الورائية!!

الورائية!!
مصطلح يُراد به الإلتفات المتواصل إلى الوراء وعدم القدرة على رؤية مواضع الخطوات , ويشير إلى سلوك تراجعي إتلافي خسراني لا يساهم في بناء الحاضر وإدراك متطلبات المستقبل.
ويبدو أن العقل العربي تغلبُ عليه النزعة الورائية , وما يتصل بها من سلوك وتفاعلات ذات محصلة خسرانية تدميرية فادحة.
فالسائد أن ينظر إلى الوراء وربما ينظر إلى الوراء تسعة وتسعين بالمئة وواحد بالمئة حوله وإلى الأمام , وهذا السلوك يتسبب بأضرار حضارية جسيمة ومروعة , ويمكنه أن يفسر ما وصل إليه الواقع المعاصر وما تحشد فيه من طاقات الخراب والدمار.
ومن الواضح أن الطامعين بالعرب يعرفونهم أكثر من معرفتهم لأنفسهم , ولهذا تحقق الإستثمار الكبير في ميادين التفاعلات الورائية , وتم تغذيتها إعلاميا وخطابيا وماديا وتعبويا , حتى طغت على السلوك المجتمعي , وأوجدت حالات خارجة عن العصر وذات تطلعات فتاكة ماحقة.
فما يدور في الواقع أصله وجوهره يكمن في هذه العاهة السلوكية المقيمة , المتمكنة من الفكر والرؤية والتصور والتفاعل القائم ما بين الناس , فلا يخلو لقاء أو حوار بين الناس إلا وتسيّدت فيه الورائية وتمكنت من الهيمنة , ومنعت النظرة إلى الواقع المعاصر بعيون القدرة على التحليل العلمي الموضوعي النافع لتأمين الوصول إلى حل مفيد.
فلو نطقت بفكرة أو كتبتَ في موضوع قائم واجهك الورائيون برؤاهم الراسخة , وقالو لك بأنه كذا وكذا لأنه قد كان كذا وكذا قبل مئات السنين , أي أنهم يمتلكون إستنتاجات وخلاصات متمكنة منهم وتمنعهم من التعامل الواعي الموضوعي مع التحديات المتجددة.
فعندما تحاول أن تقرأ التفاعلات الإجرامية العاصفة في الواقع الدامي بعيون معاصرة وعلمية ودراسة بحثية رصينة , يقفزون أمامك مسفهين ومفندين بقولهم إنهم خوارج العصر , وقد حصلت في زمن هذا الخليفة أو ذاك ولا جديد في الأمر.
وإذا واجهتم بواقع الحال القائم وما يجب عمله وتأكيده لصناعة الحياة الأفضل , قالوا أنه النظام السابق والعهد السالف , وكل ما يجري ويدور بسببه لا غير , ولا ناقة ولا جمل لنا بما يحصل , وعندما تسائلهم عن الظم والقهر والحرمان , أجابوك فورا لقد عملها السابقون!!
هذه أمثلة مروعة عن ممارسة الورائية , وبسببها لم يتمكن العرب من إيجاد حل أو التحرر من قيود “مضى وما إنقضى” , وبرغم تعري الدنيا أمامهم , وتمثل العالم على شاشة صغيرة عندهم , إلا أنهم ينحشرون في ورائيتهم ويتعفنون فيها , ويعبّرون عن جراثيمها وأوبئتها , المعبّأة بأوعية دينية ومغلفة وفقا لأحدث أساليب التسويق والتوزيع الطاعوني الطباع.
فهل من نداء “إلى الأمام سِرْ” , يا عرب؟!!
د-صادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close