تقاليد عربية متروكة من أجل الغربية

تقاليد عربية متروكة من أجل الغربية

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

ملابس أجنبية, أجهزة الكترونية امريكية, الفاظ ومصطلحات انكليزية وفرنسية, أطعمة ومشروبات ايطالية, مساكن غربية, وأخلاقيات مسيحية, هذه القليل مما يمكن ذكرها من العادات والتقاليد الغربية الموجودة عند كل شاب وشابة عربية الذين يعيشون داخل الدول العربية, ناهيك عن المغتربين في البلاد النائية.

لقد تحول المجتمع العربي اليوم إلى نسخة أخرى (وإن كانت نسخة رديئة) من المجتمع الاجنبي, بل تحول العالم بأكمله إلى نسخة من هؤلاء البيض القوقازيين, وتحقق أخيراً حلم الرومان القدماء عندما أرادوا إخضاع البشرية الجمعاء تحت أقدام امبراطوريتهم, ومعاملتهم للأعراق المختلفة كمواطنين من الدرجة الثانية.

العرب تركوا وراءهم الكثير من عادات وتقاليد أجدادهم القدماء من أجل المجاراة والتأقلم مع العصر الحديث, كما فعل الآخرين أيضاً : لم يعد اليوم على سبيل المثال يتكلم العرب باللغة العربية القديمة, كما لا يتكلم البريطانيون باللغة الانكليزية القديمة, ولا يلبسون مثلما كان يلبس السابقون كما لا يلبس الناس الاجانب ملابس العصور الوسطى, وبفضل العلم والتقنيات, لا يستخدمون الحيوانات للتنقل. كل تلك التحورات هي أساسية و وظيفية ومن المستحيل عدم تبنيها ومن السخرية الاستمرار بالآلات العتيقة المتخلفة بأسم التمسك بالعادة وحفظ التراث.

لكننا تركنا وراءنا أيضاُ بعض من الأمور التي لا داعي لها بأن تذهب: الكلمات العربية مثلاً تتبدل الآن بسرعة بكلمات اجنبية, كلمات بسيطة مثل شكراً, طيب, وعفواً, تبدلت الآن بكلمات ثانكس, اوكي, و سّوري. التصاميم العربية والنقوشات النمطية المميزة في الاقمشة والجدران كانت رائجة للغاية في وقتها وفي جميع بقاع العالم, نرى الآن تغيرت بكتابات انكليزية ورسومات رياضية. والأخلاقيات العربية الفاضلة من حسن الجوار وإكرام الضيف وتمجيد الحياء تلاشت مع قدوم أخلاقيات مسيحية وأخرى ليبرالية.

كيف ولماذا تم اهمال كل هذا؟ سابقاً, كان الاحتلال هو المسبب الرئيسي في فقدان أهل الحضارة لتراثهم وعاداتهم المحلية. مع سقوط بغداد بيد المغول, وصعود العثمانيون للسلطة وحكمهم للمناطق العربية لأكثر من 500 سنة, بدأ الأجداد بترك تراثهم العربي بالتدريج عن طريق الامتزاج والاختلاط, حتى أصبح من أشرف وأفخر الألقاب عندهم هي الباشا والأفندي. فقد غيروا ملبسهم ومأكلهم بتقليد الترك, وأُضيفت إلى اللغة العربية المئات إن لم نقل الآلاف من المصطلحات التركية, وبات لكل قوم من الأقوام العربية لهجة خاصة بها بفضل التُرك.

ثم جاء بعد ذلك الثورة الصناعية في حدود عام 1850 التي غيرت العثمانيون أنفسهم, وتقطرت تلك التأثيرات على المجتمع العربي المحكوم أيضاً بالطبع. أشياء حديثة من السيارات والملابس المصنعة بالمكائن والحرف الجديدة في المعامل والشركات أغرقت العادة العربية وحورتها عن مسارها القديم, وجعلت من تقليد الاجانب أمراً ممكنًا.

وبعدها برزت هناك موجة جديدة في عام 1940, ما تسمى بموجة الإلكترونات, التي سرعت من عملية التبني والتقليد. الراديو والتلفاز ثم الانترنت والهاتف الذكي جعل الناس واعين أكثر مما يحدث في الطرف الآخر من العالم. بدأ المجتمع العربي منذ ذلك القرن بفقدان ما تبقى من تراث أجدادهم القدماء, حيث التصرفات المعتادة استبدلت بأفعال وأقوال مأخوذة من التلفاز والسينما التي كانت تنقل الافلام الاجنبية والأخبار المحلية على طريقة الأجانب, والطبخات الغربية المُقدمة في البرامج التلفزيونية علت على الطبخات المنزلية التقليدية, واقتدى الشاب العربي بمشاهير العالم بدلاً من أن يقتدي بآبائه وأجداده.

خلقَ عملية التغريب هذه نوعًا من الصراع داخل الإنسان العربي نفسه, حيث لا يدري الشاب والشابة العربية بعد الآن إلى أي مجموعة ينتمي, هل يصنف مع العرب ام مع الغرب, هل هو امتداد لتاريخ مجتمعه ام نسخة رخيصة من العجم؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close