الأنسان والاخلاق ! ح 1

الأنسان والاخلاق ! (*) ح 1 د. رضا العطار

تبحث الدراسات النفسية اطر التفاعلات الاجتماعية التي تجري بين الانسان والاخرين من بني جنسه, فكل واحد منا يختلف عن غيره من ناحية ويشاركه في نواحي عدة. ويمكن القول ان كل انسان يشبه كل الناس و يشبه بعض الناس في نفس الوقت, لكنه يبقى متميزا في صفاته الشخصية من حيث انه ينتمي الى جنس الانسان الذي يحمل خصائصه الانسانية العامة، فالانسان يبقى في تفاعل مستمر مع الظروف التي تحيط به فهو اما ان ياخذ منها ويحتذي اثارها او يهتدي بها ويستفاد منها: ففي كل هذه الحالات يترك فيها مقدارا من الاثر اما ان يكون سلبا او ايجابا اي اما ان يفشل في مواجهتها او يتكيف معها طوعا او اجبارا.

ان للانسان نوعا من الصفات الشخصية الثابتة التي من خلالها تتحدد هويته، اما التغيير الذي يحصل في شخصيته فهو نتيجة اكتسابه لسلوكيات مختلفة منذ سن الصغر.
وهناك عدد من التعاريف ابرزها تعريف العالم النفساني مورتن برنس في كتاب اللاشعور قوله : ان اخلاق الانسان هي القاسم المشترك الاعظم لمجموعة الاستعدادات والنزعات والميول والغرائز والقوى البيولوجية الفطرية والموروثة والمكتسبة التي تتحكم فيه، وعليه الرجوع الى العقل السليم للاستفادة من خبراته المخزونة ليكون في مقدوره اختيار الاسلوب الافضل في الحياة.

اذن ما هو هذا العقل وما هي وظيفته ؟
لقد احتاج الانسان الى عشرات الالوف من السنين لكي ينصقل ذهنه وترهف ملكاته ليصبح قادرا على فهم ما حوله. فالعقل الذي هو اعظم موهبة، انعم الله بها على الانسان يقوم بوظيفة خزن ملاحظاته لما يشاهده من ظواهر الطبيعة, المنظور منها وغير المنظور ثم يقوم بربط هذه المعلومات بعضها ببعض ليستخرج منها ما يفيده من المعرفة عن طريق التفكير، فأما ان تكون النتيجة خيرا او شرا. فالعقل نفسه هو اول مخترعات الانسان، وان اللفظ العربي (عقل) بمعنى القدرة على عقل الاشياء، اي القبض والسيطرة عليها.

أنا لا اقصد تعليم اطفالنا اخلاق ثابتة محدودة، بقدر ما اقصد تمرين اذهانهم وتقويتها ليصلوا بالمعلومات المعطاة الى مرحلة الادراك المنطقي المنظم.
والجدير بالذكر ان قوة الغريزة عند الانسان بطبيعة الحال اقوى بكثير من قوة عقله, لانها مركبة في طبعه, في حين ان العقل مكتسب. وفي المستويات المختلفة للحضارة الانسانية نجد ان الغريزة تنجح في حالات كثيرة جدا في التغلب على العقل وتذليله لرغباتها. فالقرار النهائي للافعال والسلوكيات يكون في نهاية المطاف دائما من اختصاص النفس البشرية التي لها صفاتها الخاصة بها، منها انها :
تقرر ولا تقرر وانها ترغب ولا ترغب، تلتذ ولا تلتذ, تتأثر ولا تتأثر, قابلة للتطبيع والترويض، وغير قابلة للتطبيع والترويض فهي مصدر الحب والكراهية، وهي اما ان تتصل بالعقل في الظرف الحاسم لتسترشد به او لا تتصل ابدا. اذن فالعقل عند الانسان بمثابة السلطة التشريعية فهي التي تصدر القوانين وليس بيدها صلاحية التنفيذ. والنفس البشرية هي بمثابة السلطة التنفيذية تقوم باجراء القرارات التي يصدرها العقل او لا تقوم باجرائها، فهي اما ان تلتزم بها وقد لا تلتزم.

فالاخلاق التي نمارسها في حياتنا اليومية منبعثة من منبع كامن في داخلنا حسبما
يؤ كده الفيلسوف الفرنسي كنط الذي يقول ان رغبة الانسان في التزامه للاخلاق نابع من داخله, بينما الفيلسوف الامريكي توماس هويس يقول عكس ذالك تماما حيث انه يعتقد ان الاخلاق مصدرها كامن خارج كيان الانسان، فالدولة هي التي تصدر القوانين الاخلاقية وتفرضها على مواطنيها الذين يكونوا ملزمين على تطبيقها.
فالمعروف ان الانسان اجتماعي في طبعه يبحث عن بني جنسه جسديا ونفسيا لانه يستانس به ويستوحش بفقده بينما يخلق التباعد والتنابذ سلوكية انانية افتراسية ولهذا السبب تكون العلاقات الاجتماعية المتبادلة بين البشر ضرورة ملحة.

يضيف كاتب السطور قائلا : يعتبر نبي الاسلام محمد المعلم النموذجي في نشر الاخلاق الحميدة بين سكان الجزيرة العربية. فحينما جاء الرسول الى يثرب في العام الاول للهجرة اكتشف ان القبائل العربية كانت في حالة نزاع وتناحر دائم, خاصة قبائل الاوس والخزرج فشرع بعملية التعليم والتهذيب, فقد كان العرب يومذاك مثقلين بعادات وتقاليد الجاهلية, كل قبيلة كانت تنظر الى الأخرى بعين الشك و الريبة, حيث كانت تعتبرها عدوة لها, لكن النبي الكريم امرهم بان يتخذ كل مسلم فردا من قبيلة اخرى ويعتبره اخا له …. فالمؤمنون في الدين اخوة. وبعدما سمعوا اقواله واستوعبوا معانيها واقتنعوا بفوائدها اطاعوه، وبمرور الزمن تحرروا من وزر تقاليدهم البالية واصبحو مجتمعا متآلفا متحليا بفضائل الأخلاق.

و سورة الانفال – لا تنازعو فتفشلوا وتذهب ريحكم – تؤكد ما اقول.
فالاسلام دين اخلاق، يدعو الانسان ان يتعلم ليتطور حتى يغدو اكثر نفعا لنفسه ومجتمعه. فقد قال الامام علي بن ابي طالب في هذا السياق: ( عليكم بالتواصل والتبادل واياكم بالتدابر والتقاطع ) , فتفاعل الانسان مع غيره المتصف بالاخلاق الراقية تمكنه من تصحيح سلوكه الذي اكتسبه من خارج نطاق اسرته. ان التعاليم الاخلاقية عموما، تدعو انسان الجيل الجديد الى محبة الاخرين.
فكم من فقير هو في حقيقته غني بأخلاقه الرفيعة وكم من غني هو في حقيقته فقير بأخلاقه الذميمة.
* مقتبس من كتاب افكار ومواقف للامام عبد الفتاح امام. مكتبة مدبولي ميدان طلعت حرب القاهرة 1996

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close