عِبء إثبات الجَريمة وضَمان القانون الجنائي لمبدأ براءة المتهم

عِبء إثبات الجَريمة وضَمان القانون الجنائي لمبدأ براءة المتهم
د. ماجد احمد الزاملي
إنّ التطور الذي طرأ على السياسة الجنائية المعاصرة سمح بالإثبات للوقائع التي تتصل بتحديد الخطورة الإجرامية للمتهم. وفيما يتعلق بالصعوبات التي تتصل بطرق أو وسائل الإثبات فهي تتمثل بشكل عام في قلة المعرفة الإنسانية ومن هنا يختلف الإثبات الجنائي والإثبات القضائي بِصيَغهِ العامة بحق الإثبات العلمي ففي حين يتصف الإثبات العلمي بالعالمية. وتمثيل طُرَقَهُ إلى التماثل والاتحاد، التي تسود في المجتمع الذي يُقامُ فيه. وفي إطار الإثبات الجنائي فانه يجري البحث عن الأدلة وجمعها وفقاً لبعض وجهات النظر الفلسفية ، فعلى سبيل المثال إذا كان النظام ديمقراطي يَحترم الفرد ويُقدِّر كرامته فانه سيحيط الاستجواب بضمانات أكثر من تلك التي يقررها نظام شمولي يُرَكِز بصفة أساسية على المصلحة العامة فضلاً عن أنَّ الإثبات الجنائي يجري في جو أبعد ما يكون من العدل لتعارض المصالح، والضغط قد يمثله الرأي العام بشأن الجرائم الخطيرة. في التحقيق فيما إذا كان من الممكن أن يتحول الشك الذي بدأت به الدعوى الجنائية إلى يقين أو لا فأن الوصول إلى هذا الهدف ليس سهلاً دائماً فعلى الرغم من أن معظم التشريعات المعاصرة عن نظام الأدلة القانونية إلى نظام الاقتناع القضائي فهذا النظام يقضي دائما إلى اليقين إذ يرى البعض إن مبدأ الاقتناع ذاته قد يكون عقبة في سبيل الوصول إلى الحقيقة، بسبب الخطأ في الإستدلال أو التكييف, فإذا كان الإثبات الجنائي يهدف إلى تمحيص الاتهام، أو بالأحرى تمحيص الشك حيث رفعت الدعوى، وما إذا كان من الممكن أن يتحول إلى يقين. فالوصول إلى هذا الهدف تعترضه صعوبات كثيرة منها ما يتعلق بمحل الإثبات ومنها ما يتصل بطرقه أو وسائله، ومنها ما يخص هدفه. فمحل الإثبات هو الوقائع وليس القانون. وهذه الوقائع سواءاً تعلقت بأركان الجريمة أو بظروفها تنتمي إلى الماضي وليس في وسع المحكمة أن تعاينها بنفسها حال حدوثها، وإنما تستعين بوسائل تعيد عليها رواية ما حدث. فضلاً عن أن الجناة يتصرفون في الخفاء ويعملون على طمس أثار جريمتهم قدر الإمكان(1).
وهدف القانون الجنائي هو ردع الجاني وحماية المجتمع، إضافة الى أن القول بوحدة الخطأين وتطابقهما لا يحقق العدالة المنشودة لأنه لا يدع للقاضي إلاّ أن يختار بين أمرين: كلاهما يبعد عن غاية المشرع، فهو مجبر على الحكم بالإدانة رغم تفاهة الخطأ الجنائي، وحينئذٍ يفوّت على المضرور حقه في التعويض رغم ثبوت الخطأ وبذلك تكون يد القاضي مغلولة في احيان كثيرة عن النطق بالحكم الجنائي الصحيح، سواءً بالبراءة أو الإدانة(2).
و ما يميز الإثبات في القانون الجنائي هو ما يكفله القانون من قرينة البراءة حتى في مرحلتي الاتهام والمحاكمة حتى صدور الحكم في الدعوى الجنائية، إلاّ أنه يوجد بعض الحالات الاستثنائية التي خرج فيها المُشَرّع على هذا الأصل، فأوجب القانون الجنائي على المتهم إثبات ما يدعيه كشرط لإعفاءه من العقاب، ومن هذه الاستثناءات هو ما نصت عليه المادة (40) من قانون العقوبات المصري بأن: “لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أو شخص مكلف بخدمة عامة في الحالات التالية:
أولاً/إذا قام بسلامة نية بفعل, تنفيذاً لما أمرت به القوانين أو اعتقد إن إجراءه من اختصاصه.
ثانياً/إذا وقع الفعل منه تنفيذاً لأمر صادر إليه من رئيس تجب عليه طاعته أو اعتقد أن طاعته واجبة عليه، ويجب في الحالتين أن يثبت إن اعتقاد الفاعل بمشروعية الفعل كان مبنياً على أسباب معقولة وأنه لم يرتكبه إلاّ بعد اتخاذ الحيطة المناسبة، ومع ذلك فلا عقاب في الحالة الثانية إذا كان القانون لا يسمح للموظف بمناقشة الأمر الصادر إليه”.
ويُعتبر أصل البراءة جزءاً من الدستور الفرنسي بحكم النص على إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 في مقدمة الدستور المذكور ، والإعلان الذي تضمن النص على هذا الأصل في المادة (9 )منه، على إعلاء قيمة هذا الأصل من حرص المشرع الفرنسي على تشريع القانون رقم 516 الصادر في 15 يونيو سنه 2000 الذي خَصَّهُ بتعزيز حماية قرينه البراءة الى جانب حقوق المجني عليهم وبموجب هذا القانون أحدَثَ المُشَرِّع الفرنسي تعديلاً جذرياً في قانون الإجراءات الجنائية تضمنت إضافة مادة تمهيدية إلى هذا القانون نصت فقرتها الثالثة على افتراض البراءة في المتهم وهو الافتراض الذي مررت له الحرية منذ قانون (4 ) كانون الاول سنة 1993 ، والنص على انه كل شخص متهم او مشتبه فيه يفترض براءته ما دامت إدانته لم تقرر، وكل اعتداء على افتراض البراءة يجب منحه والتعويض عنه وعقاب من كان سبباً فيه وفقاً للشروط المحددة في القانون.
كما ان دور القرينة القانونية ينحصر في نقل عبء الإثبات أو في تسهيل عملية الإثبات، ومـن المؤكـد ان قرينـة البـراءة لا يقتصـر دورهـا علـى جعـل عـبء الإثبـات علـى عـاتق سـلطة الاتهـام، وانمـا لهـا دور أساسـي آخـر لا يقـل أهميـة عمـا سـبق، يتمثـل فـي انهـا ضـمان هـام للحريـة الفرديـة فـي مجـال الإجـراءات الجنائيـة، ومـن ثـم فـإن نطـاق تطبيقهـا لا يقتصـر علـى مرحلـة المحاكمـة ,انمـا يمتـد إلـى المراحـل السـابقة عليها(3).وبعض دول العالم لا تنص في قوانينها على قرينة البراءة، ومع ذلك فانها تعمل بهـا فـي الامر الواقع ، وذلك لأن اصل البراءة مبـدأ إنسـاني عـام، واصـبح مـن البـديهيات بحيـث لا يحتـاج إلـى نـص يلـزم تطبيقـه، ومـن ثـم فهـو لـيس قرينـة قانونيـة، ولا يحتـاج إلـى مثـل ذلـك الـنص لتطبيقه في تلك الدول.

————————————————————————————————
1-د.رؤوف عبيد/ مبادئ الإجراءات الجنائية/ ط15 ص741 وما بعدها
2-د.أدوار غالي الذهبي/ حجيه الحكم الجنائي أمام القضاء المدني/ أطروحة دكتوراه مقدمة لكلية الحقوق، جامعة القاهرة/ دار النهضة العربية، القاهرة/ الطبعة الثانية، سنة 1981 ،ص333
3-النظريه العامه للاثبات الجنائى , السيد محمد حسن شريف : دراسه مقارنه, جامعة الاسكندرية – كلية الاداب – اقتصاد, 2002, ص.461

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close