الحزن في الأغنية العراقيَّة

الحزن في الأغنية العراقيَّة

سامر المشعل
احد اهم العوامل التي جعلت الاغنية العراقية تتسم بطابع الحزن الكثيف، هي طقوس العزاء الحسيني، فالجذر التاريخي وواقعة الطف، رميا بظلالهما على طريقة الغناء العراقي، وخلفا جرحا غائرا بالوجدان الاجتماعي يتجدد كل عام مع مراسيم العزاء الحسيني من خلال استذكار استشهاد ابي الاحرار الحسين (ع) وآل بيته في كربلاء.
وظلت هذه الذكرى تمد عاطفة الحزن لدى الطائفة الشيعية بشتى الوان الفجيعة والظلم الذي وقع على بيت النبوة.
ذكرى عاشوراء وما يقدم فيها من مراسيم العزاء والمواساة للنبي واهل بيته لم ينحصر تأثيرها في طبيعة الغناء وحسب، انما وجدت صداها في العديد من الفنون الاخرى، مثل المسرح والتشكيل والموسيقى،  من خلال تجسيد الذكرى الاليمة ومسرحتها بشكل مباشر امام الجمهور في العاشر من محرم، وهو ما يعرف بـ «التشابيه»، لتتأجج العاطفة وتشحن بالحزن الكربلائي كل سنة.
لذلك ظهرت الاغنية العراقية مشحونة بالاسى واللوعة والدموع ومغلفة بحزن ثقيل، ما جعلها تنأى عن بقية الاغاني العربية الاخرى وتميزت بطابعها البكائي الذي يختلف عن اغاني الشعوب في بقاع العالم.
فالاغنية العراقية نابعة من عمق المأساة ومجسدة للظلم والحيف الذي يتماهى بصوت المنشد بين واقعه المليء بالقسوة والقهر والاستلاب وبين عاطفته الدينية التي يصور فيها مأساة سبط النبي الذي يمثل رمز الثورة والعدالة الاجتماعية والاضطهاد السياسي، فيتداخل الذاتي بما هو تاريخي ديني، فتنزل الدموع حرى وبوجدان صادق.
ولعل نبرة الحزن وتجذر الاغنية العراقية في بيئتها الملونة بالوان الفجيعة هما ما جعلا موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب يخص الاغنية العراقية بالقول :» كل الغناء العربي يدور في فلك الغناء المصري، الا الغناء العراقي فان له خصوصيته».
ويروي عالم الاجتماع علي الوردي حكاية طريفة عن الحزن الشديد الذي يكتنف الاغنية العراقية، من خلال صديق راح يزور صديقه الذي يدرس في احدى الولايات الاميركية، وعندما وصل الى السكن الذي يقيم فيه عند سيدة اميركية، لم يجده وقتذاك، واخذ ينتظره لحين عودته، وهو يتجاذب اطراف الحديث مع السيدة الاميركية عن صديقهما المشترك الغائب، فشكت له بأن صديقه انسان طيب وخلوق، لكن لديه عادة غريبة، وهي انه عندما يدخل الى الحمام يجهش بالبكاء، وكانت تعتقد السيدة الاميركية أن نزيلها العراقي يعاني من عقدة نفسية عند دخوله الحمام، ويحتاج الى علاج أو طبيب نفسي.
وتبين أن زميله كان يغني بالحمام كعادة العراقيين  الذين يطيب لهم الغناء في الحمام، وكان يغني «ابو ذية من طور المحمداوي»!.
وهذه اوضح صورة بأن الغناء العراقي غارق بالحزن والبكائية، حتى يظن الاخر بأن غناءنا عبارة عن نوح متواصل.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close