من أزمنة  بيروت الغابرة  : دعوة  إلى مبارزة 

بقلم مهدي قاسم

كان الوقت متأخرا جدا ، حتى يكاد يقارب منتصف الليل  ، حينما رن جرس البيت ، بالطبع لم نستغرب من  رنين الجرس في هذا الوقت  المتأخر، لكوننا  قد تعوّدنا على أن هناك  دائما أحدا ما من أصدقاء أو معارف ، سيأتي حتما لينام عندنا في البيت ، لكونه بلا مأوى ، حيث كانت ” بيروت الغربية ” في الثمانينات من القرن الماضي تكتظ آنذاك بمئات من عراقيين معارضين أو باحثين عن أنفاس حرية وانطلاق بلا قيود .

كان المستطرق في هذه المرة هو الرجل الودود والأنيس المسالم  الشاعر الراحل آدم حاتم  ــ كان اسمه الحقيقي سعدون حاتم ــ  ذلك  المتشرد الأبدي ، طبعا عن رغبة وإرادة حرة ، و الذي كان أحيانا ينام عندنا ليلا و يختفي نهارا ، مقضيا أوقاته في مقاهي وبارات رخيصة بصحبة صديقه و ظله الملازم دائما ” أبو روزا ” . في هذه الأثناء كان القاص سمير أنيس ـ اسمه الحقيقي حميد كاظم ــ  وهو شريكي في السكن  ـــ و الذي كان معتكفا في الصالة يشاهد التلفاز ، قام مرحبا بآدم  (كانت تربطهما علاقة صداقة  قديمة و حميمة من أزمنة  بغداد )  رحب به بلسان ثقيل ومعوّج ، بعدما كاد أن يجّهز عن بكرة أبيها على قنينة  ” الربعية ” التي تعوّد أن يشتريها  بالدين من محل” أبو علي ”  مساء كل يوم تقريبا ..

نظر آدم حاتم  بأسى وحسرة ، نحو القنينة التي كادت أن تكون خاوية إلا ما يدعم الثمالة ، تفرس إليها بنظرات منكسرة كمن يعاني من ظمأ  شديد ورهيب غير قابل للمقاومة ، حيث ظل مستمرا في التحديق   إلى قعر “الربعية ” شبه الفارغة  إلا من بعض البقايا من  قطرات ترتعش متوهجة تحت تساقط أضواء ساطعة من مصباح”  النيون ” الطويل المثبت في وسط السقف المنخفض  ، محركا يده  بتردد خجول ولكنها على  وشك أن تتحول إلى انقضاض مباغت على  القنينة  ، غير  أن سمير أنيس ـــ   الذي بدأ يراقب الوضع باهتمام وحذر وتوجس متوتر مصحوبة بعدم رضا في الوقت نفسه ، محترسا من نوايا آدم المبينة ضد  القنينة ــ  فقد كان سبّاقا  وأسرع في خطف القنينة و أمسكها بقوة مفرغا إلى جوفه حتى آخر قطرة ، مثبتا عنق القنينة بين شفتيه لتسقط منزلقة ما تبقى من تلك  القطرات الثمينة كترياق نادر بالنسبة لكليهما في تلك اللحظة الحاسمة ..

انتابت أدم حاتم  حينذاك حالة من ذهول وخيبة  وأسى بتواز مع أسارير وجهه التي باتت تعبر عن انزعاج من عملية الإجهاز الصاعق من قبل سمير ،  وإذا به يقول فجأة موجها كلامه لسمير ، كأنما  كرد فعل أو تعويض معنوي مشروع على ذلك الحرمان القاسي لحقه المغبون في سلب  الغنيمة ،  فإذا به يقول مخاطبا سمير بتلك العبارة المباغتة التالية   :

ــ  أنت تحب الفلوووس أهوية موووو ؟!.

في البداية اندهش سمير لهذا القول  دون أن يفهم مغزى و عوامل ربط وصلة بين الوضع العام  السائد ، وبين تلك العبارة المتهكمة ……

  فصمت قليلا  ناظرا إلى آدم  بتحديقة ساخرة  في البداية ، الأمر الذي جعل ملامح وجهه تبدو مخسوفة  ومرتعشة ، بحكم ارتعاشات عديدة ومختلفة تعابير داهمت أسارير وجهه بين لحظة وأخرى مشوبة  باصفرار مفاجيء في آن ، حتى بدا وكأنه  سينفجر بضحكة قوية أو بكاء مرير ، ولكنه بدلا من ذلك رد عليه بنبرة ثقيلة ولكنها كانت تتحول شيئا فشيئا إلى دمدمة غاضبة وشبه مفهومة :

ــ العمل ليس عيبا ، وانما  التسكع  طوال النهارهنا و هناك ثم طرق أبواب الناس ليلا متأخرا وإزعاجهم ، فهذا هو الشيء المعيب حقا ..

فرد آدم بلهجة ازدراء كأنما إمعانا  في إثارة استفزاز وروح تحدِ :

ــ العيب الحقيقي يكمن في أن شاعرا أو قاصا  يعتبر نفسه ثوريا  وهو يعمل في نفس الوقت في مؤسسات صحفية وإعلامية  مدعومة بفلوس الأنظمة العربية القمعية ..

وكان آدم بذلك يقصد مؤسسات المقاومة الفلسطينية التي كان سمير أنيس يعمل من خلالها محررا في إذاعة صوت الثورة الفلسطينية ، حاله في ذلك ، حال كثيرين من كتّاب وشعراء وصحفيين عراقيين الذين غادروا العراق إلى بيروت  رفضا للممارسات القمعية للنظام الديكتاتوري السابق ..

وإذا بسمير يحتد أكثر فأكثر بنوبة غضب واهتياج ، فخطف بغتة إناء  فيه بقايا ” سلاطة أو مزة ” متخذا هيئة تهديد وعراك ، وهو بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه الخائرتين بفعل تأثير الكحول الكاسح ليردف مدمدما :

ــ وأنت أيضا كنت تعمل في البداية مقاتلا في المقاومة ، وفيما بعد محررا في إحدى جرائد منظمات المقاومة الفلسطينية ، ولكنهم طردوك لكونك انتهيت سكيرا وحشّاشا ميؤوسا من أمر إصلاحك تماما  ..

في هذه الأثناء كان آدم حاتم  قد وقف ماسكا  هو الآخر ماعونا فارغا ، بوضع مدافع ،  متأرجحا  بقامته المديدة ، بالكاد يستطيع الاحتفاظ على توازنه المهتز  !(  لكونه هو أيضا كان محتسيا  من كحول بما  فيه الكفاية ، و ذلك قبل أن يأتي إلينا ليكمّل السهرة مع  صديقه سمير ) ثم  أخذا يقومان  بحركات تهديدية  ومحاولات هجوم  متبادلة دون تنفيذ مباشر ،  ولكنها كانت تنتهي في النهاية إلى حركات  مضحكة  ، أقرب ما  ما تكون إلى مشاجرة أطفال صغار مثيرة لضحك و طرافة  ليس إلا ..

 بينما كنتُ بدوري أبذل جهدي قدر الإمكان  ليكفا عن الشجار و يجلسا أخيرا بهدوء ، وأكثر ما كان يقلقني هو تخوّفي من إزعاج الجيران بسبب الشجار المصحوب بالصياح و خاصة بعد منتصف الليل حيث الصمت والسكون ، وما أن أفلحت  في ذلك و جعلتهما يجلسان ليلتقطا أنفاسهما ، حتى عاد  سمير أنيس فجأة  ليصيح  في وجه آدم من جديد ، لكي  يحسم المشاجرة  بضربة قاضية ــ طبعا كلاميا ــ

ــ يلا ..أطلع من البيت !..

عند ذاك نهض آدم مترنحا ، متجها نحو الباب ، و من هناك نحو المصعد بخطوات مرتبكة  ومتعثرة ، فخرجتُ أنا أيضا  في أعقابه ملتحقا به ، ربما تضامنا معه ، لكونه  يُطرد من ” بيتنا ”  في الوقت الذي  يفتقر فيه إلى مأوى يقضي فيها ليلته ، و إذا به  الآن يهيم على وجهه وحيدا خائبا في ليلة شتوية باردة في مدينة غريبة .

وما أن خرجنا من بوابة البناية الى الشارع حتى  تناهى  إلى سمعنا  صيحة سميراميس وهو  يصيح بصوته الانفي الرفيع  والمتقطع مخاطبا آدم عبر البلكونة :

ــ جهّز نفسك غدا إلى المبارزة عند كورنيش البحر،  أجلب معك شاهدا ، فأنا سيكون مهدي شاهدي !.

فرد آدم بنبرة حماس و تحد ، كأنما فكرة المبارزة قد عجبته جدا :

ــ زين .. طيب  !.. سأكون أنا هناك بانتظارك .. حتى المسدسات لا تهتم بها  فسأجلبها  من عند ” أبو هدى ”   !..

رافقتُ آدم حاتم إلى  مكتب جريدة ” القاعدة ” ، حيث كنتُ اعمل محررا ثقافيا ، لينام هناك ، حيث كانت يوجد هناك عديد من غرف فارغة وبعضها كان مفروشا بعض الشيء ، ثم رجعت إلى البيت ناعسا بأجفان مثقلة ، لأغط في نوم عميق تخللته مشاهد مبارزة غامضة بين آدم وسمير وهما يطلقان الرصاص على بعضهما من قرب قريب !..

في اليوم الثاني نهضت متأخرا ما بعد الظهر ، وكنت جائعا جدا ،  فذهبت إلى مطعم توليدو في منطقة الفاكهاني  ، لتناول شيئا من الطعام ، فوجدت  آدم حاتم و سمير أنيس هناك يجلسان حول طاولة و يحتسيان البيرة بمزاج رائق  مع ألفة صداقية دافئة وحنونة ، مع ضحكات رنانة تأتي من صميم القلب مباشرة !، ز كان آدم حاتم يلقي ـــ وهو في نشوة سكر مرحة ، مقطعه المفضل  ـــ الذي كان دوما يردده عندما يكون في حالة انتعاش وغبطة  ـــ  مقطعا من قصيدة  للشاعر الهنغاري أتيلا يوجف ومفاده :

 ــ ” ما السعادة إلا امرأة شقراء وقدح من بيرة ” !ّ..

فيرد سمير أنيس بتناغم متواصل مقطعا شعريا ينسبه للشاعر الروسي بوشكين مطلعه :

 ”   منآي ، يا منآي ،

منآي الغريب ،

لم أجيء إليك بمحض إرادتي ،

 ولا قادني إليك حصاني الكريم

بل قادني إليك ، أنا الفتى الطيب ،

الأقدام و توثب الصبا

و السكر في الحانات ! . “

   فحييتهما وخرجت ، متفكرا بأنه لو جرت كل المبارزات على طريقة آدم وسمير لما خسرت البشرية شاعرا عظيما وهو في قمة عطائه الإبداعي مثل بوشكين !..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close