كورونا .. هل يغير العالم مناخه .؟

عدي عدنان البلداوي

يتحرك العالم اليوم في اتجاه نظام جديد تهيأت له ظروف التطور التكنلوجي في مجال المعلومات وعلوم الحياة والبحث عن مصادر الطاقة .

وتمكنت وسائل الاتصال والتقنيات الرقمية الحديثة من جمع معلومات كثيرة عن الناس على اختلاف اماكنهم واعمالهم وعلاقاتهم وافكارهم ومعتقداتهم  واصبحت هذه المعلومات الهائلة في متناول جهات وشركات هيأت للعالم اجواء نشطة لإعادة النظر في منظومة العالم عموماً ومنظومة المال والأعمال خصوصاً ، لكن جانباً خفيّاً لهذه الأجواء يقف وراء تذليل العقبات التي تحول دون مواكبة الانسان للتطور في مجالات العلم والإنتاج والإتصالات يكمن في تحرير السلعة وتسليع الإنسان . وبالتزامن مع ظهور وباء كورونا وانتشاره عالمياً ظهرت آراء وتحليلات وتوقعات لعالم ما بعد كورونا . فقد ظهرت هنا وهناك تصريحات اعلامية لمسؤولين في دول كبرى تتحدث عن عالم بعد كورونا مختلف عما هو عليه اليوم . وفي مقاطع فديو اظهر بعض المتحدثين تشاؤماً وقلقاً بخصوص المستقبل الذي تصوروه اكثر تقييداً لحريات الناس واكثر سيطرة لذوي النفوذ والأموال الطائلة . مستقبل بدا في استطلاع لآراء بعض الناس انه اصعب معاشياً من الوضع الحالي ، وبدا على وفق رؤى اقتصاديين ومفكرين ومثقفين وعلماء ، انه مستقبل تقني رقمي يتحكم بكل شيىء حتى المشاعر والأعصاب ، ومضى بعض علماء النفس محذرين ومنذرين من عاقبة الطريق الذي تمضي فيه ادارة المال والاعمال والسياسة في انه قد ينذر بنهاية البشرية وحلول كوارث عالمية غير طبيعية ..

الانسانية هوية من حق الجميع الحصول عليها، والعلم ثروة من حق الجميع الحصول عليها ، والدين روح من حق الجميع الاتصال بها ، والاخلاق إطار اجتماعي عالمي من واجب الجميع البحث عن حرياتهم في حدوده ..

 تؤكد وصايا الانبياء وحكم العلماء ودعوات المصلحين وجهود الصالحين على اعطاء الإنسان بمنظومته الانسانية الاخلاقية العقلية النفسية اهتماماً قائماً على كونه محور فهم ونمو وتطور الحياة ، وبمشاريع ( المواطن الرقمي ) و ( عالم الاشياء ) وغيرها من المشاريع التي يعتقد الخبراء انها ستشكل مستقبل العالم بعد عقد او اكثر من السنين ، ستمر البشرية بمرحلة ملل وتذمر واستياء من شأنها ان تسبب انفجاراً عنيفاً قد يودي بالحياة الى نهاية مؤلمة .

يختلف الإنسان عن الكائنات الحية الأخرى في انه يتحرك في محيط كوني واسع يمكّنه من تطوير نفسه أو تصغير حجمه ، تبعاً لتكوينه البيولوجي والسيكولوجي والايديولوجي والثقافي ، فهو لا يقتصر على بيئة معينة أو على وسط محدد . يستطيع الإنسان ان يتعلم كثيراً من الثقافات وأن يكون عالمياً وهو يعيش في وسط اجتماعي وثقافي خاص ، كما يمكنه ان يصبح أمّةً في عطائه ..

. اننا نشهد اليوم زخماً كبيراً من المعلومات ، وحشداً اعلامياً واسعاً ، وتغطيات اخبارية متواصلة ، ونشرات اقتصادية وتقارير سياسية متنوعة ولقاءات موسعة وحصرية وخاصة ، اسهم كل ذلك في تشويش رؤية المواطن وعدم وضوح صورة المشهد الحياتي الذي يعيشه الناس بشكل اخذ معه عامل الثقة يتدارى في الخلف او يختفي في كثير من المشاهد . في حياة كثيرين منّا ، تقف ظروف وضغوطات عامة واخرى خاصة عائقاً أمام تمكين الشخص من ايجاد فسحة أو وقت للبحث أو فرصة للكشف عن الحقائق والوصول اليها ، ونتيجة لذلك  فهو يعيش حالة القلق ، وكلّما مرّ عليه الوقت وهو على هذه الحالة ، نفد صبره ، وكلما قلَّ رصيد الصبر اصيب يقينه بالوهن ، وهو ما يعرّض منظومته البايولوجية الى ضعف في المناعة يهدّد استقلالية التفكير فيه ويعرّض قراراته الى المجازفة دون دراية كافية تاركاً المجال للوقت كي يحكم على صواب تلك القرارات من عدمه ، وفي كل الأحوال يتحمل وحده والذين يعنيهم الأمر تبعات تلك القرارات على الرغم من دور البيئة والظرف المكاني والزماني المحلي أو الاقليمي أو الدولي في وصوله الى هذه النتائج .

على الرغم من سهولة توفر المعلومة التي يتصف بها عصرنا الحالي ، تصدعت منظومة القيم والأعراف في المجتمع وتعرض الذوق الى الطعن في جمالية النفس ، وغلب على صناديق الإقتراع في العالم العربي صعود كثيرين من اصحاب التفكير المحدود والكفاءات المتعثرة ، واخذ العالم يتجه صوب سوق الإقتصاد واخذت حقوق كثيرين تضيع في عالم الأرقام المجرّد الخالي من المشاعر الإنسانية ، عدا تلك المصطنعة والمعلبة التي ينتج عنها مشاريع مساعدات مقصودة لكسب الزبائن والمعجبين والعملاء للعمل في مشروع استثماري اقتصادي أو ثقافي أو سياسي حسب توجهات.

 هل سيكون الواقع في العالم الرقمي هو كل حصيلة الفرد وتاريخه . بمعنى انه اذا اراد ان يعرف حقيقة امر ما فإنه لن يجد عنه في العمق التاريخي إلا ما هو موجود في بيانات الواقع الرقمي ، ولعل هذا الفراغ بين الحاضر والماضي ، بين الأجداد والأحفاد قد بدأ في القرن الحادي والعشرين بمساعدة تقنيات العالم الإفتراضي وتفشي وباء كورونا حيث التباعد الإجتماعي والضغوط الإقتصادية والفقر الذي يهدد بعض الدول والجوع الذي يتربص بدول اخرى ، وكأن الواقع منذ امد غير بعيد يمهّد لهذا التغيير الفضيع في المناخ العام للعالم ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close