مشاكل ترجمة المسرحية في ضوء دراسات الترجمة

مشاكل ترجمة المسرحية في ضوء دراسات الترجمة
ترجمة: هاشم كاطع لازم – أستاذ مساعد – كلية شط العرب الجامعة – البصرة
تأليف: ماتيو فيكنيس Matthieu Vignes
ظهر شكل معرفي جديد الى الوجود في أواخر السبعينيات من القرن الماضي هو (دراسات الترجمة) Translation Studies. ولم يكن بمقدورنا قراءة الأدب مترجما مالم نسأل أنفسنا أن كان علم اللغة والظواهر الثقافية قابلة للترجمة بالفعل مع السعي لأستغوار مفهوم (الترادف) equivalence.
وتشير سوزان بازنت Susan Bassnett في مقدمة الطبعة الثالثة من كتابها الموسوم (دراسات الترجمة) Translation Studies أن هذا النمط المعرفي ظهر مؤخرا في الدراسات الأكاديمية. وأذا وضعنا هذا الفرع المعرفي بموازاة تاريخ الدراسات الأدبية فأننا سوف نلاحظ أن الفجوة الزمنية هائلة جدا فهناك أكثر من 20 قرنا تفصل كتاب أرسطو الموسوم (الفن الشعري) Poetics عن أول كتاب صدر عن دراسات الترجمة. ويتفق غالبية البباحثين حول ندرة الدراسات الترجمية قبل سبعينات القرن الماضي ، فجورج مونين George Mounin في كتابه الموسوم Les problemes theoriques de la traduction يصر على الطبيعة الذاتية لمثل تلك الدراسات اتي تتعاطى مع المشاكل التي يواجهها المترجمون فحسب ولايتناول التنظير العام في هذا الخصوص. كما أن الدراسات المحدودة لاتأخذ في الحسبان الخلفية التاريخية للعمل الترجمي. ويتبنى مثل وجهة النظر هذه كل من جورج شتاينر George Steiner وسوزان بازنت في كتاباتهما بهذا الخصوص.
وتنّوه بازنت في كتابها (دراسات الترجمة) الى مكانة الترجمة في فترات تاريخية مختلفة على نسق ماكتبه جورج شتاينر في كتابه الموسوم (بعد بابل) After Babel. وتشير بازنت الى أن تلك الحقبات التاريخية المتفاوتة في الطول تدل على مدى صعوبة دراسة الترجمة تاريخيا.
تجدر الأشارة أن الترجمة لم تحظ عبر التاريخ بأهتمام كبير من لدن الباحثين. وأذا كنا نعلم بوجود شكل من أشكال الترجمة ضمن حضارة وادي الرافدين وفي مملكة مصر القديمة فأنه لايتوفر في الواقع تنظير عن تلك النشاطات أو عن قيمتها اللغوية أو الأجتماعية الثقافية من منظور نظرية دراسات الترجمة. ومع دخول القرن العشرين أشار (ميشيل بالارد) Mechel Ballard في كتابه الموسوم (تاريخ الترجمة) Histoire de la traduction أن المترجمين حينذاك كانوا مفسرين وليس مترجمين حقيقيين. كما أشار الى حقيقة أن الترجمة ، في مايخص النصوص المكتوبة ، قد أستخدمت بمجملها للتعامل مع الوثائق الرسمية وكذلك التقارير الخاصة بالأحداث التاريخية والدينية مما يجعلها بعيدة عن المسائل التي تهم دراسات الترجمة في وقتنا الحاضر.
وأذا درسنا التنظير الخاص بالأدب فمن المقبول تماما أن ننظر الى أرسطو وكتابه (فن الشعر) بأعتباره يمثل المصدر البارز في الحضارة الغربية. وأذا كان اليونانيون القدماء قد أسسوا قاعدة قوية للدراسات الأدبية ، والتي ماتزال آثارها ماثلة الى الآن ، فأن قضية الترجمة غائبة تماما من النصوص الأساسية. ومثل هذا الأمر يتناغم مع مفهوم الثقافات البربرية الذي يشمل أية ثقافة (غير يونانية) كما يشمل المتحدثين (من غير اليونانيين). وكانوا ينظرون الى ثقافتهم ولغتهم نظرة متعالية قياسا بثقافات الآخرين ولغاتهم مما ادى في نهاية المطاف الى أستبعاد ترجمة النصوص الأجنبية الى لغتهم.
كتب ميشيل بالارد عن مفهوم الثقافة الأم فقد صاغ اليونانيون ثقافتهم وأعمالهم الفنية باعتبارها أبداعات أصيلة ورفضوا الأقرار بوجود تأثير محتمل لثقافة أجنبية قديمة جدا (مثل تأثير الثقافة المصرية مثلما أشار هيرودوت الى ذلك). ويبدو أن فكرة التبادل الثقافي بين حضارتين مختلفتين قد تم أستبعادها أيضا رغم توفر بعض الأمثلة المغايرة التي تدحض غياب الترجمة التام في الحضارة اليونانية القديمة. ويستخدم ميشيل بالارد تعبير (تحديد الترجمة) traduction appropriation للدلالة على أستخدام الترجمة المحدود في الثقافة اليونانية. ومثل هذا المفهوم يتوافق مع فكرة (الثقافة الأصل) source culture التي تعتبر كل ابداع فيها أصليا لامبتدعا. والترجمة المحدودة لغرض معين ماتزال موجودة في عصرنا الراهن في الثقافات المنعزلة حيث ينظر الى اللغة باعتبارها تعكس هوية المرء وكنز لابد من الحفاظ عليه وأنقاذه من التدخلات الخارجية ، ففي أيسلندا على سبيل المثال من الطبيعي تماما ملاحظة ترجمة الأسماء الأجنبية الى اللغة الأيسلندية لموائمة قواعد اللغة المعقدة للغاية. غير أن مبدأ التخصيص هذا غالبا مايتعرض للنقد في دراسات الترجمة لأنه يمثل فشلا قياسا بالنص الأصلي. ويثير مثل هذا الأمر سؤالا مثار جدل كبير حول أمكانية ترجمة أجتماعية ثقافية أو عملية نقل دون خسارة القيمة الأصلية للنص.
وتورد سوزان بازنت ماأورده أيرك جاكوبسن Eric Jacobson حول أصل الترجمة الروماني. وأذا كان ينظر الى اليونان القديمة بأعتبارها تشكل (الثقافة الأم) فأن الرومان القدماء يشار أليهم في الغالب بأنهم غير أصلاء وأنهم غير قادرين على خلق أدبهم الخاص بهم. لكن الأمر يختلف في مايخص دراسات الترجمة حيث كانت الفترة الرومانية بمثابة منجم للذهب فقد ظهرت أولى الترجمات مثل الترجمة اللاتينية للأوديسة في عام 240 ق.م. التي أنجزها العبد الذي تحررمن عبوديته ليفيوس أندرونيكوس Livius Androunicus وبدا شكل من أشكال التنظير يتبلور بظهور مبدأ (الترجمة كلمة كلمة) مقابل (الترجمة المعنوية) التي ناقشها هوراس وشيشرون.
وذكرت سوزان بازنت في كتابها (دراسات الترجمة):(أعتبر الرومان أنفسهم أستمرارا للنماذج اليونانية المثالية كما قام نقاد الأدب الرومان بمناقشة النصوص اليونانية دون الأطلاع على لغة تلك النصوص).
أن رؤية الثقافة الرومانية هذه تفتح الكثير من الأبواب حيث تتجلى أمامنا أهمية الترجمة في تقييم ادبهم وهويتهم. وهكذا ظهرت أول ترجمة لمسرحية وقام ليفيوس أندرونيكوس الذي ولد في مدينة تارانتو اليونانية وتم جلبه الى روما بصفة عبد بنقل الدراما اليونانية الى اللغة اللاتينية لتمثل تلك المسرحيات بعدئذ على المسارح الرومانية.
وأذا أعتبرنا ان اليونان القديمة تمثل الثقافة الأم وأنها أحتضنت الأدب الغربي الأصلي وكذلك النظرية الأدبية فأن الرومان القدماء قاموا بوضع الأسس للترجمة الحديثة لأنهم أضفوا اهمية بالغة على الأدب اليوناني وأعطوه مكانة سامية ماتزال ماثلة في مجتمعاتنا الحديثة ، لكن أذا كان الرومان قد أستخدموا الترجمة أداة لبناء نصوصهم المسرحية أعتمادا على التراث اليوناني فأن ذلك لابد أن يكون قد تحقق من خلال (الترجمة المخصصة لغرض ما). ويطرح ميشيل بالارد مثال (بلوتس) Plutus الذي كتب العديد من المسرحيات الهزلية التي ماتزال تحظى بالأهتمام في وقتنا الحاضر. ويستخدم بالارد مفردات مثل (المحاكاة والأقتباس الأدبي من الآخرين) على نحو متكرر لدى التعامل مع التقاليد الأدبية الرومانية ، وهو بذلك يشير الى الحاجة لأستخدام جذور الأدب اليوناني القديم وما ينجم عنه من أستخدام الترجمة لأيصال تلك النصوص الى اليونانيين. لذا يمكن القول أن ترجمة المسرحيات اليونانية الى اللغة اللاتينية تمثل أول عمليات الترجمة الحقيقية. وقد أعقب ذلك ترجمة الشعر القديم ومن ثم ترجمة الخطابات كما ورد في دراسات شيشرون في القرن الأول ق.م. وأذا درسنا أهمية النص المسرحي في ظهور الترجمة فأن ذلك يطرح سؤالا حول شبه غياب النص المسرحي في عملية تنظير النشاط الترجمي. واذا كان حقل دراسات الترجمة قد أهمل في الدراسات الأدبية حتى النصف الثاني من القرن العشرين فأن ترجمة الفن المسرحي ماتزال تمثل حتى وقتنا الراهن موضوعا ثانويا للغاية يتم التعامل معه بلا مبالاة. في هذا السياق كتبت سوزان بازنت:(تتضمن معظم دراسات الترجمة التي ينصب أهتمامها على جنس أدبي معين مشكلة محددة تتناول ترجمة الشعر. ويبدو أيضا أن المسرح يمثل واحدة من المجالات المهملة تماما حيث لاتتوفر في الواقع سوى معلومات محدودة للغاية حول مشاكل ترجمة النصوص المسرحية. كما أن كتابات مترجمي المسرح الشخصية تدل في الغالب على ان المنهج المستخدم في عملية الترجمة هو نفسه المستخدم في التعاطي مع النصوص النثرية).
وتربط بازنت غياب مثل هذه الدراسات عن الترجمة بطبيعة النص المسرحي ذاته لأنه ناقص في جوهره حيث يرد في الذهن دوما أن للمسرحية هدفا واحدا: أن تمثّل المسرحية على المسرح حيث يمثل النص المسرحي لوحده خطوة من بين مجموعة خطوات يتم بموجبها في نهاية المطاف الأحاطة بهذا العمل الأدبي. تقول بازنت:(لابد من الأشارة في البدء الى أن النص المسرحي يقرأ بشكل مختلف لكونه نصا غير مكتمل بعد الأنتهاء من قراءته حيث تتبين امكانيات النص كاملة بعد أداءه على خشبة المسرح).
وأذا كان دور المترجم عموما لايعدو كونه أكثر من فني لغوي بسيط فأن مترجم المسرحيات يحظى بمكانة تقل عن ذلك حيث أن دوره ينحصر في ترجمة نص يشكل جزءا من عمل أدبي وهو بذلك لايتفاعل مع النص المترجم ، وعليه لاتعتبر العملية ترجمة حقيقية لكونه مجرد أداة بسيطة تؤدي عملها في نقل خطوة واحدة من لغة معينة الى لغة أخرى. أما مايتعلق بالنقل الثقافي والأجتماعي والسياسي فلا تعتبر ذات صلة لأن مثل تلك الجوانب تعود الى الوسط وهي تنقل من خلال النص ذاته.
ويبدو أن مترجم المسرح مقيّد على نحو مضاعف بين كل من العرض والطلب حيث يتعين عليه أن يبتدع أداة تتيح لمحترفين آخرين أستخدامها وليس نسخة مختلفة من الناحية اللغوية لعمل أدبي يذهب مباشرة الى القراء.
لقد أشار الكثير من الباحثين الى أن أولى الكتابات في مجال دراسات الترجمة، قبل السبعينيات من القرن الماضي ، كانت تعتمد الى حد كبير على التجارب الشخصية وتقارير المترجمين المهنية. لكن يبدو أن صوت الترجمة مايزال غير مسموع حتى في أيامنا هذه. وأذا ماحصل بضعة مترجمين أدبيين الى يومنا هذا على النجاح والسمعة الطيبة فأن مترجمي النصوص المسرحية سوف يستبعدون من هذه الفئة من المترجمين. ويعتبر مترجمون من أمثال فرانكو ريكنول Francois Regnault وفلورينس دوبونت Florence Dupont استثناء من هذه القاعدة فقد عمل ريكنول مع مخرجين فرنسيين من أمثال باتريس شيرو Patrice Chereau وبريكيت جاك Briggite Jacques وعمانوئيل ديمارسي – موتا Emmanual Demarcy – Motta وزودهم يترجمات جديدة لمسرحيات اجنبية. وعلى أثر ماقام به من ترجمات ذاع صيته مترجما بارعا للمسرحيات. وقد حظي بالأعتراف والتقدير على أعماله الأدبية البحثية وتعاونه الوثيق مع مخرجي المسرحيات ، لكن عمله لم يقتصر على ترجمة المسرحيات. والأمر ينطبق على فلورينس ديبونت فشهرتها لم تحصل بسبب ترجماتها الحديثة للمسرحيات الأغريقية والرومانية القديمة وأنما على بحوثها العلمية الخاصة بالترجمة.
وتعزو بازنت غياب الترجمة عن معظم الدراسات الخاصة بترجمة المسرحية الى العلاقة السبقية التي تربط النص المسرحي بالأداء المتوقع وتذكر في مستهل مقالة لها بعنوان (ترجمة المسرحية: قضية ضد أمكانية الأداء) Translating for the Theater: The Case against Perfromality
في تاريخ دراسات الترجمة يلاحظ وجود دراسات محدودة عن مشاكل ترجمة
النصوص المسرحية قياسا بأية دراسات عن أجناس أدبية أخرى. وتكمن صعوبة
ذلك وفق وجهة النظر المقبولة عموما والخاصة بغياب الدراسات النظرية في طبيعة
النص المسرحي ذاته الذي يرتبط بعلاقة جدلية مع أداء النص ذاته وهو بذلك غالبا
مايقرأ على أنه شيء (ناقص) أو (مدرك على نحو جزئي).
أن مفهوم (العلاقة الجدلية مع الأداء) يطلق العنان لعدد كبير من الأسئلة ذات الصلة بطبيعة ترجمة المسرح والنظريات ذات الصلة بالأمر ، وكانت فكرة (أمكانية اداء) نص مسرحي ما تمثل قطبا محوريا في مجال الدراسات والتنظير.
ويطرح كيكي كوناريدو Kiki Gounaridouسؤالا مهما حول قضية ترجمة المسرحية في مقدمة العدد الخاص من المجلة العلمية الموسومة (التحوّل) Metamorphosis المكرس لترجمة المسرحية:(هل يتعين على النص المترجم أن يشير الى الأختلافات الثقافية واللغوية المؤقتة وغرابة النص الأصلي ، أو يعمدالى تكييفه وفق ظروف الثقافة واللغة والتقاليد الهدف؟). ويذهب بعض الباحثين الى أن قيمة النص المسرحي وهويته تكمن في جوانبه الأجتماعية الثقافية وسياقاته التاريخية وليس في النص ذاته الذي ينظر أليه لاحقا بأعتباره مصدر تأثير للعناصر التي سوف تبرز للعيان أثناء عملية الأداء.
وترى فلورنس دوبونت أن عملية ترجمة مسرحية قديمة تتعلق بالبحث الثقافي وعملية النقل أكثر منه عملية ترجمة بسيطة. أن هوية النص المسرحي القديمة لاتتجسد في مفرداته أنما في كل شيء يمثله النص ويقدمه بمثابة شاهد أجتماعي – ثقافي لحضارته وسكانه. ثم أن ترجمة لغوية بسيطة سوف تؤدي الى تدمير هوية النص. لذا يشغل مفهوم أمكانية الأداء مكانا محوريا في مايخص ترجمة المسرحية من منظورها وبالذات في مايخص المسرحيات القديمة الغريبة. ويتعين على المترجم أن يكون على بيّنة بطبيعة الأداء ومعناه بهدف المحافظة على اكتمال تلك الهوية أثناء ترجمة المفردات.
غير أن وجهة النظر التي تؤثر هيمنة الأداء على النص ذاته يمكن أن تؤدي الى نوع من التشويش مثلما توضح بازنت في مقالتها:
الأمر يتعلق بمفهوم (أمكانية الأداء) بصفته معيارا أساسيا لعملية الترجمة. وهذا
هو التعبير الذي يستخدم لتبرير تسليم ترجمة حرفية لكاتب مسرحي أحادي اللغة ،
وهو التعبير ذاته الذي يستخدم لتبرير التغييرات الجوهرية في النص اللغوي الهدف
ويشمل ذلك النصوص المحذوفة والمضافة. كما أن تعبير (أمكانية الأداء) يستخدم
في الغالب لوصف مالايمكن وصفه ، وهو الهدف الأيحائي المخفي الذي يفترض أنه
موجود ضمن النص المكتوب.
ومن وجهة نظر المترجم فأن مفهوم أمكانية الأداء يمكن أن يبعد المترجم عن دوره حيث سوف يؤدي ذلك الى تضاؤل دوره / أو دورها ليصل الى مستوى الشخص الفني البسيط ، أما الجانب الأدبي للترجمة فسوف يتولاه شخص آخر. وأذا كانت فكرة أمكانية الأداء تمثل واقعا تاريخيا حين يتعلق الأمر بالمسرحيات القديمة ، وفق تصورات فلورينس دوبونت ، فأن القضية تاخذ منحى آخر حين لايكون للنص دور شاهد أجتماعي ثقافي لحضارة أخرى.
أن مثال (الذهان) 1 psychosis الذي طرحته سارة كين Sarah Kane يطرح أسئلة عن أمكانية الأداء وطبيعته وأن تعلق الأمر بالنص الأصلي ذاته. وغالبا مايشار الى الذهان بصفته يمثل مناجاة المرء لنفسه لكن هناك أكثر من صوت في هذا الشأن ، حيث أن هناك صوتين في المسرحية يفسران في الأعم الأغلب على أنهما مريض وطبيب نفساني. والمسرحية (تتشكل) حول حوار نما مع أستخدام علامات الترقيم لأضفاء نظام(محدود) في نسق الكلمات. ولاتوجد ثمة دلالات مسرحية بمنأى عن تلك (البنية) ، كما لايمكن وصف حركة الشخصيات ولاتوجد حتى مقترحات بهذا الخصوص.ويمكن طرح السؤال الآتي: اين يكمن مفهوم أمكانية الأداء في (الذهان)؟ ويمكن أن يمثل الذهان تحديا ما فهل أن النص قد كتب في الأساس لكي يعرض على خشبة المسرح؟ هنا تلتقي المسرحية (منولوجها) الذي يشكل صعوبة ثنائية أمام المترجم ، فالتوجه الأول ينظر أليه بأعتباره نثرا. ولايوجدهناك ثمة حوار مما يجعل العنصر الديناميكي للنص المسرحي غائبا مما يسهّل عملية نقله.غير أن قابلية التنفيذ للمناجاة يمكن أن تكون صعبة للغاية أيضا.
وتقدم مسرحية La nuit juste avant lest forets للكاتب بيرنارد ماري كولتيس Bernard – Marie Kolties مثالا بارزا عن صعوبة ترجمة المناجاة فأذا كانت كلمات المسرحية أقرب الى النثر من النص المسرحي العادي فأن الأيقاع والجانب الديناميكي يشكلان أهمية كبيرة للغاية. لقد كتب النص ليمثل على خشبة المسرح ولكي يجسّد بصفة فعل حي ، عليه يتعين على المترجم أن ينقل هذا الجانب الحي من النص. في هذا السياق يمكن أن تكون ترجمة المناجاة ذات صلة بترجمة الشعر أكثر من النثر حيث أن مفهوم أمكانية الأداء مسالة تتعلق بالأيقاع وكذلك (نفس) النص الحي.
وترى سوزان بازنت أن تعبير (أمكانية الأداء) قد استخدم في مسعى لتسمية مالايمكن تسميته وهي تطرح تساؤلات تتعلق بوجود مثل هذا التعبير:(النص الأيحائي الموجه أفتراضيا في أطار النص المكتوب). ثم تشير الى التنوع المتعدد الذي يحصل في الأنتقال من النص الأصلي الى النص الهدف لدى عملية الترجمة. وكثيرا مايتم تفسير (أمكانية الترجمة) على أنه يجسد الحاجة لأعطاء المسرحية المترجمة أيقاعا كلاميا طليقا وحركات يمكن أداءها من جانب الممثلين بهدف جعل المسرحية قابلة للأداء بصيغتها المترجمة. على ان واقع أمكانية الأداء لدى ترجمة نص مسرحي لابد أن تأخذ ابعادا أخرى. ومثل هذه الرؤية للكلام السلس لأمكانية الأداء الحقيقية تتسم بكونها أختزالية: فهل العمل الذي قام به المترجم يحمل صفة النقل اللغوي البسيط؟ فحين تكون الجملة سلسة للغاية في النص الأصلي وتحمل تأثيرا أجتماعيا ثقافيا يفهمه الجميع ، ترى ماالذي يتعين على المترجم فعله حتى يفلح في المحافظة على هوية الجملة في النص الهدف؟ ولاشك أن أمكانية الأداء وفق هذا السياق تتسم بالثبات ولايرقى اليها الشك. غير ان الدلالة الثقافية ، وهو أمر واقع في الثقافة الأصلية ، ربما تكون مبهمة الى حد بعيد لافي الثقافة المستهدفة فحسب ، فالجملة تفقد (قدرتها على الأداء) لدى ترجمتها وأن ظلت اللغة سلسة في النص الهدف. ويمكن أن نجد الكثير من الأمثلة عن تلك الصعوبات في المسرحيات البريطانية الحديثة مثل مسرحية جوناثان هارفي Jonathan Harvey الموسومة (شيء جميل) Beautiful Thing ، حيث نلاحظ أن العديد من المشاهد تستخدم الدلالات الثقافية التي تتصف بكونها (بريطانية) حد النخاع وعليه لايمكن ترجمتها الى لغة أخرى. وهنا يتعين على المترجم أن يسأل نفسه عن مكمن مفهوم أمكانية الأداء في أطار مثل تلك الظروف. هل الترجمة البسيطة الى كلام سلس يبدو أمرا (حقيقيا) / واقعيا في الترجمة الهدف وتعتبر كافية أم ان النقل الثقافي يعتبر أكثر أهمية؟ أن الوضع المثالي هو في الحفاظ على الأثنين معا غير أن ذلك يبدو مستحيلا في بعض الأحيان. وهذا الأمر يظهر لنا أن مفهوم أمكانية الأداء ليس فنيا ولغويا فحسب أنما له جانب ثقافي كبير. تجدر الأشارة أن هناك بعض العناصر التي تتسم بكونها ممكنة الأداء بشكل واضح في لغة أو ثقافة أخرى.ومثل هذا الرأي يتوافق مع وجهة نظر سوزان بازنت بخصوص الطبيعة المتغيرة المتأصلة لمفهوم أمكانية الأداء (أذا تم وضع جملة من المعايير لتحديد أمكانية الأداء لنص ما فأن مثل هذه المعايير سوف تتغير بشكل متواصل من ثقافة لثقافة أخرى ومن فترة زمنية الى فترة زمنية اخرى ومن نص معين الى نص آخر).
وتورد بازنت في كتابها (دراسات في الترجمة) رأي روبرت كوريكان Robert Corrigan الذي ذكره في مقالته عن الترجمة للممثلين حيث يشير كوريكان الى ان على المترجم ان (يسمع الصوت الذي يتحدث ويأخذ في الحسبان ’ايماءات’ اللغة) أثناء عملية الترجمة. ومثل هذه العملية تسير بأتجاه أختيار يقوم به المترجم وهي فكرة قامت بازنت بتطويرها في مقالتها الموسومة(قضية ضد أمكانية الأداء):(ماينجم عن ذلك أن كل مترجم يجب أن يحدد قاعدة خاصة تشكل نصا قادرا على التحدث للممثلين).
أن مفهوم الأختيار الذي أشرنا أليه آنفا نشأ من التغيير الذي طرأ على وجهة نظرها حول أمكانية أداء النص المسرحي حيث تذكر في كتابها (دراسات في الترجمة):(أذا واجه مترجم المسرحية معيارا أضافيا يتعلق بقدرة المسرحية باعتبار أن ذلك يعتبر متطلبا جوهريا فأنه مدعو للقيام بشيء مختلف عن مترجم أي نص آخر). أضف الى ذلك تقر بازنت بوجود خصوصية للترجمة المسرحية بما يتوائم وهدفها النهائي وهو قيام الممثلين بالأداء على خشبة المسرح ، وهي بذلك تتقبل الى حد ما معيار أمكانية الأداء في عمل المترجم. وقد أشارت لاحقا في مقالتها (قضية ضد أمكانية الأداء):(تتسم الأفتراضات حول العلاقة بين النص المكتوب والأداء في مجال الترجمة المسرحية بكونها مفرطة في التبسيط وتستند الى مفهوم المسرحية المقيّدة الى حد بعيد). وهي ترفض مفهوم أمكانية الأداء بأعتبارها المعيار الرئيسي الذي يتعين الألتزام به لدى ترجمة المسرحية وهي لاتفند بشكل مطلق وجود علاقة قائمة بين النص ذاته وتمثيله مستقبلا على خشبة المسرح أنما تعميم مثل هذا المعيار. ثم أن التباين بين النصوص المسرحية وطريقة فهم ترجمتها قد أشير اليه في عملها المبكر.
تغدو مشكلة أمكانية الأداء في الترجمة أكثر تعقيدا من خلال تغيير مفاهيم الأداء….
علاوة على ذلك تختلف أساليب التمثيل ومفاهيم المسرح الى حد كبير في القرائن الوطنية
المختلفة ، وهذا الأمر يمثل عنصرا آخر للمترجم يتوجب أخذه في الحسبان.
تجدر الأشارة هنا أن من غير المتوقع أن يقوم المترجم بترجمة الأعمال الكلاسيكية الفرنسية مثل المسرحيات الشعرية التي كتبها راسين Racine أو كورنيل Corneille بالطريقة ذاتها التي يترجم فيها مسرحيات أرجنتينية حديثة مثل تلك التي كتبها رودريكوغارسيا Rodrigo Garcia. ويكمن الأختلاف غالبا في المناهج المتباينة تماما لهذين النمطين من الأعمال الأدبية في مايخص التمثيل المسرحي. من هنا يبدو أن أمكانية الأداء لنص مسرحي ما تأتي من النص ذاته ومحيطه الأجتماعي الثقافي وهويته. وفي بعض الأجناس الأدبية ينظر الى مسألة أمكانية الأداء بأعتبارها تمثل مركز الثقل في الترجمة كما حصل في المدرسة الطبيعية Naturalism الأسكندنافية في نهاية القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين فقد عمل كتاب المسرحيات الطبيعيين بشكل وثيق مع المخرجين في أرجاء مختلفة من أوربا وخاصة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأحيانا الدول الأسكندنافية. وكانت للترجمة منزلة مهمة في المدرسة الطبيعية بشكل خاص وأن هذه الحركة اعقبت فترة تاريخية شهدت تدويل الأدب حيث تطلع الكتاب الى ان تصل كتاباتهم الى بلدان أخرى وفي لغات أخرى. وكانت للكتاب الطبيعيين الأسكندنافيين الرغبة في الحصول على الأعتراف الدولي وكانوا يشعرون بجاذبية تجاه المراكز الثقافية الأوربية مثل باريس أو برلين أو لندن حيث ظهرت بعض الشخصيات الغامضة في الأوساط الأسكندنافية في أوربا مثل الكونت موريس بروزر Count Maurice Prozor الذي اصبح لاحقا المترجم الرئيسي للطبيعيين الأسكندنافيين لكنه كان أيضا القطب الثقافي الأجتماعي لتلك الحلقة من الفنانين الأجانب وعمل وكيلا لغالبية الكتاب حيث عمد الى نشر المسرحيات والعمل في الغالب على تاديتها على المسرح في باريس.
ويعتبر بعض الباحثين الفرنسيين ترجمة المسرحيات الطبيعية بمثابة ميلاد الترجمة المسرحية الحديثة. وكان الطبيعيون من خلال المواضيع التي يتناولونها والأسلوب الذي يستخدمونه يهتمون كثيرا بطريقة ترجمة مسرحياتهم حيث عمل كتاب مسرحيون مثل هنريك أبسن Henrik Ibsen وأوغست ستريندبيرج August Strindberg على نحو وثيق مع المترجمين للحفاظ على طبيعة مسرحياتهم. ولاشك أن كتاب المسرحيات يهتمون كثيرا بمفهوم أحترام الكلمات الأصلية. وكان ابسن على سبيل المثال يحتج لدى بروزر حول رداءة الترجمة الجديدة وكان يطلب منه أنتاج ترجمة جديدة تطلعا الى تمثيل أفضل.
أن فكرة الأنتقاء التي يلجأ اليها المترجم أثناء عملية الترجمة وكذلك الأتجاه الذي ينتهجه في ترجمته أمران واردان في الدراسات الترجمية وخاصة في الدراسات الأخيرة. ومثل هذا المفهوم لايتبلور بصفة (أنتقاء أرادي) غير أنه يضع المترجم في موقف التفسير.
ويمكن النظر الى بنية العمل الفني الدرامي (المتكامل) بصفة سلسلة من التفسيرات المختلفة مما يجعل مفهوم الأخلاص المطلق للنص الأصلي أمرا مستبعدا. أن مسار البنية الدرامية يبدا من عقل الكاتب المسرحي وخياله الذي يتعين عليه بعدئذ ترجمة أفكاره الى علامات لغوية. والخطوة الأخرى هي قراءة النص المكتوب حيث يحتمل أن يتحقق التفسير الأول. ثم يأتي بعد ذلك دور مخرج المسرحية الذي سوف يفسر المسرحية أيضا لكنه سوف يقوم بأشياء أخرى ، فهو على سبيل المثال سوف يجعل المسرحية ملكا له الى حد ما من خلال تنظيم أخراجه متأثرا بفهمه وخياله ووجهة نظره ليبتعد عن الهوية الأصلية التي سعى اليها الكاتب المسرحي. وعملية الأخراج عملية جماعية كما أن التفسير الحاصل يتضاعف في مابعد. وتبرز عندئذ رؤى مختلفة منها رؤية المخرج المسرحي والممثلين أضافة الى المجموعة المبدعة ذات الصلة بأخراج العمل المسرحي.
أن (المسار) الذي تاخذه البنية والذي يتضمن تفسيرات عديدة في صياغة مسرحية ما تضع ترجمة النص المسرحي في خطوة تفسير اخرى ربما تتحكم في بقية السلسلة مما يجعل المترجم ممثلا مهما للغاية في بناء العمل الفني.
وتشير كيكي كوناريدو ، في المقدمة التي كتبتها في العدد الخاص (2001) من مجلة (التحول) والتي كرست لترجمة المسرحية:(تقع الترجمة من أوجه عديدة ضمن الأطار الكبير للتفسير والمحاكاة فالترجمة مثل المسرحية تأخذ صيغة كلام مضاعف ، حاضر وغير حاضر في الوقت ذاته وتشمل كلا من الواقع والخيال).وتطرح أيضا سؤالا يشكل في الغالب مركزا لدراسات الترجمة المسرحية في ايامنا هذه:(هل بالأمكان نقل كل من الجانب المسرحي والمعنى من خلال الترجمة من نص مسرحي معين الى نص آخر ومن ثقافة الى أخرى؟ وهل الترجمة تمثل نسخة للأصل أم هي تفسير له؟
وهي تتحدث عن العلاقة المحتملة المتعلقة بالأخلاص أو عدم الأخلاص للنص الأصلي وتتسائل عن طبيعة ترجمة المسرحية:(هل هناك شيء يسمى بالترجمة الحرفية؟) وماالفرق بين الترجمة والترجمة بتصرف؟ ولوعدنا الى مثال كتّاب المسرحيات الطبيعية الأسكندنافيين فأن الولاء للنص الأصلي والتمسك به كان يمثل معيارا مهما لما يمكن توقعه من المترجم. وكانت الرغبة تحدو الكتاب بأن تظل الرسالة التي يطلقونها سالمة دون أدنى تغيير لدى نقلها الى الجمهور الأجنبي ، ولذا يطلبون من المترجمين أحترام كلماتهم. ولاشك أن مثل وجهة النظر هذه تتقاطع مع مفهوم التصرف بالنص الأصلي. وترى فلورينس دوبونت أن ترجمة المسرحيات القديمة لايمكن أن تكون (ترجمة بتصرف) يقوم بها المترجم أزاء (الثقافة واللغة الهدف وكذلك التقاليد). ويمكن النظر الى ذلك باعتباره شاهدا على تقاليد الملهاة القديمة وهويتها ، كما يمكن النظر الى الأمر بأعتباره رؤية متطورة جدا بخصوص مفهوم امكانية الأداء.مع ذلك يبدو أن كتاب المسرحية والمخرجين غالبا هم الذين يجيبون بقوة على مسالة الولاء وأمكانية الأداء في مايقوم المنظّرون بالأجابة في بعض الأحيان. ويسعى معظم المترجمين والباحثين الى أبقاء هذه المسألة مفتوحة بهدف تطوير حقل الترجمة وتوسيع احتمالاتها.
وهكذا يظل مفهوم أمكانية الأداء بصفته معيارا للترجمة المسرحية مفهوما واسعا وغامضا يفتقر الى التعريف العملي ويبدو أنه يمتلك وضعا ثابتا في مايتصل بسائر الدراسات ووجهات نظر الباحثين حيث ان تنوعها الكبير يعتمد على النص الذي يتعاطى معه المترجم وطبيعته.
الخلاصة
هناك العديد من المدارس الفكرية المختلفة بخصوص ترجمة المسرحية وعلم علامات المسرح semiotics الذي يستخدم في الترجمة. ولاريب أن طبيعة ترجمة المسرح تحتل مركزا محوريا في هذا الأطار: فهل يعمد المترجمون الى نوع من التصرف بالنص الأصلي لدى الشروع بالترجمة؟ وهل يمكن تصور مفهوم التقيد المطلق بالنص الأصلي؟
ووفق رؤية لويجي بيرانديللو Luigi Pirandello فأن مفهوم الأخلاص يعتبر مفهوما مستحيلا لأن المترجمين (يزيفون) النص الأصلي! مع ذلك هناك (مفارقة) في الترجمة يتقبلها بيرانديللو. غير ان الكاتب الروسي غوغول Gogol ينظر الى الترجمة المثالية باعتبارها (مرآة شفافة للغاية يستطيع القاريء من خلالها أن يطلع على النص الأصلي ، وبذا يعتبر الأخلاص معيارا مهنيا وهو بذلك ينسجم في رأيه مع رأي الطبيعيين).
وتقارن سيركو آلتونين Sirkku Aaltonen الأستاذ في كلية الأنسانيات في جامعة فاسا Vasaa الفنلندية النص (بالمباني الشققية ، وهي أماكن يتم أشغالها والسكن فيها لفترات زمنية من جانب ساكنين مختلفين) ، وتذهب الى أن (النصوص لاتتقيد بقراءات محددة وأن كل قراءة لنص ما ينجم عنها نص جديد). أما موقفها من الترجمة المسرحية فتتوافق مع فكرة سلسلة التصرف بالنص أبتداء من كتابة النص الأصلي ومايتبع ذلك من خطوات عديدة تتصل بالترجمة المسرحية.
يساهم كل من كتاب المسرحيات والمترجمون والمخرجون المسرحيون ومصممو
الأزياء والمسرح وتقنيو الصوت والضوء في خلق النصوص المسرحية لدى الشروع
بالتعاطي مع تلك النصوص.
ويمكن أيضا أن نجد مثل هذا التعارض في الآراء في الحقل العلاماتي الخاص بالمسرح وهو حقل الترجمة دون شك. وترى آن أوبرسفيلد Ann Ubersfelf (أن النص المسرحي لايمكن فصله عن العلاقات التزامنية لأدراكه). وهي تتناول أيضا (توقف كل من النظام الكلامي وأنظمة العلامات الأخرى وكذلك اسبقية النظام الكلامي عليها).
من جانب آخر يتحدث بيتر بافيس Peter Pavis عن كيانين منفصلين مع نظامي علامات مختلفين هما طبيعة العلامات والأخراج المسرحي. وهما ليس متواقفان أنما متزامنين دون أن يكون لأي عنصر منهما أفضلية على الآخر. لكن بافيس لم يذهب الى الأعتقاد بوجود النظامين لوحدهما. وهذا أيضا رأي تادو كوزان Tadeus Kowzan الذي يرى أن النص المكتوب يمكن أن يعمل خارج النظام المسرحي ، كما أن النظام المسرحي يمكن أن يشتغل دون النصوص المكتوبة.
ويبدو أن وجهة النظر الأخيرة هذه تتوافق مع التطور الحديث لنمط من المسرح التجريبي متمثلا على سبيل المثال في أعمال رودريكوغارسيا Rodrigo Garcia حيث لايمثل النص المكتوب مكانا جوهريا في التمثيل. كما أنه يقلل كثيرا من أهمية أمكانية أداء النص في العمل الترجمي فالنص المسرحي قائم بذاته ولايتعين التفكير به بأعتباره جزءا من تمثيل محتمل على خشبة المسرح. وهكذا يكتسب النص (كيانا كاملا) مع أمكانية استقلاليته ، وبذا يتحرر المترجم من مسؤولية أمكانية الأداء.
وتتطرق سيريكو ألتونين الى أستراتيجيتي ترجمة تختلفان عن أمكانية الأداء والتثاقف acculturation والمحايدة neutralization ، وهي تؤكد أستحالة تفادي شكل من أشكال المثاقفة لدى ترجمة نص مسرحي. ويكتب منظر الترجمة رومي هيلين Romy Heylen عن(مقياس التثاقف) الذي يعارض (النصوص الأجنبية) حيث تظل الهوية الأجنبية للنص الأصلي ثابتة وكذلك (المثاقفة الكاملة) التي (تطبّع) و (توطّن) سائر العناصر الأجنبية للنص التي لايمكن نقلها لثقافة اللغة الهدف.
أن العدد الخاص لعام 2001 من مجلة (التحول) التي قدمت لها كيكي كوناريدو تظهر أهمية كل تلك المسائل والمناقشات لدراسات الترجمة في مايخص النشاطات المهنية لمترجمي المسرح مما أثر على عملهم وأنتاجهم وأشر الأهمية المتنامية لمظهر النقل الثقافي للترجمة المسرحية والتي لاتعتبر ترجمة لغوية بسيطة. من جانبهم يحاول المترجمون والباحثون تعريف نشاط الترجمة المسرحية والتنظير له. ويبدو أن هناك العديد من المفاهيم المتعارضة أحيانا ، المتعايشة مع بعضها والتي تجعل الدراسات المتطورة حديثا منجم ذهب لباحثي دراسات الترجمة. كتبت كيكي كوناريدو في مقدمتها:(تتضمن ترجمة نص مسرحي أدراكا لمجموعة مباديء متعددة: كيف نتوصل الى مستويات مختلفة من المعنى الثقافي ، وكيف لنا أن نعيد بنية هوية الشخصيات ، فضلا عن كيفية التأكيد على النزاعات وتحقيق القوة العاطفية وتحفيز العمل الدرامي).
وهي تؤمن الى حدما بفكرة أمكانية الأداء وتختار كلمة (مجموعة المباديء / أو القوانين) لتحديد عمل المترجم.بيد أنها تعرّف أمكانية الأداء بأعتبارها مجموعة كبيرة من المعاني الثقافية والعاطفية التي ينبغي نقلها من اللغة الأصل الى اللغة الهدف. وهي لاتشير اليها بصفتها تمثل (القدرة على التحدث) ورشاقة اللغة. أضف الى ذلك فأن تعريفها للترجمة المسرحية يبرز مفهوما شاركها فيه وطوره باحثون ومنظرو ترجمة آخرون. وهذا المفهوم يتمحور حول فكرة أن المترجم يمثل جزءا كاملا للبنية الفنية لعمل فني درامي ما. وهي تستخدم كلمات يمكن تداولها لتحديد عمل المخرج المسرحي لكنها تستخدمها لعمل الترجمة. وهي تعطي المترجم دورا فنيا لايمكن أنكاره في تمثيل مسرحية ما. وتعطي (آيريس كلوسي) Iris Klosi ، من كلية تيرانا Tirana في البانيا ، في مقالة لها بعنوان (بين النظرية والتطبيق في الترجمة المسرحية) الأهمية ذاتها الى المترجم مثلما فعلت كيكي كوناريدو:(يعمل المترجمون على التوسط بين لغتين وثقافتين في مايمثل تطوير الترجمات مع الممثلين شيئا مثمرا للغاية، وهذه المعلومات لايمكن الحصول عليها أذا (ماحصلت الترجمة في المستوى اللغوي الصرف). وهي تؤيد وجود تعاون وتنسيق بين المترجم والمخرج المسرحي وهي الفكرة التي دافع عنها باتريس بافيس الذي اشار الى أن الترجمة الحقيقية تحصل على مستوى الأخراج المسرحي في أوسع نطاق.
ومثل هذا المفهوم للترجمة المسرحية يعطي دورا اكبر للمترجم الذي غاليا مايقلّل من شأنه ولايقيّم كما تشير بازنت في مقالتها:(قضية ضد أمكانية الأداء) حين كتبت عن أقتصاديات المسرح البريطاني. تنصح هذه المقالة المترجم بأن يعمل جنبا الى جنب مع (الأشخاص المبدعين) المسؤولين عن التمثيل فهو جزء من العملية برمتها وهو يقدم شيئا للأخراج المسرحي والتمثيل من خلال استخدام معرفته اللغوية والثقافية. ويتضمن ذلك تاثير الترجمة على طبيعة التمثيل وكذلك تاثير المترجم نفسه / نفسها.
وتورد كيكي كوناريدو في مقدمتها تجربة اجرتها في صفها الدراسي في مسعى منها للحصول على اجابات عن سؤالها حول الترجمة سواء جاءت منسوخة أو انجزت بتصرف فضلا عن تأثير أختيارات المترجم على هوية النص المترجم. وقد سألت عددا من طلبتها لقراءة ترجمات أنكليزية مختلفة لمسرحية راسين Racine الموسومة (فيدرا) Phedre. وقد كتبت حول ذلك:(كانت النتائج مدهشة فقد ذكر الطالب الآول أن (فيدرا) كانت أمرأة مجنونة وكانت بالنسبة للطالب الثاني ملكة مبجّلة وكانت للطالب الثالث مجرد أمرأة عانت من ظروف كانت خارج سيطرتها).بعد ذلك تتوصل الى نتيجة مفادها أن المترجم يؤثر على عمله الترجمي ومن ثم يعمل على التصرف بالنص الأصلي وفق فهمه ووجهة نظره: ( … لقد سبق التفسير النص الأصلي ومن ثم اصبح التفسير هو الأصل).
—————————————————————————————
1 نوع من الأضطراب العقلي ينسحب فيه المرء من عالم الواقع حيث ينشيء عالمه الخاص. (المترجم)

https://www.academia.edu/15311815/Problems_Of_Theatre_Translation_In_Translation_Studies

.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close