أهالي الكريعات وزيارة الأربعين

*أهالي الكريعات وزيارة الأربعين*

الكريعات تلك المنطقة العامرة بالبساتين الغنّاء المزهرة بأثمار الصيف والشتاء، من أرباض الأعظميّة ومصيف بغداد الجميل يفصلها عن الكاظميّة المقدسة نهر دجلة الوادع حيث تتلألأ على صفحات مياهِهِ أضواءُ المنائر الساطعة من فوق صحن الكاظمَين الجوادَين عليهما السلام، وقد سكنها أبناء قبيلة الجبور ( الواوي ) تحديداً قبل أكثر من ستة قرون بعد أن هجروا ديارهم في الخابور بسوريا واتّجهوا إلى الموصل ومن ثم انتقل قسمٌ منهم إلى وسط وجنوب العراق ويقال، إنَّ الأخوَين الشيخ حسن والشيخ حسين الأكرع هما من تولّيا قيادة العشيرة في ديارهم الجديدة، فسكن الشيخ حسن مدينة الحلة، أمّا الشيخ حسين الأكرع فقد سكن مدينة بغداد وتحديداً منطقة الكريعات والتي سميت على أسمه ، ولازالت تربطنا بأولاد عمومتنا صلة قرابة عدا عن النسب في كلٍّ من الموصل والحلة حيث نرتبط معهم بصلة العمه والقرابة ،
تشيّع جدُّنا الشيخ حسين الأكرع واعتنق الدين الجعفري الإثني عشري بعد أن عانى من مرض عضال أقعده سنين طويلة إذ حسبما حدّثني الكثير من المعمرين والماضين عن تفاصيل تلك القصّة بالقول: (إنّ جدّنا نذر نذراً لوجه الله تعالى أنّه إذا عوفي من مرضه الذي أصابه، فإنّه سيتوجّه إلى كربلاء مشياً على الأقدام لزيارة الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام) في أربعينية ألامام الحسين ، واستطردوا بالقول: (إنّ أحد السادة الأجلّاء من بيت (شُبّر) من أهالي الكاظميّة كان يتردّد على مضيف جدّنا في أيّام عاشوراء قبل أن يتشيّع جدّنا وأبناء عشيرتنا وهو الذي أشار على جدّنا أن ينذر هذا النذر، كما أنّ جدّنا الشيخ حسين الأكرع شيخ عشيرة الجبور ( الواوي ) في منطقة الكريعات وقف في الديوان وهو يصارع مرضَه أمام الحضور فقال إذا أشفاني ربّي ببركة ووسيلة الحسين لأذهبنّ لزيارته مشياً على الأقدام ولأذبحنّ الذبائح لوجه الله وأعتنق دين محمد وأهل البيت الاطهار ،
وفي زيارتي الأخيرة إلى منطقتي (الكريعات) التقيتُ بالكثير من المعمرين حيث سألتهم عن قصة تشيّع جدّنا الشيخ حسين الأكرع وأبناء عشيرة الجبور ( الواوي ) في منطقة الكريعات، فقصّوا عليّ نفس القصّة التي حدثنا بها والدي والكثير من أبناء المنطقة، كما أكّدوا : (إنّ جدّنا بعد أن عوفي من مرضه أوفى بنذره الذي نذره وذبح في عاشوراء الذبائح التي نذرها ثمّ ذهب إلى كربلاء وبصحبته عدد كبير من أبناء عمومته من (بيت الشيخ سعّيد) ومن (بيت أبو نايلة) و (بيت درويش) و (بيت فانوس) و (بيت البو هلال) مشياً على الأقدام، وعند عودته من تلك الزيارة تقول الرواية نقلاً عن أجدادنا تم استقباله من قبل الناس ونُحرت العشرات من الذبائح في ذلك اليوم في مضيفه الذي أزيل في سبعينيات القرن الماضي، ذلك المضيف الذي استدرّ دموع أهالي المنطقة عند إزالته وهم يشاهدون تهديم ذلك الصرح الذي مرّت عليه أناس من كلِّ حدبٍ وصوب، وعندما سألناهم عن سبب بكائهم قالوا لنا: (إننا نشمّ رائحة أجدادنا بهذا المكان وطيبتهم وأخلاقهم وكرمهم)، بعد ذلك أمر جدُّنا حسين الأكرع جد الكريعات بأن يُقام في مضيفه في كل عام من عاشوراء مجلس للعزاء الحسيني، وقد أوقف بستاناً للحسين لازالت موجودة إلى اليوم في الكريعات ومثبت ذلك في الأوراق الخاصة بالملكية ( الطابو )، كما أنّ أوّل موكب حسيني في الكريعات كان قد تأسّس في مضيف أهالي الكريعات قبل أربعة قرون و لازالت الكثير من عوائل المنطقة تحتفظ بقدور كبيرة وأوانٍ نحاسيّة مصنوعة قبل قرون منقوش عليها اسم جد الكريعات (الشيخ حسين الأكرع الجبوري موقوفة للحسين)، حيث أنّ أوّل موكب حسيني في الكريعات ظهر في بيت جدّ المنطقة الشيخ حسين الأكرع الجبوري، وبعد وفاته تدبّر أمرَ العشيرة أولاده المنتشرين في الكريعات والذين في غالبيتهم يقيمون العزاء الحسيني ويذبحون الذبائح في عاشوراء لوجه الله تعالى وعلى بركة حُبِّ الحسين، ولازال الكثير من الكريعاويين متمسكين بهذا النهج القيم الذي تربوا عليه ، لم يكن في الكريعات مضيف يذكر قبل مئة عاماً سوى مضيف جدّنا المشترك الذي نلتقي به جميعاً وهناك العديد من العوائل الكريمة في منطقة الكريعات تمتلك الوثائق العثمانيّة التي تشير إلى ذلك، حيث كتب في الكثير منها كلمة( شيخ )
ممّا تقدّم يتّضح أنّ الكريعات استشيعت من خلال جدّنا الشيخ حسين الاكرع كما يروي لي جميع من التقيتهم من أبناء عمومتي، حيث أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على تشيّع جدّنا تشيَّعَ جميع أبناء عمومته في المنطقه، وأخذ يتردّد على مضيف الكريعات العديد من السادة والعلماء الأجلّاء من (بيت شُبّر) و (بيت الحيدري) و (بيت الحسني) من أهالي الكاظميّة الذين لايفصلنا عنهم سوى نهر دجلة الذي تقطعه القوارب النهريّة يوميّاً جيئةً وذهاباً، وكذلك أخذ أبناء الكريعات في ذلك الوقت الذهاب إلى الحوزة العلميّة وحوزة الكاظميّة لتلقّي علوم آل البيت عليهم السلام، وأصبح في الكريعات عدة ملالي معروفين يقرأون القرآن والتعزية الحسينيّة كما تعلّم الكثير منهم القراءة والكتابة وادركنا العديد منهم
في ستينيات القرن الماضي كما أدركنا الكثير من وقائع وتفاصيل تلك الأيام ، فكنت أنا وأصدقائي نعلق مكبّرة الصوت في أعلى (شجرة ) في مقهى المرحوم عباس مهدي الدروش خلال أيّام عاشوراء، وكان الناس في ذلك الزمان ملتزمين جدّاً بمراسم عاشوراء، فالسواد يكاد يكون ملازماً لنا طيلة الأربعين يوماً حتّى انتهاء زيارة الأربعين، بل إنّ الكثيرين يلتزمون بمظاهر الحزن حتّى نهاية شهر صُفر، وكنّا نتهيّأ لزيارة الأربعين منذ وقت مبكّر، فكان عدد من أبناء المنطقة يذهبون إلى كربلاء المقدّسة قبل أسبوعين من حلول المناسبة ويستأجرون بيتاً كبيراً أو قاعة واسعة أو أي مكان يستوعب أبناء عشيرة الجبور في منطقة الكريعات التي كان لها موكبٌ واحد، وكانت هناك قطعة قماش (لافتة) كبيرة صنعت في إيران مزكرشة ومخطوط عليها بخطّ جميل (موكب أهالي منطقة الكريعات في بغداد) وقد صنعت قبل مئتي عام، ولم أعرف أين أصبحت الآن وقد فتشت عنها ولكن مع الأسف لم أعثر عليها، ثم يعود الوفد الذي ذهب إلى كربلاء بعد أن يكون قد استأجر مكاناً يستوعب الزائرين، وبعدها يتم تهيئة السيارات والسوّاق الذين ينقلون الزائرين إلى كربلاء، وكان ممّن أدركتهم من السواق الذين ينقلون الناس الزائرين بالمجّان في سياراتهم، هم كل من المرحوم عبيدة الحاج أمين والمرحوم صادق موسى والمرحوم حسن عيسى والمرحوم هاشم موسى وكريم موسى وكامل حاتم والحاج رسول ومحمد علي المختار وغيرهم كثرٌ، ( رحمة الله عليهم ) للأسف، لا تسعفني الذاكرة باستحضار اسمائهم
وكان في ذلك الزمان القليل من الناس يذهبون سيراً على الأقدام، وقد أدركتُ المرحوم (هدّو) واسمه الحقيقي (هادي صالح) ويلقبونه (هدّو) في الكريعات، إذ كان الشخص الوحيد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يذهب لوحده سيراً على الأقدام، وكان يحمل على صدره قطعة قماش مكتوب عليها (هدّو يذهب إلى كربلاء مشياً على الأقدام للسنة العاشرة.. أو العشرين) حيث يذكر فيها عدد المرات التي ذهب بها مشياً إلى كربلاء، وفي نهاية سبعينيات القرن الماضي عندما ذهب (هدّو) مشياً إلى كربلاء استبطأته والدته المرحومة ( الحاجة نشمية ) حيث لم يعُدْ في وقته المعتاد، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على غيابه ظهر (هدّو) من جديد في محله الذي كان يعتاش منه حيث كان يبيع الخضروات وعندما سألوه عن غيابه الطويل قال: (لقد تمّ اعتقالي منذ اليوم الأوّل لخروجي إلى كربلاء في إحدى زنزانات البعث طيلة المدّة التي غبت خلالها عن المنطقه، بعدها انتقل (هدّو) إلى رحمة الله، ذلك الرجل العصاميّ الذي كان يحبُّ الحسين على فطرته، والذي كانت من ميزاته أنّه بعد أن كان موكب الكريعات يذهب إلى موكب الدهاليك وموكب بيت الحاج علي آل باش على مبعدة أقل من كيلومترَ وتجتمع الناس هناك بأعداد كبيرة لاستقبال وفود الموكب وهم يتزاورون فيما بينهم، كان (هدّو) عندما يردّ أهالي الدهاليك الزيارة إلى الكريعات يضع كل ما موجود في محله من فواكه وخضروات بين أيدي القادمين إكراماً لهم، وعندما يسألونه عن سبب ذلك يقول بكل بساطة: (إنني أستحي من الحسين إن لم أكرم ضيوفه فهم قادمون إلينا ويجب أن نكرمهم حبّا للحسين، رحمك الله (ياهدّو) وحشرك مع الحسين.
ثم يستعدّ الناس للذهاب إلى كربلاء بسيارات الحمل المكشوفة صيفاً والمغطّاة شتاءً وسيارات المارسدس (الأقجم) إذ تخصص للأطفال والنساء وكذلك تخصص عدة سيارات لحمل الأغطية والأواني ومعدّات الطبخ ولافتات السواد والأعلام والأغذية والخراف التي تنحر هناك، حيث يتجمّع أهالي الكريعات ثم ينزلون في موكب واحد يتقدّمهم السيد المرحوم (أحمد رضا الهندي) وعدد من وجهاء منطقة الكريعات، وما زلتُ أذكر تلك اللحظة وأنا طفل صغير أمسك بيد والدي مع عدد كبير من أقراني وأصدقائي الذين كانوا يأتون جميعاً مع عوائلهم ،
وفي السبعينات تم شراء مضيف كبير في كربلاء من قبل (ابن عمّنا الحاج إبراهيم حسن محمد الجبوري) وتم تخصيصه كمكان للزوار في الأربعين ولايزال هذا المضيف عامراً ويدار من قبل أولاده الكرام ويؤوي الزائرين ومواكب الكريعات في كل المناسبات تتصدّره لافتة مكتوب عليها (مضيف المرحوم الحاج أبراهيم )، وهكذا في كلّ عام إلى أن صدرت الأوامر الشوفينيّة العنصريّة من قبل سلطة البعث النافق بمنع زيارة الأربعين منذ السبعينيات وإلى يوم هزيمتهم النكراء بملابسهم الداخليّة.
وبفضل صبر المؤمنين السائرين على نهج الحسين سقط النظام البعثي الطائفي الفاشي وعادت الناس إلى سابق عهدها في ممارسة حقّها المشروع بإقامة شعائرها الدينيّة، إذ بدلاً من أن كان يذهب المرحوم (هدّو) لوحده إلى كربلاء مشياً على الأقدام، نرى اليوم أنّ الكريعات والكثير من الناس هناك يذهبون مشياً على الأقدام منذ أيّام ولم يبقَ في المنطقة سوى عدد من الشباب المؤمن لحراستها وهم يستذكرون (هدّو) في مسيرهم إلى كربلاء ، بل أن العالم كله يأتي الى كربلاء فهناك قبلة الاحرار ومدرسة الكرامة ، السلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى شهداء شيعة أهل البيت الاطهار ورحمة الله وبركاته …..

*جبر شلال الجبوري*

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close