حياة العرب في العصر الجاهلي ! ح6

حياة العرب في العصر الجاهلي ! ح6 (*) ، د. رضا العطار

إمارة كندة !
الامارات على التخوم :
كندة، وهي امارة تقع بين مملكتي الغساسنة والمناذرة شمالي نجد، وتدين بولائها لليمن.
ويذهب النسابون الى انها احدى بطون كهلان. فهي من عرب الجنوب على الارجح، وكان العديد من سكانها يقيمون في حضرموت حتى مجيء الاسلام.

ويروي المؤرخون ان حروبا قامت بين قبيلة كندة وحضرموت افنت اكثرها. ثم اما ملكت حضرموت علقمة بن ثعلب لانت كندة قليلا، وتفرق اهل اليمن، فصارت هذه القبيلة الى ارض معدً، حيث ملك اول ملوكهم، ويقال له مرتع بن معاوية بن ثور.
وملوك كندة طبقا لرواية اليعقوبي ثمانية اولهم مرتع، وآخرهم الحارث بن عمرو،
(وهو والد الشاعر امرئ القيس)

ويرى اكثرهم ان اوائل ملوك كندة الذين كان لهم شأن وصنعوا التاريخ كان حجر بن عمرو آكل المرار. وكل من ملك قبله لم يكن له شأن كبير. فمع آكل المرار هذا فُرضت سيادة كندة. ويروى انه كان رضيع حسان بن تبع الحميري. وان هذا عينه حاكما على القبائل التي انتصر عليها عام 408 م وقد ذكرنا حسًانا هذا مع اخبار طسم وجديس.
وامتد سلطان آكل المرار الى اليمامة، وتخوم امارة المناذرة، ودانت له تغلب وبكر.
وقد حالف بين كندة وربيعة بالذنائب.

وجاء من بعده ابنه عمرو بن حجر، ويدعى المقصور، ولعله سُمي بهذا لانه كان مقتصرا على ملك ابيه. وقيل ان هذا يدل على محدودية سلطانه. وقد نقضت تغلب وبكر، الاتقاقية التي ابرمتاها في عهد ابيه. وأشتعلت بينهما، في اثناء حكمه، حرب البسوس التي سبق ان اشرنا اليها.
ومات هذا الملك على يد الحارث بن ابي شمًر في غزوة بالشام. فجاء الحارث ابنه، وكان اعظم ملوك كندة الى درجة انه استطاع الوصول الى حكم الحيرة في زمن قُباذ الفارسي، بعد ان خلع المنذر بن ماء السماء. وكان له اولاد اربعة، ملك كل واحد منهم على قبيلة، وهم :

1 – حجر : ملك على اسد وكنانة
2 – شرحبيل : ملك على غنم وطيء والرباب
3 – سلمة الغلفاء : ملك على تغلب والنمر بن قاسط
4 – معد يكرب : ملك على قيس عيلان

لقد قَتل الحارث، الملك المنذر بن ماء السماء، وقَتل معه اربعين اميرا من بيته.
فتقاتل الملكان سلمة وشرحبيل، وعندما سقط الثاني، ندم سلمة وانشد قائلا :

إن جنبي على الفراش لنابِ * * * كتجافي الأسرً فوق الظراب

من حديث نما اليً، فما * * * يرقا دمعي، ولا اسيغُ شرابي

وما لبث بنو اسد ان تنكروا لعمرو بن حجر وهو والد امرئ القيس الشاعر، فقتلوه.
واذا راجعنا شعره، تبين لنا انه يمتلئ حقدا على بني لخم.

ونبغ في صدر الاسلام من كندة المقنع، الملقب بالنبي الكذاب، الذي ظهر في خراسان، والاشعث بن قيس الحضرمي، والفيلسوف يعقوب بن اسحق الكندي (مات 873 م ؟).

– الشعر في الجاهلية !

عَرفَ العصر الجاهلي حركة شعرية ناشطة. فقد (كان الشعر فطريافي العرب، يندر فيهم من لا يستطيعه، حتى المجانين واللصوص، ناهيك بالنساء).
وكان للشاعر الجاهلي مكانة مهمة ومرموقة، لان العرب حرًضوا ابناءهم على اتقان الشعر ونظمه. فالشعراء عندهم كانوا (حماة الاعراض وحفظة الاثار ونقلة الاخبار
، وربما فضلوا نبوغ الشاعر فيهم على نبوغ الفارس، ولذلك كانوا اذا نبغ فيهم شاعر من فبيلة اتت القبائل الاخرى فهنأتها به، وصُنعت الاطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمزامر كما يصنعن في الاعراس. ويتباشر ارجال والولدان لاعتقادهم انه حماة لعوائلهم وذبً عن احساسهم وتخليدا لمآثرهم، وإشادة لذكرهم.)
ويبدو ان الشاعر كان من ارقى طبقات الجاهليين، ومن اكرم الناس على قومه، (لان موقف الشاعر في قبيلته كان التغنًي بمناقبها، ورثاء موتاها، وهجاء اعدائها.

انواع الشعر الجاهلي : لم يعرف الجاهليون في حياتهم التفكير العميق، والمتواصل، ولا اطلعوا على الفلسفة لان بيئتهم لم تسمح لهم بذلك على الارجح. ويعني هذا ان التفكير العميق المتواصل لم يكن من طبيعة الجاهليين، ولا سيما في الشمال، لان الطبيعة المحدودة التي احاطت بهم لم تفتح لهم افقا واسعا، فغابت الملاحم وكذلك المرسح، ذلك لان هذين النوعين من الشعر يحتاجان الى تفكير مليً عميق ناضج، فالملاحم لا بد لها من غوص على الجواهر لاستخراج البواطن منها، ورصد حركات الوجود فتكون لهم ميثولوجيا متكاملة متماسكة كاليونان، والمرسح يحتاج الى دقة ايضا لتتبع مسار الشخصية وتطورها ونموها.

اما الشعر التعليمي فقد عرفه الجاهليون واكثروا من نظم الحِكم، لانها امر يستخرج من الحياة اليومية ولا يحتاج إلا الى خبرة في الحياة، وتأمًل، فالحكم ترد في نصوصهم الشعرية فِلذا وابياتا، ولا تحتاج الى تماسك وتكامل كما هي الحال في الفلسفة.
ويعكس الشعر الحكمي التعليمي ارادة الشعر في ان يكون وجودها معقولا، فاذا فهمته تمكنت من ان تضبطه وتتحكم به، ذلك ان الزمن عدو الجاهلي، يسرق منه حياته، ولا يبقي له الا على امل متكسر، يطارده بين كثبان الصحراء واهوالها. والحكمة هنا تعويض للانسان من مأساة التلاشي، كانها تصنع عقلا للوجود، فلا يخبط الانسان فيه خبط عشواء، ولا يفقد كليا زمام الامور.

اما الشعر الغنائي فكان الاشيع بانواعه المتعددة، لانه ينطلق اساسا من عفوية الانسان، ولا يحتاج الى اناة وتأمل، وهو وليد الانفعال، حيث تتصاعد الاحاسيس ويتحول الوجود داخل القصيدة الى ما يشبه الاغنية.

وكان الفخر اهم انواع الشعر، لانه يمدد الذات ويوسعها فيعوض للشاعر من نقص حياته وتهديد العدم المستمر. وسواء كان الشاعر يفخر بفروسيته ام بفحوليته (الغزل) ام بميته (الرثاء) فانه يجعل من ذاته تتعالى على سواها. ومشكلته مع الدهر قائمة، تطارده انى كان، وقد كان تقلب ايقاع الزمان ما بين الجدب والخصب، مابين حل الحبيبة وترحالها، ما بين رحلتي الشتاء والصيف، يجعل حياة الجاهلي متأججة دائما بين قطبي التعارض. وكان الشعور بالدهر وحدثانه يضع الانسان الجاهلي دائما موضع الفريسة. وفخاخ العدم تحيط به من كل جانب. ولذلك فان نشوة التمرد بالحب والخمر والفروسية وصوفية الخضوع تلتقيان في روحية الشعرالجاهلي لتتكاملا، وتعبرا عن طرفي التجربة اليومية. وكانت هذه الحماسة نوعا من طاقة تختزنها القبيلة للدفاع عن نفسها او مواجهة اخطار الطبيعة.

اصل الشعر الجاهلي : نرجح ان الشعر بدأ من اناشيد دينية ترفع للالهة، كان العرب يستعينون بها على حياتهم، وهو في اصله تعويذات للميت حتى يطمئن في قبره، لكنها تطورت الى ادعية وصلوات وابتهالات وموضوعات مستقلة، ولعل هذا قد حصل عبر فترات زمنية متباعدة، تسبق المرحلة التي وصلنا منها شعر، اي في ما اصطلح على تسميته بالجاهلية الاولى.

علاقة الشاعر بالسحر : لقد كان في يد الشاعر الجاهلي سحرا يستطيع به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحري. لهذا السبب كان الشعر سلاحا خطرا بين يدي من يملكونه، وهو سلاح لا يقل قدرة في الفتك عن السيف والسنان. ولذاك كان العرب يتقون حامليه.
وزعموا ان مع كل شاعر شيطانا يقول الشعر حتى قال بعضهم :

إني وكل شاعر من البشر * * * شيطانه انثى وشيطاني ذكر

والدليل على عقيدة شيطان الشعر، ما جاء في القرآن من آيات، منها سورة الشعراء :
(هل انبئكم على من تنزل الشياطين ؟ تنزل على كل افاك اثيم، يلقون السمع واكثرهم كاذبون. والشعراء يتبعهم الغاوون، الم تر انهم في كل واد يهيمون، وانهم يقولون ما لا يفعلون). وغير هذا كثير. وقد ظل بعض الشعراء في الاسلام يوهم الناس ان له تابعا من الجن. لهذا حاول النبي محمد (ص) الرد عليهم و كسر شوكتهم.

– المعلقات :
المعلقات قصائد من اجود ما قال العرب في جاهليتهم، حتى جعلها بعضهم افضل القصائد التي قيلت في ذلك العصر.
قال صاحب (العقد) ان العرب عمدت الى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء من الذهب في القباطي المدرجة وعلقتها بين استار الكعبة.
والمذهبات سبع. ويضيف ابن خلدون في مقدمته : (وكانوا يقفون بسوق عكاظ لإنشاده، وعرض كل واحد منهم ديباجته على فحول الشأن واهل البصر ليتميز حوله حتى انتهوا الى المناغاة في تعليق اشعارهم باركان البيت الحرام موضع حجًهم ). واصحاب المعلقات هم : امرؤ القيس، زهير بن ابي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرؤ بن كلثوم، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، والحارث بن حلزة – – ومن جعلها عشرا زاد عليهم: النابغة الذيباني، والاعشى الاكبر، وعبيد بن ابرص، وقد اضاف ابن خلدون على هذه الاسماء علقمة الفحل، توفي عام 603 م

اما مطالع المعلقات العشر، فهي :

1- معلقة امرؤ القيس (69 بيتا)
2-
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل * * * بسقط اللوى بين الدخول فحومل

2 – معلقة زهير (60 بيتا)

أمن أمً اوفى دمنة لم تتكلم * * * بحومانه الدرًاج فالمتلثم

3 – معلقة طرفة (103 ابيات)

لِخولة اطلال ببرقة ثمهد * * * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

4 – معلقة لبيد (88 بيتا)

عَفتِ الديارُ محلها فمقامها * * * بمنى تأبًدَ غَولها فرجامها

5 – معلقة عمرو (103 ابيات)

ألا هبًي بصحنك فأصبحينا * * * ولا تبقي خمور الاندريا

6 – معلقة عنتر (75 بيتا)

هل غادر الشعراء من متردم * * * ام هل عرفت الدار بعد توهًم

7 – معلقة الحارث (98 بيتا)

آذنتنا ببينها اسماء * * * رُبً ثاوِ يمل منه الثواء

8 – معلقة الاعشى (63 بيتا)

ودًع هريرة ان الركب مرتحل * * * وهل تطيق وداعا ايها الرجلُ

9 – معلقة النابغة (50 بيت)

يا دار ميًة بالعلياء فالسند * * * اقوت وطال عليها سالف الابد

10 – معلقة عبيد (45 بيتا)

اقفر من اهله ملحوبُ * * * فالقطيبات فالذنوبُ

واللافت ان معظم المعلقات تبدأ بالوقوف على الاطلال او بذكر رحيل الاحبة، الا معلقة عمرؤ بن كلثوم التي تبدأ بذكر الخمر. وكل هذه المعلقات مفككة، متعددة الموضوعات كمعظم شعراء الجاهلية.

– مبحث في الوقوف على الاطلال !
شكلت الصحراء صورة قاسية للمكان في حياة الجاهليين وادبهم، وانعكست في حياتهم.
فهي بجفافها القاتل واشكالها ومناظرها المحدودة ومناخها الفتاك، تحدوه على ممارسة نظام خاص في حياته يمكنه من البقاء والاستمرار، وإلا فالموت لا مفرً منه.
فالصحراء صورة لعنف الطبيعة، حيث يبقى العدم المهدد ماثلا امام الانسان يترصده في كل مكان، ويجعل الزمن سيالا يفر من الجاهليين، وبفراره يملأ حياتهم بالشقوق التي يتسلل اليها العدم، ثم يأكلها هذا من الدهر، حتى تغدو هشًة، ثم تتكسر وتتفتت.

ولما كان ثقل الحياة وصعوبتها، ونظام عيشه ايضا، يُضطران الجاهلي الى التنقل من مكان الى آخر تنقلا مستمرا، بحثا عن الماء والكلأ – اي عن عنصري البقاء الاولين – كان يُخلًف وراءه بعض البقايا التي يقال لها (اطلال) وهي عبارة عن الحفر التي تقام حول الخيمة، والاوتاد، والحجارة الموقدة، وبعض قطع الحبال، ومرابط الابل، وغير ذلك.
ويحدث ان يمر الشاعر بهذا المكان، وقد كانت له فيه ذكرى سعيدة مع احدى نساء القبيلة، فتهيج فيه عواطفه، وتستفيق فيه خيالاته، ويأخذه الحنين، فيقف على الاطلال ويبكي ويستبكي . . .

ونحن، إذ ننظر الى هذه الظاهرة، ندرس بعضها بالنقاش والتحليل، نجد فيها ثلاث مدلولات :
1 – مدلول اجتماعي : تعكس لنا الاطلال نمط الحياة في المجتمع البدوي، فهو قائم على رحلة ابدية في الفيافي الآبدة، يتجلى فيها صراع الانسان مع الطبيعة. فالبدو، بعكس الحضر، لم يستقروا في مكان، بل عاشوا متنقلين، وقد الفوا الوحدة والتغرًب، وشظف العيش وقسوة الزمن، يجرون وراءهم ماشيتهم. إذ تعكس لنا الاطلال صورة مجتمع بدائي ، مضطرب، مهدد، يترصده الموت في هول الرمال المترامية وجفافها الرهيب.

2 – مدلول فني : كانت القصيدة من قبل ابياتا متفرقة ذات نمط خاص في البدء والعرض. وتحول الوقوف على الاطلال الى عادة اتبعها الجاهليون لافتتاح قصائدهم واستمر هذه العادة مع الشعراء في العصور المتأخرة.

3 – من جهة ثالثة كان الوقوف على الاطلال، مدلول نفسي عميق، فهو يجسد مأساة الجاهلي امام الزمن وصراعه مع العدم. فمن المهم جدا في الطللية ان ننظر اليها على انها تعكس صلة الانسان بالطبيعة بوصفها قهرا يمارس على الروح عبر الجفاف والقحط وشح المياه وموارد العيش، من جهة اخرى، صورة للسعادة المندثرة التي لا يلبث الزمن ان يجرفها معه – – – فالوقوف على الاطلال يتحول الى وقوف غريزة الحياة التي يمثلها الشاعر في وجه غريزة الفناء التي يمثلها الجدب والكبت الجنسي معا.
والتي لا يملك الانسان ان يفعل ازاءها شيئا سوى معاناة الشجون.

* مقتبس من كتاب (العرب في العصر الجاهلي) لمؤلفه ديزيرة سقال، بيروت 1995

Read our Privacy Policy by clicking here