لالش معبد الديانة الإيزيدية في العالم شاهد على طقوس الإيزيديين وأمنياتهم

الشيخان / جبار بچاي

كانت نظراتُ القدّيسة يسار مال الله (اسم مستعار) وصمتها المتبوع بحسرة ثقيلة كافية للإجابة عن تساؤلاتي بشأن ظروف اختطافها، أنا القادم من الجنوب قاصداً معبد لالش في قضاء الشيخان نحو (60 كم) شمال الموصل، و(50 كم) شرق مدينة دهوك، المعبد الوحيد للديانة الايزيدية في العالم، والشاهد على طقوسهم وأمنياتهم، ويقع فيه قبر الشيخ عدي بن مسافر المقدس لدى أتباع هذه الديانة.

هناك مئات القدّيسات مثل يسار مررن بظروف تتقطع لها نياط القلب حين تعرض الايزيديون الى واحدة من أعنف عمليات الابادة من قبل تنظيم داعش الارهابي في الثالث من آب 2014، ووقع بقبضة التنظيم 6417 فرداً من أبناء هذه الديانة وفق ما يذكر ميسر الياس الشيخ مراد (ميسر الآداني)، وهو صحفي مهتم بالشأن الايزيدي، وعضو سابق في مكتب إنقاذ المختطفين الايزيديين بمحافظة دهوك.

إحصائيات..

يقول ميسر، -نازح ويعيش منذ عام 2014 في منطقة باعدرة ـ دهوك، إن “عدد الايزيديين في العراق كان 550 ألف نسمة، نزح منهم بعد غزوة داعش نحو 360 ألف نسمة، وهناك نحو 90 ألف منهم هاجروا خارج العراق، بينما وقع 6417 إيزيدياً في أسر داعش منهم 3548 من الإناث و2869 من الذكور، في حين كان عدد الناجين والناجيات 3528 بينهم 1199 إناث أكبر من سن 18 سنة و339 ذكور أكبر من 18 سنة و1040 أطفال اناث أقل من 18 سنة و950 أطفال ذكور أقل من 18 سنة”.

اما الباقون، وفق الآداني، الذي يحتل مرتبة شيخ، وهي الاعلى بين مراتب الديانة الايزيدية الثلاث “فهم مازالوا في قبضة داعش الارهابي وعددهم 2889 فرداً من كلا الجنسين منهم 1309 من الآناث و 1580 من الذكور”.

ويطلق الايزيديون (قدّيسة) على المرأة التي وقعت سبيّة (مختطفة) عند داعش، وبعد تحريرها (ناجية) يكنون لها الاحترام والتقدير، ويرغب أغلب الشباب الزواج من القدّيسات إكراماً واحتراماً لهن، وهناك 70 من الشباب تزوجوا ناجيات وفق إحصائية ذكرها مسؤول الديانة الايزيدية في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية في الإقليم خيري بوزاني.

الذي أضاف “المأساة التي تعرض لها الايزيديون في سنجار لاتزال مستمرة، فهناك 340 ألف إيزيدي يعيشون في 21 مخيماً منذ عام 2014 ويتعرضون لشتى الظروف لكننا نسعى لإعادة الثقة بأنفسهم ورفع التأثير السلبي الذي وقع عليهم خاصة ممن وقعوا في قبضة التنظيم وتم تحريرهم”.

يبعدُ معبد لالش عن مركز قضاء الشيخان نحو(9 كم) وله طريق واحد تظهر على يمينه شعلة غاز يحترق، وهناك منشآت تعنى بالصناعة النفطية الى جوار الشعلة التي تختفي خلف الجبل وأشجار الزيتون ثم تظهر ثانية كلما غيّرت المركبة اتجاهها مع الطريق الملتوي، ويعد وجود الغاز من المُسببات التي جعلت قضاء الشيخان التابع إدارياً الى محافظة الموصل من المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز.

للمعبد الذي يزدحم بالمدلولات المكانية والعبادية قدسية عند الايزيديين ويدخلون اليه حفاة وعلى النساء تغطية الشعر، لذا خلعتُ حذائي من مسافةٍ بعيدة نوعاً وأنا أهم بالوصول الى بوابته حذراً من العتبة التي ينبغي عبورها دون أن يدوسها الزائر بقدمه، فاصطف جواري خمسيني كان يبيع ما يشبه الاكسسوارات، وقبل أن يعرض بضاعته أمامي، عرض الرجل همومه خلسة، فتيقنت أن البسطاء من العراقيين يشتركون في الكثير من العادات والأساليب مثل اسلوب الحصول على المال بعد أن تشظى وزاد الفقر بينهم بسبب السياسات الخاطئة.

ضحكات..

“أنتم أهل الجنوب صلبين حيل وشجعان شفناكم في تحرير مناطقنا لازم تتحملون صعوبة المشي على الحجر وانتم حافين” تقول يسار ذات الأقدام القطنية الناعمة وهي تسير بجانبي بين فضاءات المعبد، وتضحك مع صرخاتي آخ آخ .. آخ كلما داست أقدامي الخشنة على حصاة صغيرة فينبتُ جزء منها بين أصابعي أو في باطن القدم.

وتضيف “حصوة صغيرة ما تحملتها، فكل ما راح تكتبه عنّا ويكتبه غيرك وكل ما قاله العالم لا يصل الى هول المأساة التي مررنا بها عندما اختطفتنا وحوش داعش”.

مع وجود قواسم كثيرة مشتركة بينها تحتاج مجتمعات التنوع الديني والأثني في العراق الى فهم عميق وضرورة وجود إطار وطني حاكم لحقوق الأقليات، ويحتاج مجتمع الايزيديين، والناجيات على وجه الخصوص، الى الكثير من التشريعات لتكون عناصر مواجهة لمحو آثار اختطافهن (السبي من قبل داعش).

ساعتان بين فضاءات المعبد غير كافية لمعرفة مدلولاته المكانية والروحية لكنها أعطتني صورة بسيطة ومعرفة أشياء كنت أجهلها عن الايزيديين الذين يعتقدُ البعض وفق فهمهم الخاطئ والمشوّش أنهم من أتباع يزيد بن معاوية (كفار) وهذا أكبر مؤشر ومنحدر خطير وهناك من يحاول تسويقه مستغلين جهلنا وعدم فهمنا للديانة الايزيدية التي بدونها يبقى مركب التنوع العراقي في خطر.

“يواجه الايزيديون أحياناً اضطهادا من قبل أبناء جلدتهم العراقيين ويعتبرونهم كفارا لاسيما بعض رجال الدين المتشددين”، يقول الناشط في مجال حقوق الاقليات ساهر ميرزا، مضيفاً “أعمل منذ سنوات في مجال حقوق الانسان والأقليات بشكل خاص وأحرص على بناء السلام وحوار الأديان والمطالبة بإنقاذ المختطفين الايزيديين وإعادة النازحين الى سنجار”.

وأشار ميرزا الى أن “خطابات الكراهية ضد الايزيديين موجودة في المجتمع، ونسمع الكثير على مدار السنة من آخرين لأنهم يختلفون دينياً عنّا”.

وقال إن “جميع الذين نزحوا من مدنهم رجعوا لها عدا الايزيديين لأسباب سياسية وأمنية وهذا نوع من الاضطهاد أيضاً”.

مدلولات مكانية

لم تعد ذاكرتي قادرة على حفظ المدلولات المكانية الكثيرة للمعبد وخارطة تكويناته والطقوس التي تمارس فيه ومنها تعميد الأطفال الذين يظهرون بزيّ مختلف “دشداشة بيضاء مع كوفية بيضاء أيضا وعليها طوق يشبه العقال لكنه سميك ومزركش بالحلي والنمنم، ويتم رفع الكوفية والطوق عند تعميد الطفل (غسل رأسه بالماء) من قبل إحدى النساء الكبيرات ويكون التعميد في مكان خاص يشبه الايوان يقع بداية المعبد من جهة اليسار.

تحيط لالش الذي يرجع تاريخه الى أكثر من أربعة آلاف سنة ثلاثة جبال من الغرب، حزرت، ومن الجنوب، مشت وجبل عرفات من الشمال، وتزدحم منحدرات هذه الجبال بأشجار الزيتون التي لم نظفر بالوصول لها لوعورة المنطقة وبسبب الأوجاع التي لحقت بأقدامنا لكوننا نسير حفاة على الصخور والحجر المدبب أحياناً لأكثر من ساعتين إحتراماً لقدسية المكان الذي يحج اليه الايزيديون من كل بقاع العالم.

ولأن معبد لالش الذي تطل عليه مجموعة قباب تشترك في شكلها المخروطي ولونها الأبيض وهي مراقد أولياء من الديانة الايزيدية، يعدّ مركز الدنيا وخميرة التكوين وفق الميثولوجيا الايزيدية “ففي الظروف الاعتيادية التي كانت سائدة كان لالش مقصد الايزيديين، يحجون اليه من كل الدول التي يتواجدون فيها مثل المانيا، السويد، فرنسا، ايطاليا، الدنمارك، جورجيا، أرمينيا، روسيا وحتى من اليابان وباقي الدول التي يتواجدون فيها”، يقول المسؤول الاعلامي في المعبد لقمان سيلمان الذي اعتبر “زيارة أي طيف من أطياف التنوع العراقي مكسباً كبيراً له وللإيزيديين، فهي تضع كل طرف في الصورة التي كانت تنقصه عن الآخر في وقت نعيش سوية كعراقيين في بلد واحد تجمعنا بعض القواسم المشتركة أولها المواطنة والانتماء الى وحدة العراق”.

ويوضح “المعابد تبنى دائما في مناطق صعب الوصول اليها وبين الجبال لسببين وفق الميثولوجيا السائدة عندنا، الاول الخشية من الظواهر الطبيعية كالمطر والسيول والسبب الثاني الخوف من الحيوانات المفترسة التي غالبا ما تكثر في المناطق الجبلية”.

استراحة..

قبل الدخول الى المعبد هناك قاعة كبيرة يبدو أنها مرممة حديثا ومؤثثة بشكل جيد يتم استقبال الضيوف فيها، وعلى مقربة منها دكة يجلسُ عليها الزعيم الروحي للديانة الايزيديية في أعيادهم ومناسباتهم ليستقبل زائريه، وهناك عدة أمكنة تشبه الأواوين فيها جرار منحوتة من الحجر مخصصة لإيقاد القناديل مع وجود أبنية أخرى بتصاميم وزخرفات مختلفة أمامها مسقفات وأبواب مقوسة مشيدة كلها من الحجر الجبلي المقطع بشكل منتظم تجلس فيها العائلات عند الاستراحة أو لغرض تناول الطعام.

في واحد من تلك الأمكنة توفرت فرصة الجلوس بين عائلة كانت قد هيأت طعام الغداء الذي لا يختلف في الغالب عن الطعام الذي تعده نساؤنا نحن المسلمين، وأمام اصرارهم المفرط بالطيبة والكرم على تناول الغداء معهم راوغت كثيراً بأعذاري واكتفيت فقط بقدح ماء والتقاط صورة للذكرى لأن المفهوم الخاطئ والمهووس السائد عن هذه الديانة مازال يعشعش فينا فكيف بالآخرين البسطاء، لهذا هناك ضرورة قصوى لوجود برامج معرفية وثقافية مكثفة لرفع تلك الغشاوة عنّا.

قناديل وأمنيات..

“في معبد لالش بيت واحد فيه اثنين من التاركين، أي الزاهدين وواحدة من الاخوات وهؤلاء جميعهم لم يتزوجوا أبداً ويقضون كل حياتهم في خدمة المعبد، أما باقي الناس الموجودين، فهؤلاء حالهم حالنا”، يقول المسؤول الاعلامي مضيفاً “باقي الناس يأتون لزيارة المعبد ويغادرون وقت الغروب وتتركز زيارات المعبد يومي الجمعة والاربعاء من كل اسبوع وفي المناسبات والاعياد”.

ويكشف لقمان عن وجود سادن للمعبد تتلخص مهمته في “خدمة المعبد وايقاد 365 قنديلاً، قبل غروب الشمس يومياً، والهدف من القناديل وفق الميثولوجيا الايزيدية إعادة نور الشمس الى المعبد لأنه في فلسفة الديانة الايزيدية أن نور الشمس هو نور الله”.

وشرح الفهم الخاطئ عند البعض من أن الايزيديين يعبدون الطاووس بقوله إن “كلمة طاووس لا تعني أن الايزديين يعبدون طير الطاووس، بل التشابه هو فقط في الاسم، فكلمة طاووس تتكون من مقطعين، (طاو) معناها الشمس، (وس) معناها النور وهذا يعني نور الله”.

وقال “نحن نتوجه الى نور الشمس في دعواتنا مع الشروق وقبل الغروب ونقول (يالله احفظ كل الناس، يالله أعطِ الخير لكل الناس، يالله حقق أمنية كل الناس ثم لي).

يحرص الايزيديون على طلب الأمنيات من “حجر الامنيات” الموجود في ما يشبه القاعة لكنها غير منتظمة البناء ويغلب على داخلها اللون الاسود وأرضيتها ليست مستوية، وعندما يريد الايزيدي طلب أمنية يتوجه الى هذا الحجر بنية صافية ويغمض عينيه ثم يرمي على الحجر وهو على بعد نحو ثلاثة أمتار قطعة قماش، وله الحق بالرمية لثلاث مرات ويطلب الامنية فإذا استقرت قطعة القماش فوق الحجر يقال إنه صاحب نصيب وقد تتحقق له الامنية، والحجر ناعم أملس فيه قبة منحدرة نحو الجوانب ناعمة وملساء أيضا ما يجعل صعوبة في ثبات قطعة القماش عليها سوى للمحظوظين فعلاً.

ثلاث طبقات دينية

“تتكون الديانة الايزيدية من ثلاث طبقات دينية هي، شيخ، بير، مريد، وظهرت هذه الطبقات في زمن الشيخ عدي بن مسافر (467 ــ 557 هــ)، (1075 ــ 1162 م) وحسب لقمان “يشكل الشيوخ حاليا ما يقارب 15 % من مجموع الايزيديين الموجودين وجماعة البير 15 % والمريد 70%”.

موضحاً أن “كل طبقة من هذه الطبقات تتزوج في داخلها لأنه وفق الديانة الايزيدية لا يجوز الزواج بين الطبقات الثلاث لهذا الديانة الايزيديية مغلقة وغير تبشيرية”.

اما بخصوص صيام الايزيديين قال “يصوم رجال الدين والشيوخ ومن يرغب من عامة الناس من شروق الشمس حتى غروبها لمرتين في السنة، الأولى تكون في أحر 40 يوم في الصيف وتبدأ من 24 / 6 لغاية 2 / 8 وفي أبرد 40 يوم في الشتاء من 24 / 12 لغاية 2 / 2”.

مؤكداً أن “الايزديين يعبدون الله وبعض الأولياء والصالحين والديانة الايزيدية خالية من الانبياء، بل مرتبطة بالظواهر الطبيعية كالشمس والقمر والنجوم والبراكين وغيرها من هذه الظواهر”.

وأوضح أنهم “يتكلمون اللهجة الكورمانجية وهي جزء من اللغة الكردية الام”.

يتوسط موقع المعبد فضاء مسقف يقع فيه قبر الشيخ عدي بن مسافر الهكاري الكوردي المصلح الديني الرئيس للإيزيدية، هو الذي وضع العديد من المقررات الجديدة في الديانة الايزيديية بعد أن انزوى بينهم في معبد لالش، عاش 90 عاماً وكان يصوم 40 يوماً في الصيف و40 يوماً في الشتاء لمدة 20 عاماً، والقبر بهيئته يشبه القبور في المزارات ومغطى بألوان متعددة من القماش ومن تقاليد الايزيديين أنهم يطوفون حول القبر ثلاث مرات ويرددون ما موجود في ديانتهم من أدعية وأحاديث.

يحترم الرجال النساء عند الطواف حول القبر ويفسحون لهن المجال، إذ لا يوجد فاصل بين الطرفين، وتعطى أسبقية للنساء كبيرات السن وأيضا فرضت الظروف الاخيرة أن تكون للقدّيسة (المختطفة الناجية) أفضلية في الطواف كما تقول يسار التي أضافت “عفيه أكتبوا عن الايزيديين، أكتبوا عن معاناتهم وظروفهم التي مروا بها بعد أن تعرضوا الى أكثر من 73 فرمانا”، تقصد إبادة جماعية، “اكتبوا في الصحافة كثيراً عن الناجيات لأن ظروفهن كانت قاسية جدا، وكانت المختطفة تموت باليوم ألف مرة على أيدي أقذر وحوش الارض”.

مؤكدة أن “الايزديين في العراق مازالوا يتشبثون بالحياة ويأملون بمستقبل أفضل، فنحن جزء من التنوع المجتمعي العراقي الجميل ولا يمكن أن نغادر عراقيتنا رغم الظروف التي مررنا بها وضياع وفقدان الكثير من حقوقنا ورغم ظروف الاختطاف (السبي) التي كلفتنا الكثير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close