النفق المظلم الذي دخلنا فيه . هل من مخرج ؟

ادهم ابراهيم 

بعد حصار غاشم طويل، قامت الولايات المتحدة الامريكية في عام 2003  بغزو العراق بدعوى امتلاكه اسلحة الدمار الشامل كذبا وافتراء .

ولكون العراق حجر الزاوية للدول العربية فقد عمت الفوضى بعد ذلك في المنطقة كلها ، وخصوصا بعد ثورات الربيع العربي التي اندلعت للتخلص من الديكتاتوريات .

وبهدف احتواء هذه الثورات ، فقد نجحت واشنطن بالتنسيق مع دول اقليمية في دعم بعض الحركات الاسلامية لاستلام الحكم ، واعتبار هذه الحركات البديل المناسب للانظمة العربية ، بعد  فشل الاحزاب والتنظيمات القومية في تحقيق اهدافها في الوحدة والاشتراكية نتيجة افتقارها للمؤسسات الديموقراطية ومنظمات المجتمع المدني .
والاكثر من هذا فقد عملت بعض الاوساط الدولية والاقليمية على توظيف  الاختلافات العقائدية والمذهبية في الدول العربية لصالحها ، ولصالح حلفائها في المنطقة .
فظهرت حركات دينية وطائفية متطرفة، بعضها كان موجودا دون اي تأثير سياسي ، والبعض الآخر  تأسس على يد قوى إقليمية ودولية .
وكان من نتيجة ذلك ان انتشرت شعارات ومفاهيم دينية، دغدغت مشاعر وعواطف الناس البسطاء والاميين ، مثل الإسلام هو الحل ، وضمان حقوق الطائفة ، أو حماية المذهب والمراقد المقدسة ، لتشكل فيما بعد الصورة الجديدة للمنطقة العربية، بعد طمس الهوية العربية واستبدالها بهويات دينية وطائفية متنوعة .

وقد رافق ذلك استخدام العنف والقوة المفرطة من قبل بعض الحركات المتطرفة ،
مثل دولة الخرافة الاسلامية او داعش لتزيد الطين بلة ، من خلال زيادة الاحتقان الطائفي ، كفعل ورد فعل في حلقة مفرغة من الحروب العبثية التي لايبدو لها نهاية في الافق القريب .

لقد ثبت بالتجربة والممارسة على مدى سنوات طويلة فشل النهج الديني والطائفي في ادارة الدول ، وان البديل الاسلاموي للانظمة العربية الديكتاتورية والذي استند على العاطفة الدينية للجماهير العربية ورغبتها في التغيير ، لم يعد مقبولا ، حيث لم تحقق الحركات الدينية والطائفية على اختلاف افكارها اي تقدم ملموس للشعوب العربية لا على المستوى المعاشي ، ولا الاجتماعي او الامني ، بل بالعكس ، فقد انقلبت الاوضاع نحو الاسوأ في المجالات كافة .  مما اصبح الوضع العام في كثير من الدول من السوء بحيث لايمكن السكوت عنه مدة اطول ، خصوصا بعدما رافقه الفساد ، والجهل ، ونهب موارد الشعب .

وهكذا خاب الامل في تحقيق آفاق جديدة للحكم الجماهيري العادل ، فعاد الوعي للشعوب العربية حيث نبذت التبعية والاصطفافات الطائفية والحروب العبثية ، واخذت تطالب بوطن آمن مستقل وحكم رشيد . وهذا ماشهدناه في انتفاضات عديدة في كثير من الدول العربية .
وجرت مطالبات في تعزيز الهويّة الوطنية والقومية لتحقيق الاستقرار السياسي ، وكبديل طبيعي للنزاعات الطائفية المفتعلة التي لا نهاية لها .

لقد سقطت الاطروحات الدينية والطائفية في ان تكون بديلا مقبولا عن الانتماء الوطني والقومي .

ولذلك فان الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق ، والنفق المظلم يكمن في السعي لبناء هوية وطنية وعربية جامعة تحت مظلة ديموقراطية مبنية على اسس من العدالة الاجتماعية ، بعيدا عن الدكتاتورية او الادلجة الشمولية . مع احترام حقوق القوميات والثقافات الاخرى بشكل واضح وصريح بما فيها حق تقرير المصير . وضمان حرية اعتناق الدين والطائفة وممارسة الشعائر الدينية دون الاخلال بمشاعر وانتماءات الاخرين او تهديد السلم المجتمعي . وممارسة النقد والنقد الذاتي لتحقيق  نظام دستوري سليم مبني على مبادئ العدالة وحقوق الانسان ، وصياغة اسس جديدة للعمل العربي المشترك على وفق احترام خصوصية كل بلد ، والتخلي عن المطالبة بالوحدة الشمولية ، واستبدالها بتأسيس قاعدة عريضة من التوافق الشعبي المشترك مبنية على تقبل الآخر واحترام خصوصيته . وتجنب كل مايؤدي الى نزاع او صراع مهما كانت دوافعه .
وبعكسه سنظل ندور في حلقة مفرغة لانهاية لها من الفشل والاقتتال الداخلي .
ادهم ابراهيم





تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close