علاقة البصيرة بالفن !

علاقة البصيرة بالفن ! (*) د. رضا العطار

( ليس هناك الان اديب يشتغل في فن من الفنون الا ويستلهم بذرة افكاره من الاغريق القدماء . بل ان الفلسفة الحديثة قد نحتت نفسها على هذا النحو . على خلاف الرومان الذين كانوا ينزعون نزعة عملية تتجه نحو الاستعمار وتشييد العمارات حتى عرفوا اشياء كثيرة عن الهندسة . فكانوا اشبه بالعلماء منهم بالادباء . اما نزعتنا نحن العرب فلحد الان هي نزعة اقتصادية تجعلنا نكون منهمكين في جمع المال والاستكثار من العقار .

وربما كان سؤالنا عن السعادة , ومن هو اسعد الناس , خير ما يدلنا على نزعة كل امة من حيث الفن . فقد سال الاغريق انفسهم هذا السؤال واجابوا عن لسان فيلسوفهم ارسطوطاليس بأن ( الرجل السعيد هو الرجل الجميل ) . وذلك لانهم قد انغمسوا في الفنون ولابسوها في معيشتهم ورياضتهم حتى صاروا يعتقدون بأستحالة السعادة اذا لم تقترن بالجمال.

وكانوا مع تقديرهم للفنون يرون ان الانسان الحي يجب ان يمثل الجمال في شخصه . ولو طرحنا هذا السؤال على العربي القديم لاجابك ان الرجل السعيد هو الذي ترضى عنه الآلهة، بينما الروماني كان يرى السعادة في كثرة العبيد ووفرة المساكن. اما نحن العراقيين في الوقت الحاضر فلا نكاد نتخيل حياة السعادة الاّ وان تكون مقرونة بوفرة المال والكثرة في الاولاد .

تتأثر الفنون الجميلة بالنزعات الادبية. فهنا الرسم والنحت التقريري, مثلما هناك القصة التقريرية التي تصف الاشياء والحوادث كما تقع . وهناك الرسم الخيالي الذي يرمي الى المثل العليا , كما ان هناك القصة الخيالية. وكذلك هناك الرسم التأثري الذي ينقل الاثر الذي ينطبع في الذهن من المنظر دون الاحاطة بتفاصيل هذا المنظر. وقد نجد في الشعر والقصة مثل هذه النزعة. وهناك النزعة الطبيعية التي تنقل عن الطبيعة او تنسخها.

كل هذه النزعات في الادب والفنون تنتهي الى ان تكون خيالية. فالاديب والرسام لا يقنعان بتقرير الاشياء على حالها وانما هما يرسمان الواقع ولو كان قبيحا لكي يسترشدا به الى الخيال والمثل الاعلى . والا لو كان الواقع غاية, لقنع الرسام التقريري بأن يرسم لنا جسم الانسان كما يُرسم في كتب التشريح.

ان اعتماد الانسان على البصيرة دون العقل او الاعتماد على الاولى اكثر من الثاني , او لان البصيرة هي التي ترسم لنا الغايات بينما العقل هو الذي يهيء الوسائل التي تفضي على الفنون بشئ من مسحة الخلود . فالادب والفن خالدان لاعتمادهما على البصيرة . ذلك لان هذه البصيرة قديمة في الانسان , بل ربما كانت في القرون البعيدة الماضية اقوى شأنا مما هي عليه الان . ومن هنا يأتي اعجابنا الفائق بفنون القدماء دون علومهم .

يجب ان لا ننسى هنا ان النزعة العقلية تكاد تناقض نزعة البصيرة , ومن هنا احتقار رجل العلم الذي يبني علومه على العقل، للفنون الجميلة القائمة على البصيرة . وقد يصح ان نتسائل هنا : ما هو مصير الفنون في المستقبل اذا انبسطت العلوم العقلية وصارت لها السيطرة ؟

يعتري الانحطاط للفنون الجميلة من جملة نواحي . منها المنع من الناحية الدينية , فقد كانت الفنون الجميلة قديما مزدهرة تجد عند المصريين والاغريق اسعد الفرص لان تتجلى وتتمثل , ذلك لأن للوثنية كانت معابد فخمة واصناما ضخمة تزينها , ورسوما تنقش على جدرانها.

لكن عندما انتشرت فكرة التوحيد بين الساميين من اليهود والنصارى والمسلمين , اخذ الموحدون يحاربون الوثنية ويهدمون اصنامها ويحرمون على الناس اقتناءها او رسم صور اشخاص . والهيئات الاجتماعية القديمة كانت هيئات ارستقراطية , تنحصر الثروة في ايدي طبقة معينة وسائر الامة تعيش في فقر . فلم يكن للفنون قدرة على ان تعيش ما لم تجد هذا العون من المعابد . لان افراد الامة كانوا من الفاقة بدرجة لا يستطيعون شراء التماثيل والصور.

هكذا ماتت الفنون بموت الوثنية . وذلك لان البناء ايضا كان يقوم على المعابد , وهو شديد الالتصاق بفنى النقش والنحت . وبتحريم هذين الفنين اعتراه هو الاخر بعض الانحطاط . والطبقة الحاكمة في كل امة هي في رأس الطبقات التي تسيطر على الدين او ان الدين يسيطر عليها . فتتخذ السلطة مظاهره وتساير معتقداته . ولذلك نجد انها بعد ان كانت تحمي الفنون الجميلة في عهود الوثنية صارت تقاومها في عهود التوحيد المختلفة.

ولكن الاديان لم تؤثر في الفنون من هذه الناحية فقط , بل ان لها تأثير آخر . فمن المتفق عليه ان الفنون الجميلة تعد من الترف . ولكن الاديان ترمي جميعها بأختلاف في الدرجة الى الزهد والتقشف واساءة الظن بالترف . ومن هنا جاء بعض سخطها على الفن .

وعصر الانحطاط الذي لحق بالفنون الجميلة يبتدئ في اوربا منذ انتشار المسيحية الى زمن النهضة . فقد حطم المسيحيون الاصنام وهدموا المعابد في ايطاليا واليونان ومصر وسورية , ونشأ على هذه الحطامة فن بيزنطي منحط , نرى الى الان صوره ماثلة للعيان في كنائس اسطنبول . واتسم الفن الجديد , بان يُاخذ العُرف من الرسام , الاعتبار الاول واكثر الرسوم عنت بالقديسين وفي مقدمتهم السيد المسيح و العذراء مريم. )

* مقتبس من كتاب حرية الفكر للعلامة سلامة موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close