سنوات من ألأزمات

سنوات من ألأزمات

لم يكن عبثآ ان اتخذت الدول الأوربية في القرون الوسطى قرارآ بفصل الدين عن الدولة و السياسة بعد ان عانت تلك القارة من تداخل السلطة الدينية مع السلطة الدنيوية ما ادى ذلك التشابك و التداخل بين السلطتين من معاناة و تخلف و فساد و تسلط رجال الدين و الذين يملكون و حسب ادعائهم و زعمهم التفويض الألهي في التصرف بشؤون البشر لا بل هم يملكون الأرض و ماعليها من حيوانات و ممتلكات و بشر الذين اصبحوا عبيدآ و لكن ليس لله انما لتلك الآله على الأرض الذين كانوا يمنحون و يمنعون ( صكوك الغفران ) و يبيعون الأراضي و العرصات في الجنان في الحياة الآخرة للذين يملكون الأموال و يتمكنون من الدفع مقدمآ في الحياة الدنيا .

بعد تلك الثورة الفكرية و التي اطاحت بسلطة رجال الدين و اعادتهم الى المكان المناسب الذي يمكن ان تكون رسالتهم في النصيحة و الموعظة و الأرشاد للأتباع و المريدين بعيدآ عن السياسة و شؤون الحكم و الأمور الدنيوية بعد ذلك الأنقلاب الذي فصل الدين و عزله عن السياسة أزدهرت القارة الأوربية و دولها آنذاك و اصبح القصر الحكومي يهتم بشؤون الناس الآنية في هذه الحياة من العمل على اشباع النوازع و الرغبات الدنيوية و العمل على تحسين حياة المواطنين و رفاهية معيشتهم و تركت لرجال الدين في معابدهم و صوامعهم ارشاد الناس في السبيل و الطريق الى الله .

سنوات طويلة من الأخفاق و الأحباط و الفشل الذريع و في كل شيئ و في كل نواحي و شؤون الحياة بعد ان اندمجت الأحزاب الدينية الأسلامية في المعترك السياسي العراقي و دخلت في الأنتخابات و بالطبع ( فازت ) في كل الدورات التي تلت احتلال العراق و اسقاط النظام السابق و احكمت هذه الأحزاب قبضتها على الدولة من خلال ( الفوز ) بالأنتخابات و تسلم المناصب السياسية الرئيسية لكن المشهد السياسي لم يكتمل الا بوجود قوة عسكرية ( شرعية ) تساند و تدعم ( السياسيين ) فكانت واقعة ( داعش ) و التي كان مخطط لها ام كانت نتيجة من التراكمات و المعاناة ان تكونت فصائل ( الحشد الشعبي ) و التي شكلت القوة ( الشرعية ) التي ردت عدوان ( داعش ) و اوقفت تمدده و تقدمه .

حتى قبل تشكيل ( الحشد الشعبي ) و الذي هو عبارة عن فصائل دينية مسلحة كانت هناك ميليشيات دينية تابعة الى احزاب و حركات مهيمنة على المشهد السياسي و الحكومي العراقي فكان الفصيل المسلح ( بدر ) التابع الى حزب اسلامي شيعي و كذلك كان الفصيل المسلح ( جيش المهدي ) التابع الى التيار الصدري و هو تيار اسلامي شيعي و كانت هناك فصائل مسلحة اخرى تابعة للأحزاب الدينية و ان كانت أقل أهمية و قوة من ذلك الفصيلين ( بدر و جيش المهدي ) و التي استحكمت المشهد الحكومي لاسيما و ان الفوز ( الساحق ) في الأنتخابات البرلمانية كانت من نصيب تلك الأحزاب و الحركات و التيارات الدينية .

يخطئ من يظن ان الدولة العراقية بعد 2003 هي دولة مدنية تحكم بالقوانين الوضعية فقد ضربت الأحزاب الدينية في العراق بالدستور و القوانين عرض الحائط و طبقت شرائعها و قوانينها و اصبحت بعض الممارسات و الأفعال و التي يبيحها القانون العراقي ممنوعة و محرمة و تخضع للمساءلة و العقوبة وفق ( قوانين ) تلك الأحزاب الدينية و اعرافها وصارت محافظات و مدن الوسط و الجنوب اشبه بتلك المدن الدينية ( كربلاء و النجف ) من تقييد للحريات الشخصية التي كفلها الدستور و نص عليها القانون و اصبحت تلك المدن اشبه بالمدينة المرعبة في افغانستان ( قندهار ) من حيث الصرامة في تطبيق قوانين الشريعة الأسلامية و القسوة في انزال العقوبات و المبالغة في استحصال الغرامات غير المشروعة ( السرقات ) من المخالفين و الممتنعين .

الأزمات و المشاكل التي حدثت و تحدث و بدلآ من محاولة ايجاد الحلول لهذه المشاكل و تذليلها او على الأقل ادارتها و تطويقها بشكل يقلل من الخسائر و التضحيات الا ان هذه الأحزاب الدينية الحاكمة كانت تفتعل الأزمات و تخلق المشاكل حتى صارت الدولة العراقية لا تكاد تخرج من أزمة حتى تدخل في أخرى و كأن هذه الأحزاب لا يمكن لها من الأستمرارية و الديمومة في أجواء مستقرة و آمنة حتى بدأت الحرب الأهلية الطائفية و االتي هددت وحدة البلاد و لم تهدأ و تستقر الأمور حتى بدأت الصواريخ تنهمر على البعثات الدبلوماسية و من ثم كانت الطائرات المسيرة تقصف القواعد العسكرية العراقية الى رفض قرارات القضاء العراقي بالقبض على بعض المتهمين بالجرائم الجنائية حتى استعرضت قوات هذه الأحزاب و ميليشياتها و طوقت مقار الحكومة و يبدو ان المطالبة بتدمير تمثال مؤسس العاصمة ( بغداد ) لن يكون آخر الأزمات و التي تفتعلها هذه الأحزاب الدينية و عصاباتها المسلحة في ضمان و أثبات وجودها و حضورها في المشهد السياسي و الحكومي العراقي و ليذهب الوطن و المواطن الى جهنم و بئس المصير .

حيدر الصراف

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close