العدالة في عالم الحيوان، موقف المعارضين لأطلاق مصطلح (الاخلاق) على سلوك الحيوان

العدالة في عالم الحيوان، موقف المعارضين لأطلاق مصطلح (الاخلاق) على سلوك الحيوان (*) د. رضا العطار

اننا كنا نعلم مسبقا، ان معالجتنا الملائمة للعدالة في عالم الحيوان سيجر بنا الى متاهات مختلفة من تلال ووديان والى اماكن لم نكن نتوقعها، ولكن ما السبيل و كيف لنا ان نربط بين هذه الحقائق المتباينة ؟

ان الفكرة القائلة بان الاخلاق هي ليست حكرا على البشر التي يراها الكثير من الناس مفاجئة فحسب بل مثيرة للشك ايضا. لانها في الظاهر تطعن في العديد من الفرضيات حول السمات التي تجعل من البشر كائنات لها خصوصيتها. فإلى اي مدى يختلف البشر عن الحيوانات ؟ . . . نحيل اجابة هذا السؤال الى داروين، عالم البيولوجيا و صاحب نظرية النشوء والتطور الذي يؤكد لنا باننا وجميع الثديات نشترك في الاصل. لكن عندما يتعلق الامر بالاخلاق فلا شك بان الاخلاق البشرية مختلفة في درجتها لا في نوعها عن الاخلاق الحيوانية. فهناك السلوك الاخلاقي المميز لكل نوع على حده ! . . فما هي هذه الانماط السلوكية المميزة للبشر إذن ؟

تقول الفيلسوفة Christina Korsgaard من جامعة هارفرد : ان سلسلة من الافعال المبررة اخلاقيا يعد حكرا على البشر. وتمثل نقطة انفصال عن ماضينا الحيواني.

لا يرتاح عدد كبير من الناس الى فكرة خلع صفات اخلاقية على الحيوانات لان في ذلك تهديدا للتفرد الذي يتمتع به البشر. وهذا القلق قد يتخذ اشكال عدة على سبيل المثال يرى العديد من رجال الدين ان هناك فرق بين البشر وبقية الخلق، (الذين لم يخلقوا كذلك).

كما يعتقد العديد من الفلاسفة ان تفرد البشر على الاساس الجوهري للكرامة البشرية. وقد يرى البعض الاخر انه من المهم ان نحافظ على شيء من الاختلاف بين البشر والحيوانات، لان ذلك يجزم قضية التبرير الاخلاقي لأستخدام الحيوانات في الابحاث العلمية، ولكننا رغم ذلك قد عبرنا عبر دراساتنا السابقة بان لدى الحيوانات قدرات ادراكية وشعورية وسلوكية وانها تبدي التعاطف والتفكير العقلاني.

يقول تشالز داروين في كتابه اصل الانواع : ان اي حيوان على الارض يتمتع بغرائز اجتماعية مميزة، وانها بالاضافة الى الحب والتقمص الوجداني، تبدي الحيوانات سمات اخرى، يمكن ان نصفها بالاخلاقية مثلما لدينا نحن البشر.

فالكلاب تمتلك شيئا اشبه ما يكون بالضمير. كما ان الحيوانات تمتلك (قوة ضبط النفس) من حيث قدرتها على الاختيار بين سبيلين للتصرف والفعل. ووصف داروين الضمير بانه (المراقب الداخلي) الذي يوجه الحيوانات بأفضلية اتباع غريزة ما عن اخرى. فعلى سبيل المثال نجد ان الكلاب تنأنى عن سرقة الطعام من على المائدة حتى لو لم يكن سيدها موجودا. (ينبغي اتباع مسار سلوكي بعينه ولا يعني اتباع السائد الاخر. فاحدهما صحيح والاخر خطأ)

لا شك ان التحكم في الغرائز مكون مهم من مكونات السلوك الاخلاقي. ومن الواضح ايضا ان الحيوانات التابعة لتصنيفنا الاخلاقي قادرة على التحكم في غرائزها. ومع ذلك ليس من الواضح ما اذا كان لدى الحيوانات ـ خلافا للبشر ـ ضمير ام لا.

عندما يسمعنا الناس نقول بان الاخلاق متناسبة حسب الانواع، فقد يفترض الكثيرون اننا نوافق الموقف الفلسفي الذي يقول : بان ليست هناك اخلاق مطلقة. وان الخير والشر ليسا سوى موروثات ثقافة بعينها، او تفضيلات عشوائية للفرد المميز

ان الاخلاق المتناسبة بحسب الانواع تعني ببساطة اننا لا ننظر الى اخلاقيات الافيال ونحكم عليها حسب معيار قياسي نراه ينطبق على البشر. فالانماط السلوكية المشتركة على العموم تجد تعبيرا فريدا لها لدى كل نوع وفي كل فرد.

ولنعلم اخيرا بان العديد من الحيوانات كائنات اخلاقية. فنحن لسنا الكائنات الوحيدة في الوجود التي تتمتع بالاخلاق. انه من ضيق الافق والخطأ ان نتبنى وجهة نظر هذه.

* مقتبس بتصرف من كتاب العدالة في عالم الحيوان لمؤلفيه مارك بيكوف وجيسيكا بيرس نرجمة فاطمه غانم ط 1 ، 2010 هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث والكلمة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close