هكذا كانت اوضاع الدولة العثمانية !

هكذا كانت اوضاع الدولة العثمانية ! * د. رضا العطار

:

يعود الفضل في تهيئة هذا البحث الى امين كازاك استاذ العلوم السياسية في جامعة كولورادو والى عزت سوبرو مدير المكتبة الالكترونية في بيروت، اللذان لعبا دورا محوريا في توفير المصادر النادرة لهذا الموضوع علما ان معظم تاريخ فترة حكم الدولة العثمانية ما زال مخطوطا في خزائن الدول الاوربية والتركية وهي غير محقق ولا منشور.

اما عن تاريخ بدأ ظهور الاتراك، يقول بطرس البستاني :

اندفعت قبائل مغولية متوحشة من اواسط آسيا غربا واستقرت في آسيا العليا في بداية القرن الحادي عشر التي هي الان تركستان، فسماها الفرس توران ومن هنا نشأ لفظ ترك اما اليونانيون فسموها تيران ومعناها الطغاة.

مع بدأ العد التنازلي كانت الدولة العثمانية تغرق في وحل الفساد الاداري اكثر فاكثر حتى بلغ القاع، رغم محاولات بعض السلاطين اصلاح ما يمكن اصلاحه وانقاذ ما يمكن انقاذه – – فكنا نرى الادارة العثمانية في القرن الثامن عشر تبيع المناصب الادارية التي كانت وقفا فقط على (الدوشرمة) والدوشرمة هم المجندون من الشبان المسيحي البلقاني الذين احضروا اطفالا كأسرى حروب واسلموا وتربوا تربية عسكرية تركية صارمة، لا يعرفون معها ابا غير السلطان ولا امّا غير السلطانة .

نعم لقد كانت المناصب تباع بالجملة ولمن يدفع اكثر – – وكان يتعين على اصحاب المناصب ابتزاز المكاسب من وظائفهم باقصى سرعة وباقسى الاساليب الممكنة قبل ان يجري اقصائهم – وبذلك زاد الفساد وزاد ضغط الولاة على الناس.

وكانت اموال الاغنياء مهددة للنهب وثروات البيروقراطيين والمزارعين الذين يستثمرون الاراضي الضريبية، عرضة للمصادرة الاعتباطية عند وفاتهم من قبل السلطان ولم يكن هناك ضمان مؤكد للملكية العقارية او الزراعية او حتى المالية.

فماذا كان دور المثقفين في مثل هذا المجتمع المتهري، المائل للزوال بعد كل هذا ؟

كان بعض المثقفين الاتراك في هذين القرنين عبارة عن مجموعة من موظفي الدولة الادارية والذين لا يستطيعون الجهر بالحقيقة ونقد الواقع. ونادرا ما كان الكاتب التركي يعتاش من قلمه وادبه، فالاغلبية الساحقة منهم كانت كتاباتهم موجهة لمن هم في صالونات الباب العالي حتى يضمنوا رزقهم و يكسبوا المكانة الاجتماعية التي لم يستطيعوا تحقيقها من خلال طرق اخرى.

واذا كان هناك تاثير واهمية لدور بعض المثقفين في هذه الفترة فان هذا التاثير وهذه الاهمية كانت لصالح النظام السلطاني وما يتمثله من امتيازات عدة. فلا شك ان بعض المثقفين الاتراك كان شأنهم شان معظم المثقفين في البلاد العربية الخاضعة، من حيث انهم كانوا دعامة للنظام السياسي القائم اكثر من ان يكونوا اداة معارضة – ولكن علينا ان لا ننسى ان بعض المثقفين العثمانيين من جانب آخر استطاعوا في بداية القرن العشرين من خلال تنظيماتهم السياسية المتمثلة في (تركيا الفتاة) ثم (الاتحاد والترقي) القيام بثورة تاريخية على الطاغية السلطان عبد الحميد الثاني عام 1908 وخلعه.

فمن المفارقات التاريخية ان يكون بعض السلاطين في القرن التاسع عشر سببا في الثورة التي اطاحت بواحد من اعتى هؤلاء السلاطين في غروب الامبراطورية العثمانية – – وكان ذلك بفضل رغبة السلاطين في الانفتاح على الغرب وحضارته وثقافته، كما راينا هذا الميل في السلطان عبد العزيز الاول الذي خسر عرشه وحياته ثمنا لتلبيته دعوة نابليون الثالث لزيارة معرض الصناعات الفرنسية في باريس.

كما ان صلة العثمانيين بالغرب كانت للاستفادة من علومهم الحربية وانشاء مدرسة حربية فرنسية في العاصمة اسطنبول، كانت من العوامل التي ادت الى تخريج مجموعة جديدة من الضباط الاتراك ذات ثقافة حديثة، مختلفة تماما من ضباط الانكشارية التقليديين الذين قرأنا عن وحشيتهم واستغلال نفوذهم للاستحواذ على ممتلكات الرعية – – وقد اثمرت هذه البذور في العام 1923 عندما قام واحد من هؤلاء الضباط الغيارى الخريجين وهو كمال اتاتورك (1881 – 1938) بالثورة واعلان الجمهورية التركية والغاء الخلافة العثمانية.

* مقتبس من كتاب التكايا والرعايا لشاكر النابلسي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close