أن بعض الموت أهون!

أن بعض الموت أهون!
علاء كرم الله

سكن الموت أرض العراق وطاب له المقام! فيها منذ أكثر من 40 عاما ولازال ويبدو أنه سيبقى الى أجل بعيد! 0 فقوافل الموت لازالت تسير بلا أنقطاع وسرادق العزاء تنصب في كل مكان وفي كل حي وزقاق وهي تعج بالمعزين غير آبهين بالخوف من كورونا ولا من غيرها من الأمراض والأوبئة فقد تدبغت جلودهم على تحمل كل ألم ووجع وكرهوا الحياة والعيش وسط كل هذه الألام والأزمات والفواجع فلم يعد لديهم أمل وحب للعيش في وطن تغطيه اللافتات السوداء التي تنعي من ماتوا ، وترى صور موتاه معلقة أينما وليت وجهك ، وطن صار عنوان كبير للفساد والخوف والغربة والفقر والحاجة والجوع والأزمات! 0 قالوا في الأمثال ( تعددت الأسباب والموت واحد) ، وكأن هذا المثل قيل على العراقيين فقط لأنه أنطبق عليهم تماما وبكل حذافيره وتفاصيله! 0 فبين موت في جبهات القتال للدفاع عن الوطن ، وبين موت في حرب أهلية طائفية ، وبين موت بأختطاف أو أغتيال ، وبين موت في حادث سير وحادث غرق أو بصعقة كهرباء أو بأنفجار سيارة مفخخة أو حزام ناسف أو عبوة عمياء زرعت على قارعة طريق أو غرق لقارب هجرة هربوا من فيه من جحيم الوطن ومآسيه ليكونوا طعما لأسماك القرش ! ، أو موت بطلقة قاسية أنطلقت من مسدس بيد جاهل أحمق مستهتر، بسبب شجار فأنفلات السلاح وضياع القانون جعل غالبية العراقيين ( كلمن شايل مسدسه بحزامه)! ، أو من يموت يسبب أطلاقة طائشة وهو بريء كان يسير مستطرقا ، لا أحد يعلم من أين جاءت؟ ، أو موت بمرض عضال أو بفايروس قاتل جاء ليكمل صورة ومشهد الموت العراقي ، أو موت مؤلم لمرضى تفحمت أجسادهم بسبب أحتراق المستشفى الراقدين فيها! ، أو موت في السجون والمعتقلات من شدة التعذيب ، أو بسبب أنتحار بأطلاق النار على نفسه أو برمي نفسه في النهر، ولا أدري هل نسيت نوع آخر من الموت أزهق أرواح العراقيين؟! 0 فبسبب كل هذا ، لم يعد الموت لدى العراقيين مصابا جلل أبدا! ، فقد ذهبت هالة الموت ليس لأن (كل نفس ذائقة الموت) ، وبأعتبار الموت هو أمر الله عز وعلا الذي قهر به طغيان وجبروت وصلف خلقه! ، بل لكثرة المتوفيين يوميا وغرابة الأسباب التي ماتو بها والتي لم نعرفها ونسمع بها من قبل!0 فصار أختلاف الموت وسببه هو من يهون ويخفف فجائع الموت لدى العراقيين وفقدهم لأحبتهم ، وخاصة بالنسبة للذين يموتون موت الفجأة ، وهذا أصعب وأقسى موت! ، مثل شخص خرج توه من البيت ليقضي حاجة في السوق لدقائق وأذا بطلقة عمياء تائهة ترديه ميتا ، أو يموت أثناء عبوره الشارع بسيارة مسرعة مجنونة بيد سائق أرعن آمن العقاب فأساء الذوق والأدب ، فمن الطبيعي يكون موت شخص كان يعاني من مرض عضال لسنوات أهون بكثير أذا ما قارنا موته بموت من يموت فجأة! ، أو مقارنة بين موت شخص بسبب فايروس كورونا لم تنجح جهود الأطباء بأنقاذ حياته ، مع شخص كان مصاب بنفس الفايروس وكان يرقد بالمستشفى لتلقي العلاج ولكن وقع حريق في المستشفى فمات محترقا متفحما صعب معرفة ملامحه حتى من قبل ذويه! ، وهكذا تستمر المقارنات والمفاظلات بالموت لدى العراقيين بين هذا الموت وذاك! ، فيعودون بذاكرتهم التي لا تختزن غير الألم والمصائب والخوف وصور الموت فيعودون بالوراء الى أيام الحرب العراقية الأيرانية ( 1980 – 1988 ) ليقارنوا ويفاظلوا بين أستشهاد مقاتل بالجبهة يؤتى به الى أهله فيقيمون له العزاء ويدفنوه ، مقارنة بمقاتل آخر فقد في جبهة الحرب ولم يعثر على جثته لحد الآن! والذي ترك غصة وحسرة في قلب أمه وزوجته وأطفاله وكل ذويه 0 ويستمر العراقيين يقلبون صفحات وذكريات الموت بأنواعه وأسبابه في حياتهم المليئة بالحزن والأنين ليتذكروا الحرب الأهلية الطائفية (2005– 2006) ليقارنوا بين من قتل مغدورا وفرح أهله به!! ، لأنهم وجدوه ، مقارنة مع مغدور آخر مثله قتل أيضا ولكن لم يعثروا عليه لحد الآن! ولا أحد يدري بأي مقبرة جماعية دفن من أرض العراق التي صار يسمع أنين من دفنوا فيها لكثرتهم؟ 0 لا أعتقد أن هناك شعب بالعالم عقد مقارنات وأقنع نفسه ورضى بمفاظلات موت عن موت أيهما أقسى وأيهم أرحم وأهون! مثل الشعب العراقي 0 أخيرا دعوني أقول وبصراحة ، كرهت أرض العراق لأني لا أرى فيها أية خير أو بركة فغالبية مساحتها مليئة بالمقابر الجماعية والموتى المغدورين من كل الملل والنحل والقوميات والطوائف من قبل هذا الحاكم وذاك ، ومن قبل هذا الحزب وذاك ومن قبل هذه المليشيا وتلك! ، ولا أدري هل هو قصاص التاريخ من العراقيين الذين غدروا بأبن بنت نبيهم الأمام الحسين على جده وعليه أفضل السلام؟ أم هي حوبة العائلة المالكة التي قتلت صبيحة يوم ثورة 14 / تموز/ 1958 كما يقول العراقيين؟ ، أم دعاء مستجاب لمن قال على العراقيين (اللهم سلط عليهم من لا يرحمهم !؟) ، أم لأن هناك من يريد أن يجعل من أرض العراق أرض كربلاء وكل أيامهم عاشوراء؟! 0

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close