انا معك سيدنا الكاردينال مارساكو التعصب اعمى البصر والبصيرة

انا معك سيدنا الكاردينال مارساكو التعصب اعمى البصر والبصيرة:

كثيرا ما تحفزني المواضيع التي تخص الانسان والمجتمع والظواهر السلبية التي تؤدي الى تأخره وتوقف تطوره نتيجة الأفكار والعقائد والمفاهيم الخاطئة التي يؤمن بها او يقدسها في بعض الأحيان. فجاءت مقالة سيدنا الكاردينال ساكو المنشورة في موقع البطريركية الكلدانية تحت عنوان “التعصب، غلوٌّ أعمى” محفزة لكتابة هذه السطور. قرأت المقالة بتمعن وخرجت ببعض الملاحظات :

المقالة كانت قصيرة ومعبرة اشتملت على توصيل رسائل مهمة من خلال تعريف سيادته للتعصب والمتعصبين واهم الصفات السلبية التي يتميزون بها ومن ثم ينتقل الى أهمية قبول الاخر من خلال تحويل الاخر الى اللاخر وقبوله كما هو لا كيفما انت تريد له ان يكون ،ولأيمكن ان يكون قبول الاخر حقيقيا اذا لم تقبله بما هو عليه لا كما يحلو لنا ان يكون حتى نقبله . ومن ثم ينتقل الى نقطة مهمة جدا وهي التفريق بين الطائفة والقومية ولا يحق لاي قوة او سلطة ان تفرض وتملي الانتماء لأشخاص او مجتمع او شعب وهذا بحد ذاته تعصب اعمى البصر والبصيرة. ثم ينتقل ليعطي امثلة حية من الواقع عن التعصب الذي تبديه الأحزاب الاشورية، وبيانه الرفض القاطع لفرض تسمية او ارادات غير متوافقة مع رغبة شعبه الكلداني ويختم مقالته وكعادته وكرجل دين ملتزم ، باننا منفتحون وغير متعصبين لا نلغي أحداً ولا أحد يلغينا .

وهذه المبادئ سوف يذكرها التاريخ للكنيسة الكلدانية والكلدان والتي يفتقدها البعض الكثير من اخوتنا الاخرين . ويدعو الى اللحمة والالتفاف على المشتركات . وسوف اتعمق قليلا في مفهوم التعصب واسبابه ودور المثقفين والكنيسة في تنوير المجتمع والتخلص من مثل هذه الظواهر المريضة التي لا تؤدي الا الى التخلف والتراجع والعبثية في قراءة الحاضر والمستقبل.

حيث ان التعصب اعمى البصر والبصيرة ويأتي من الشعور بالنقص وعدم المعرفة والجهل ويأتي أيضا من عدم الادراك ومعرفة الحقائق والايمان المطلق الى حد التقديس الاعمى ، وهو ثمار للأفكار المتطرفة ويعتبر المخالفين بالرأي في خانة الأعداء وهو يأتي أيضا من البيئة المريضة وهي التي تخلق التعصب لدى الافراد وفهم خاطئ للمفاهيم التي يؤمن بها الانسان وأيضا تأتي من غياب او عدم امتلاك لمهارات التواصل مع الاخر المختلف وأيضا الدفاع المستميت عن الانا والنحن وان كان على الباطل ، ويسود التعصب عند الافراد او المجتمعات عندما يغيب التفكير العلمي والمنطقي ويسود الايمان بالثوابت الخرافية والاسطورية ومن العوامل النفسية التي تؤدي الى التعصب الاعمى هي الإحباط والفشل وانكار نسبية الحقيقة والاعتماد على مصادر غير موثوقة يعتبرها مقدسة وهي الحقيقة المطلقة وجهل الفرد بحدود امكانياته. ونستطيع ان نعزي التعصب وكل ما يتعلق به من نتائج وافرازات هو عبارة عن انقياد عاطفي واعمى للأفكار وتصورات تتعارض مع معطيات الواقع ومحاولة العيش في عالم افتراضي غير موجود الا في مخيلة المتعصبين. ومن اهم ما يميز المتعصب او المتعصبين هو وقوع المتعصب او المتعصبين تحت سيطرة عمياء لفكرة او مفهوم او عقيدة او ايدولوجية ومما يؤدي هذا ويقودهم الى انفعالات وتصرفات غريبة وغير واقعية.

. وكما ذكر سيدنا الكاردينال بان التعصب هو مضيعة للوقت والجهود ويجعلنا ننشغل عن المخاطر الحقيقة التي تواجهنا وتهدد وجودنا ويجب ان لا ننسى ان الحقوق والاقاليم والدول التي نحلم بها لا يمكن ان تتحقق اذا لم يكن هناك شعب بالملايين يمسك الأرض فهل بهذا التعصب والظروف القاهرة التي تواجه بلدنا اخذين بنظر الاعتبار بان من يغادر وطننا العراق من أبناء شعبنا فهو يملك بطاقة ذهاب فقط ، فلابد من العمل التكاملي أي الجزء يكمل الاخر لا يلغيه . فلابد للمثقفين والإعلاميين ورجال الدين من ان يلعبوا دورهم الكبير في التنوير وهم الأكثر قدرة في التأثير والوعي العالي للمشاكل والتحديات التي نواجها. ولابد هنا من استعادة الإجابة التي قام بها سيدنا مار ميلس احد رجالات كنيسة المشرق الاشورية المهمين عند اجراء مقابلة له مع مجلة بابلون على احد الأسئلة وحملت اجوبته الكثير من الرقي الحضاري الذي للأسف يفتقده الكثير من مثقفينا.

س: ماهي وجهة نظركم حول الانتماء القومي لابناء شعبنا بمختلف تسمياتهم وهل الانتماء القومي هو في صالح التواجد المسيحي في العراق ام عكس ذلك؟

ج سيادة المطران :الانتماء القومي شعور شخصي وتعبير عن هوية الانسان امام العالم، ويجب عدم فرضها على الآخر من دون اثبات ذلك علمياً وتاريخيا. فقد خلفت الفترة السابقة ونتيجة لصراع التسميات، الكثير من التباعد والانقسام والجفاء بيننا، في فترة حرجة ومصيرية كان يجب ان تكون الأولوية لــ”نحن” على الــ”انا” والــ”أنت” ففي الوقت الذي شغل هذا الصراع القاسم الأكبر من جهد ووقت شعبنا، ضاعت منا الكثير من الحقوق التي كان من الممكن ان نحققها ان جلسنا وتفاهمنا معاً.
وجودنا الى جانب بعضنا البعض عامل قوة لنا، فنحن مستهدفون من الإرهاب بغض النظر عن تسمياتنا. داعش لم يخطف ويقتل من الاشوريين فقط وانما قتل من الكلدان والسريان والارمن أيضاً وحتى اليزيديين وغيرهم، وللأسف أشغلتنا كثيراً صراعات التسمية، وبدلاً من ان تكون عاملا مثمرا لتقاربنا ولوحدتنا ولما هو خيرنا العام، جعلنا منها منصات لبث الكراهية عبر الفضاءات الالكترونية الواسعة.
من المخطئ جداً ان يعتبر شخص ما نفسه ممثلاً عن شعبه ويصدر احكام على الاخرين بطريقة تقسمنا وتشرذمنا وتجعلنا اضحوكة امام العالم.
صعود خطابات الرفض وسموها على رسائل المحبة والتي تقسمنا الى “انا الأول وانت الثاني” أو “أنا الأكثر وانت الأقل” تجعلنا ننسى ان الخطر الذي يداهمنا، لا يحاربنا على قدر ما نحمل من تصنيفات اقتصادية وعلمية وعددية، لانه يعتبرنا واحدا.
يا حبذا لو قام كل من انشغل بتقسيمنا من الاشوريين والكلدان والسريان وبث خطابات التفرقة بيننا في فضاء الانترنت، بالرجوع خطوة الى الماضي وتقييم نتائج وحصيلة ما فعلوه، على ضوء آلام هذا الشعب والمصاعب التي يواجهها في دمار بنيته التكوينية، للبحث عن حلول كان من الممكن ان تجنبنا هذه الويلات التي حلت بنا على أرض الواقع.
كان علينا ان نكون شركاء في عملية انقاذ وخلق جبهة عمل مشتركة، تعمل بالضد مع الانتكاسات التي يتعرض لها شعبنا في أدق مراحله التأريخية التي يمر بها. ان كانت هناك عملية اقصاء يتعرض لها الاشوريون، فانه تتم بالموازاة مع ذلك عملية اقصاء للكلدان والسريان أيضاً، فنحب نعبر عباب المصاعب في الشرق على متن سفينة واحدة، وأي جزء من السفينة يغرق ومن أي جانب كان، يتسبب في غرق السفينة ومن فيها، ايضاً، فأما ان نتحلى بثقافة الأمان لإدارة دفة خلاصنا معاً لبلوغ شاطئ السلام، واما ان نجعل من سفينتنا عرضة للغرق وسبب موتنا.
فهل يجوز ان نجعل من موضوع التسمية، سلاحا موجها الى بعضنا البعض، وامواج الارهاب تضرب سفينتنا ؟
انا آشوري وأفتخر بآشوريتي ولا توجد قوة في العالم تستطيع ان تخلع عني آشوريتي وهذا الامر ليس تعصباً، والامر والمشاعر ذاتها نجدها لدى الكلداني والسرياني. الكل هنا يعمل على حماية التسمية التي يحملها، وبينما نحن ننشغل بالصراعات التسموية فاننا نواجه علناً حرباً وجودية تستهدف اقتلاعنا كآشوريين وكلدان وسريان من أرضنا الحضارية، حتى اصبحنا ولأول مرة في التاريخ، موجودين خارج حدودنا الجغرافية، أكثر من الموجودين داخلها.
ومن الغريب ان تكون الجهود المبذولة للتوعية بهذه المخاطر أقل بكثير من تلك التي بذلت في صراع التسميات.
يوميا هناك تقريباً، من 70- 80 عائلة مسيحية تغادر مطارات الشرق نحو الغرب، الى مجتمعات متعددة الحضارات والثقافات، وقد لا تبدي هذه الدول اهتمامها المطلق في الحفاظ على تنوعنا. يجب ان نستخدم العقلانية لانتشالنا معاً من واقعنا المرير ويجب ان لا يكون ذلك معياراً لمن سيربح ويحسب بذلك، عدد مرات ظهوره في الساحة.
لقد خسرنا الكثير على ارض الواقع وحتى تعاطف السياسيين الدوليين معنا، كان آنيا، فرغم انهم يطلقون خطبهم الرنانة بيننا على اننا أصحاب حضارة رائدة وينالون المديح من جانبنا، الا انهم يعرضون عن تحقيق مطالبنا ودعمها ان سألناهم عنها، وهذا مؤشر على اننا يجب ان نقوم بحل مشاكلنا بأنفسنا، لذا أرى من الضرورة ان نبحث عن القواسم المشتركة بيننا وجعلها منطلقا لمواجهة الحرب الوجودية التي نتعرض لها في الشرق.
شخصياً، ليست لدي مشكلة ان أرى الكلداني له كنائس ومدارس ويقوم بتعليم اللغة لان هذا الشيء موضع فرح واحترام لدي، فهو اخي في المسيحية والقومية والتأريخ والثقافة والعادات واللغة، طالما هو لا يتجاهل قوميتي كآشوري، ويعتز بتسميته بطريقة تفرض احترام الاخرين له.
كيف يستطيع ثلاثة من الاخوة ان يشيروا الى أحدهم على انه ليس اخاهم، وهم اخوة في الدم والتربية الواحدة، الغالبية من الآشوريين والكلدان والسريان يحترمون بعضهم البعض والمشكلة التي تتفاقم بين الحين والآخر، تأتي من مجاميع صغيرة متعصبة بيننا، فقبل أيام قرأنا عن كتابات مسيئة ضد البطريرك الشهيد مار بنيامين، وهذا البطريرك هو احد رموز الكنيسة الذي ضحى بنفسه من أجل خلاصها، نحن لا نقبل ان يأتي كلداني ويتكلم عنه بالسوء، ولا نقبل في الوقت ذاته بآشوري يتحدث بالسوء ضد شخصية دينية في الكنيسة الكلدانية أو السريانية. للأسف وصلنا بهذه الكتابات الى مستوى مبتذل لا يدفع ثمن ذلك الا شعبنا المسكين من خلال الانقسام.

وفي الختام أتمنى و كلي امل ان تكون رسائل سيدنا مار ساكو وسيدنا مارميلس نبراسا نقتدي ونتعلم منه وعندما نكتب كمثقفين لابد ان نعي بشكل كامل لماذا نكتب ؟

رابط مقابلة سيدنا مار ميلس

مقابلة مع المطران مار ميلس زيا اجراها الدكتور عامر ملوكا

رابط مقالة لماذا نكتب لكاتب المقال

https://ankawa.com/forum/index.php/topic,889238.msg7595521.html#msg7595521

رابط مقالة خرافة النقاء العرقي لكاتب المقال

https://ankawa.com/forum/index.php/topic,999612.msg7732411.html#msg7732411

د.عامر ملوكا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close