فلسفة : المثقف هو حلقة الاتصال بين الشرق والغرب !

فلسفة : المثقف هو حلقة الاتصال بين الشرق والغرب ! * د. رضا العطار

البعض يتكلم عن علم الغرب وروحانية الشرق وكأن القيم المادية وقف على الغرب وحده في حين ان القيم الروحية وقف على الشرق وحده ! وحينما قال الاديب المصري امين الريحاني : (انا الشرق، عندي فلسفات، ولكن ليس عندي دبابات) فانه كان يظن ان الفلسفة وقف على الشرق وان التقدم الصناعي الذي ارتفعت رايته في بلدان الغرب لن يعرف طريقه الى الشرق !

ولكن الواقع شاهد على ان المجتمعات التي قطعت اشواطا بعيدة في مضمار التقدم العلمي والتكنية الصناعية لم تتخلى من الشعر والموسيقى والمسرح وغيرها من ضروب الفن، لمجرد انها قد اصبحت دولا صناعية تحيا في عصر التكنية العلمية.

وبالمثل يمكننا ان نقول ان الدول المتخلفة التي لم تصل بعد الى المستوى التكنولوجي المنشود لم تستطع اللحاق بركب الدول الصناعية في مضمار الترقي الفني، لمجرد انها لم تصبح بعد دولا صناعية !

والحق ان هذه المفاضلة بين الشرق والغرب لا تزيد عن كونها مجرد اسطورة اخترعها بعض العقول الحالمة التي ظن اصحابها ان السر قي تاخر الشرق انه قد ظل يحيا في عصر الفن في حين ان الغرب قد تقدم عليه فاصبح يحيا في عصر العلم. !

ولكن حسبنا ان نعود الى الحضارات البشرية قديما وحديثا، في الشرق والغرب على السواء لكي نتحقق من انه هيهات لاي مجتمع ان يحيا بلا فن ولكن هيهات له ايضا ان يحيا بلا فلسفة او بلا علم او بلا دين !

لقد كان علماء البشرية في كل زمان ومكان رجال متكاملين ناضجين اي (مثقفين بالمصطلح الحديث) ارادوا ان يجمعوا في اشخاصهم بين المحارب والكاهن والفيلسوف والعامل العادي والرجل الرياضي – – – وهذا ما حدث في عصر النهضة، فقد كان (الانسان المثقف) رجلا ناضجا نجح في ارهاف حواسه وترقية فكره واذكاء عواطفه وشحذ ارادته وزيادة قدرته على العمل ولم يكن ليوناردو دافنشي وميكائيل انجلو سوى مجرد نموذجين لهذا (الانسان المثقف) الذي اعلى من شانه رجالات عصر النهضة بوصفه المثل الاعلى لما ينبغي ان يكون عليه (الانسان المتكامل)

وهنا قد يقال اننا نحيا في (عصر التخصص) فلم يعد هناك موضع لاسطورة الانسان المكتمل الذي يجمع في شخضه بين (الانسان الروحي) الذي كان مثلا اعلى لاهل العصور الوسطى و (الانسان الذكي) الذي كان مثلا اعلى لآهل العصر الفيكتوري.

– – – وردنا على هذا الاعتراض ان (مغالطة أما – – او) هي وحدها التي قد تصور لنا ان (الشرق شرق) و (الغرب غرب) ولن يتلاقيا. وهي وحدها ايضا التي توقع في ظننا انه لا سبيل الى الجمع بين الفن والعلم او بين القيم الروحانية والقيم المادية او بين النزعة الصوفية والنزعة الالية.

وليس من المستحيل على انسان القرن الواحد والعشرين ان ينمّي حواسه ويرهف عواطفه ويرقي قدراته العقلية ويربي في نفسه الملكات اليدوية والعملية، ولكن مثل هذه (التربية التكاملية) قد تقتضي منا العمل على ازالة الحواجز التي مازالت تفصل مناحي المعرفة وتحول دوم تحقق التفاهم بين اصحاب التخصصات المختلفة. وليس من شك في ان السبيل الاوحد الى تزايد التفاهم والتواصل بين بني البشر انما يكون عن طريق التوحيد بين افكار الشرق وافكار الغرب والعمل على خلق (مركب متكامل)

Integraded Complex يكون بمثابة (الوحدة العضوية) التي تضم في ثناياها شتى عناصر الانسان الروحية والعقلية والقيادية والجمالية والحربية.

ولن تكون (انسانا) اللهم الا اذا عرفت كيف تقضي كل يوم من ايام حياتك في اجتلاء الجمال والبحث عن الحقيقة والمضي في طريق الخير والسعي نحو الكمال والتأمل لما في الوجود من اسرار.

· مقتبس من كتاب )فلسفة مشكلة الحياة( د. زكريا ابراهيم – القاهرة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close