارة غير معلنة، بهدف الحصول على “منظومة دفاع جوي محدودة ـ باور 373” لمواجهة الطيران المعادي، لصالح القوات الإيرانية في العراق، أي لصالح “الحشد الشعبي” وهذا خرق كبير وتجاوز على السيادة الوطنية يصل الى مستوى الخيانة العظمى للوطن وعلى رئيس الوزراء القادة العسكريين في الجيش العراقي ان يفرضوا السيادة الوطنية ولكن للاسف هكذا تسير الأمور في العراق!

واذا قبل رئيس الوزراء بهذه التصرفات والخروقات، فهو مسؤول ويتستر على خونة الوطن، وهذا ينطبق على رئيس الجمهورية، وعلى مجلس النواب ورئيسه.

أن على الحكومة العراقية والبرلمان العراقي ان يتحلى بمسؤولياته ويدافع عن سيادة الوطن الخارجية والداخلية. وذلك بتجقيق مايلي على الاقل:

1- تقوية الجيش العراقي والقوى الامنية الداخلية واحتكار السلاح بيد الدولة.

2- محاسبة كل سياسي عراقي يتعامل مع الدول الاجنبية ويضعف من السيادة الوطنية،

3- ادانة التدخلات الايرانية وللدول الاخرى في شؤون العراق الداخلية وتقوية الجبهة الداخلية،

4- ادانة القصف الاسرائيلي،

5- منع تخزين السلاح واستخدام اراضي وشباب العراق في النزاعات الحربية بين ايران واسرائيل والولايات المتحدة الامريكية

6- التركيز على الاعمار والبناء وخلق فرص العمل للشباب والتعاون مع دول العالم المتقدم.

يواجه العراق اليوم هجمة شرسة من عدو إرهابي شرس وخبيث، اسمه (داعش)، والذي وهو نتاج تحالف البعث وجناح منشق من القاعدة. يتمتع هذا العدو بقدرات كبيرة في مختلف المجالات: العسكرية، والسياسية، والإعلامية، والمالية، وبدعم دولي، وإمكانية فائقة في تسخير الدين والتراث العربي الإسلامي وكل المفاهيم والقيم الاجتماعية لخدمة أغراضه الشريرة، وتضليل الناس وقيادتهم إلى الهاوية. فكما نجح قادة الأخوان المسلمين ومشايخ الوهابية في تحويل الإسلام إلى أيديولوجية للإرهاب ضد الحضارة والبشرية، كذلك نجح البعث الداعشي في تسخير الكرامة والسيادة لأغراضه الإرهابية.

فالثقافة الاجتماعية العربية (الموروث الاجتماعي- culture)، منبعها البداوة التي قال عنها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، “أنها حضارة متجمدة”. والمجتمع العراقي كما وصفه العلامة علي الوردي هو “نتاج التلاقح بين البداوة والحضارة”. ورغم أن الشعب العراقي قطع شوطاً كبيراً في التحضر منذ تأسيس دولته الحديثة عام 1921، إلا إن الجانب البدوي فيه مازال متغلباً في شخصية الفرد العراقي، وبنسب متفاوتة حسب درجة ثقافة الناس، خاصة وقد حاول البعث خلال 35 سنة من حكمه الجائر قمع الجانب الحضاري وإحياء البداوة وقيمها الصحراوية، وبالأخص السلبية منها مثل الثأر والانتقام، ومناهضة الحداثة والديمقراطية. لذلك فمازالت قيم البداوة هي السائدة في الثقافة الاجتماعية في العراق ولصالح الإرهاب.

فالبدوي لا يمكنه أن يتخلص من نزعة الثأر والانتقام، والعداوات السابقة، فهو لا يفهم مقولة: (ليس في السياسة عداوات دائمة ولا صداقات دائمة بل مصالح دائمة)، وغالباً ما يستهزئ منها ويعتبرها مسيئة للكرامة، لأنه يعاني من عقد الكرامة. وهذا واضح من مواقف شريحة واسعة من العراقيين، وخاصة ما يطلق عليهم بالتيار الصدري، من عداء مستفحل ضد أمريكا ورغم أن الأخيرة أسقطت لهم أبشع نظام همجي عرفه التاريخ، النظام الذي أعدم العديد من أفراد عائلة السيد مقتدى الصدر (زعيم التيار)، ومئات الألوف من أبناء الشعب العراقي، وبالأخص من أبناء طائفته، الشيعة، إلا إننا نرى هذا التيار يغالي في رفع الشعار الإيراني: (كلا كلا أمريكا) والذي صار نشيد إنشادهم، وحتى لبعض المتعلمين والمثقفين العلمانيين الذين تشبعوا بكراهية الغرب مع حليب الرضاعة.

فالعراق اليوم مهدد بحرب إبادة الجنس من قبل أخطر تنظيم إرهابي يهدد البشرية كلها وباسم الإسلام، وليس بإمكان الشعب العراقي لوحده، أو أية دولة أخرى لوحدها القضاء عليه. لذلك قلنا مراراً وتكراراً، أن الإرهاب الوهابي- البعثي (داعش) هو ليس مشكلة عراقية أو سورية فقط، بل مشكلة دولية، و لدحره وسحقه يجب تضافر وتنسيق جهود دولية بقيادة الدولة العظمى أمريكا. ونظراً لتفاقم خطر داعش حيث راح يهدد أمن وسلامة جميع دول المنطقة، بما فيها تلك التي ساهمت في صنعه وتمويله وتسلحيه وتلقينه بالأيديولوجية الوهابية التكفيرية، مثل السعودية وتركيا وقطر، حيث أنقلب الآن السحر على الساحر، مما أدى إلى قيام هذه الدول بعقد مؤتمرات دولية عديدة لدعم العراق في حربه على الإرهاب الداعشي البعثي.

ولكن المفارقة، و بدلاً من الترحيب بهذه الجهود الدولية وتوظيفها لصالح العراق، قابلت شريحة من العراقيين هذه الجهود بالرفض والجحود بحجج واهية، مدعين أن الدعم الدولي بقيادة أمريكا للعراق يمس كرامة الشعب العراقي، ويسيء إلى السيادة الوطنية!!! والغريب أن هذا الاعتراض يأتي من قيادات للمكون الشيعي الذي هو الأكثر تعرضاً للإبادة من قبل داعش. فقد دعا التيار الصدري إلى تظاهرة “مليونية” في بغداد والمدن الأخرى ضد أمريكا، مردداً هتافات و شعارات إيرانية مثل (كلا كلا أمريكا). و نائب صدري يهدد: “أنهم سيجعلون العراق مقبرة لأمريكا إذا ما حاولت إرسال قوات برية للعراق”. فيا ترى، من المستفيد من هذه التهديدات الفارغة؟ ألا يصب ذلك في خدمة داعش؟

وماذا لو جاءت هذه المساعدة من إيران؟ و هل سيردد التيار الصدري هتافات (كلا كلا إيران)؟ أم يرحب بها؟ والغريب أننا نسمع تصريحا مجانياً لوزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، أدعى فيه “انه لولا المساعدة الايرانية العاجلة للعراق لسقط بيد داعش”. نرى أن في هذا التصريح الكثير من التجني على الحقيقة وادعاء أدوار لم تقم بها إيران. فالذي ألحق الهزيمة بداعش، وحمى العراق من السقوط في براثنه، هو الجيش العراقي، وفصائل الحشد الشعبي وقوات البيشمركة، والقوات الجوية العراقية والأمريكية. ولم نسمع لإيران أي دور في محاربة داعش في العراق إلا من السيد ظريف بعد أن بدأ الدواعش بالهزيمة وذلك لسرقة النصر من القوات الأمنية العراقية المدعومة بالقوة الجوية الأمريكية. وإذا كانت هناك إساءة للكرامة والسيادة من تواجد قوات أجنبية في العراق، فلماذا يسكت هؤلاء السادة عن وجود قوات إيرانية وهي أجنبية أيضاً، فيما لو صح إدعاء وزير خارجية إيران؟

والأسوأ والأغرب من كل ذلك، أن هناك كتاب علمانيون ويساريون لا يختلفون عن البدو وعن التيار الصدري في فهمهم للكرامة والسيادة. فهم أيضاً يعتبرون أي نوع من التعاون مع الدولة العظمى وحلفائها في مواجهة الإرهاب الداعشي الوهابي هو إساءة لكرامة الشعب والسيادة الوطنية. عجيب أمرهم.

ونحن إذ نسأل: أية سيادة وطنية هذه وقد احتل داعش ثلث مساحة العراق؟ وأية كرامة بقيت والمئات وربما الألوف من الأطفال والنساء العراقيات يتم بيعهن في أسواق النخاسة من قبل عصابات داعش في القرن الحادي والعشرين؟ أيهما إساءة للكرامة والسيادة الوطنية، هذا الوضع المزري، حيث ثلث مساحة العراق تحت هيمنة داعش، ومجرمين من شذاذ الآفاق ينتهكون أعراض وحرمات شعبنا، أم التحالف مع المجهود الدولي بقيادة الدولة العظمى وفق قرارات دولية شرعية لدحر الإرهاب الداعشي وغيره من التنظيمات الإرهابية؟

لا شك أن هذه النداءات والمطالبات الغبية برفض المجهود الدولي ومعاداة أمريكا تصب في خدمة الإرهاب الداعشي سواءً بقصد أو بجهل وغياب الوعي. ونحن نعرف أن معظم أتباع التيار الصدري هم من البعثيين الشيعة وفدائي صدام، الذين وجدوا في التيار الصدري ومليشياته ملاذاً آمناً لهم لضرب العملية السياسية بذريعة محاربة “المحتل الأمريكي”، وهم في الحقيقة ينفذون المخطط الإيراني والسعودي والبعثي لتخريب العملية السياسية. فعن أية كرامة وسيادة يتحدثون؟ أنهم في الحقيقة يعيدون إلى الذاكرة لعبة معاوية وعمرو بن العاص يوم رفعوا المصاحف على أسنة الرماح صارخين “لا حكم إلا لله”، ونجحت الخدعة. واليوم تتكرر ذات اللعبة فيرفعون شعارات الكرامة والسيادة زيفاً، ويصرخون: (كلا كلا أمريكا) في حرب العراق على الإرهاب، والغرض واضح وهو إنقاذ داعش من ضربات التحالف الدولي.

هناك من يبرر العداء لأمريكا وفي هذه الظروف بما ارتكبته من حروب في فيتنام وغيرها في فترة الحرب الباردة. ففي رأي هؤلاء كان من الأفضل إبقاء نظام البعث الصدامي يضطهد الشعب العراقي بدلاً من إسقاطه بدعم أمريكي، وحجتهم أن أمريكا هي التي جاءت بالبعث عام 1963 و 1968. طيب، أمريكا جاءت بالبعث ودعمت صدام في حربه على إيران وعملت ما عملت في فيتنام في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فلماذا لا نوظف ما حصل الآن من تغييرات في السياسة الدولية والنظام العالمي الجديد، ونستفيد من إمكانيات أمريكا في إسقاط هذا النظام الجائر، ومساعدتنا في ضرب الإرهاب؟ أيهما أفضل للعراق إبقاء حكم صدام الجائر وتعريض شعبه للإرهاب، أم قبول الدعم الأمريكي؟ أليست السياسة وراء المصالح؟ فلماذا العراقيون وحدهم يقفون دائماً ضد مصالحهم بحجة الكرامة والسيادة؟ أليس هذا تنفيذاً لمقولة: ” شيِّم البدوي وخذ عباته”؟

فالذين يطالبون الحكومة العراقية برفض الدعم الأمريكي والتحالف معه بحجة الإساءة للكرامة والسيادة، في الحقيقة لا يختلفون عن فهم البدوي الجلف للكرامة والسيادة. لذلك أود أن أذكرهم للمرة الألف أن هناك 28 دولة أوربية بما فيها بريطانيا العظمى، وتركيا ضمن حلف الناتو، و هناك العديد من دول جنوب شرق آسيا ودول خليجية، فيها قواعد عسكرية أمريكية، فهل هذه الشعوب بلا كرمة ولا سيادة؟

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close