سـيادة القانـون والإستجابة الفعّالة للتحديات القائمة أمام تطبيق العدالة والأمن

سـيادة القانـون والإستجابة الفعّالة للتحديات القائمة أمام تطبيق العدالة والأمن

د. ماجد احمد الزاملي
سـيادة القانـون هـي فـي جوهرهـا نظـام لتقييـد السـلطة بهـدف الحد مـن تعسـف أصحـاب السـلطة وإفلاتهم مـن العقـاب، ويشـمل أصحـاب السـلطة قـادة الحكومـات، والشـبكات الإجراميـة المنظمـة، والقـادة الدينييـن، وأمـراء الحـرب، والنخـب الإقتصاديـة. وفـي نفـس الوقـت، تـؤدي سـيادة القانـون أيضـاً إلـى ترسـيخ الحقـوق بمـا فـي ذلـك حـق الرجـوع، حتـى يتسـنى للأقـل سـلطة الوقـوف علـى قـدم المسـاواة مـع أصحـاب السـلطة فـي مطالبتهـم بالعدالـة، حتـى ضـد حكومتهـم والأشـخاص المؤثريـن فـي الدولـة. وسـيادة القانـون هـي نقيـض ”سـيادة الإنسـان“، حيـث يسـتطيع ذوو السـلطة أن يتصرفـوا طبقـاً لأهوائهـم دون قيـود علـى تصرفاتهـم، بينمـا لا يمتلـك الأقـل سـلطة سـوى وسـائل محـدودة، أولا يمتلكـون أيـة وسـائل علـى الإطـلاق، للمطالبـة بالعدالـة. وبنـاءً علـى ذلـك، فـإن التدخـلات الراميـة لتحسـين سـيادة القانـون تتسـم بأنهـا ذات طابـع سياسـي: فهـي تؤثـر فـي تحديـدم ـن سـيحصل علـى المـوارد المجتمعيـة، وتحديـد القواعـد الحاكمـة للعلاقـات بيـن أصحـاب السـلطة والأقـل سـلطة. وحتــى يتســنى الوصــول إلــى مجتمــع يُجســد ســيادة القانــون، ينبغــي أولًا التوصــل إلــى إجمــاع حــول رؤيــة مشـتركة للدولـة. ولكـن تحديـد هـذه الرؤيـة المشـتركة والإتفـاق حولهـا يسـتغرق وقتـاً. وهـو يتطلـب إجـراء حــوار مفتــوح يتضمــن كافــة عناصــر المجتمــع، مــن أجــل تحديــد مــا يريــده النــاس, أي قيمهــم ورغباتهــم، وبواعــث قلقهــم واعتراضاتهــم والإقــرار بهــذه الأمــور التــي يريدونهــا، والإســتجابة لهــا بفعاليــة. وقــد تتطلــب عمليــة الوصــول إلــى هــذه الرؤيــة، تصــدي المجتمعــات للقضايــا الصعبــة، مثــل قضيــة الهويــة الوطنيــة، بــل وكثيــراً مــا تتطلــب مواجهــة تاريــخ مشــوب بالعنــف ومظاهــر الظلــم. وفـي حـالات كثيـرة، عندمـا تكـون البلـدان خارجـة لتوهـا مـن نـزاع مـا، أو مـن براثـن حكـم اسـتبدادي، يكـون الدسـتور الجديـد، أو المعـدل، بمثابـة تعبيـر عـن القواعـد، والـرؤى المشـتركة، والطموحـات، التـي اتفـق حولهـا المجتمــع. والدســتور يضــع إطــاراً لنظــام القوانيــن الســاري فــي بيئــة معينــة. وقــد يكــون مــن الــلازم إجــراء إصلاحـات إضافيـة مـن أجـل ضمـان مجموعـة أشـياء مـن ضمنهـا،علـى سـبيل المثـال، حمايـة القوانيـن للحقـوق والحريـات، المصونـة فـي الدسـتور، أو مـن أجـل تحديـد مهـام مؤسسـات سـيادة القانـون،واختصاصاتهـا،وضوابط ممارسـتها لسـلطاتها، ومـن أمثلـة ذلـك حمايـة اسـتقلال القضـاء. إنّ شـرعية مؤسسـات العدالـة والمؤسسـات الأمنيـة، وأنظمتهمـا، وكـذلك العامليـن فـي تلـك المؤسسـات والأنظمـة، لا تنبـع فقـط مـن نظـام القوانيـن ،ولكـن أيضـاً مـن ضمـان عمـل هـذه الكيانـات الثلاثـة علـى نحـو يتسـم بالنزاهـة، وضمـان قدرتهـا علـى توفيـر العدالـة والخدمـات الأمنيـة للجميـع، بالإضافـة إلـى ضمـان الإقتنـاع بمصداقيتهـا، مـن خـلال تدعيـم القيـم المشـتركة للمجتمـع، وضمـان شـفافيتها، وأن هنـاك آليـات قائمـة تتيـح للمواطنيـن محاسـبتها علـى أفعالهـا. التدابيــر التنفيذيــة التــي تَحيــد عــن ســيادة القانــون نــادراً مــا تكــون حــوادث اســتثنائية ,فإذا مــا ُســمح للمسـؤولين بخـرق القانـون مـرة واحـدة، فالمرجـح أنهـم سـوف يعـاودون الكـرة مـرات ومـرات بوتيـرة متزايـدة، و تتقلـص المبـررات شـيئاً فشـيئاً. والتاريـخ غنـي بالأمثلـة علـى الحكومـات التـي بـدأت باعتمـاد أسـاليب مسـتترة وغيـر مشـروعة لمحاربـة الإرهابييـن ورجـال العصابـات، ثـم انتهـت بقتـل المواطنيـن الأبريـاء، ونشـطاء المجتمـع المدنـي، ولإنقـاذ الإعالمييـن، والخصـوم السياسـيين.
يميـل الأشـخاص، حيـن تقـع علـى مسـامعهم عبـارة ”سـيادة القانـون“، إلـى التركيـز علـى كلمـة ”القانـون“، فهـم يرغبــون فــي معرفــة مــا إذا كان هنــاك قوانيــن، ومــا إذا كانــت القوانيــن مطبقــة، ومــا إذا كان الأفــراد يبــدون التزامـاً بهـذه القوانيـن. ومـن المفتـرض أن أفضـل مـن يسـتطيع فهـم سـيادة القانـون هـم أولئـك الذيـن يعرفـون القوانيـن، ويدافعـون عنهـا، ألا وهـم: المحامـون، والقضـاة، والمدعـون العامـون، والعاملـون فـي جهـاز الشـرطة. ويبـدو أن فهـم سـيادة القانـون يسـتلزم منّـا أولًا فهـم معنـى القانـون. ولا تعتبـرالقوانيـن التـي تقرهـا الدولـة وحدهـا القواعـد الحاكمـة لتصرفاتنـا، أو الحاميـة للنظـام الإجتماعـي، فقـد تكـون هنـالك أيضـاً قواعـد أو مبـادئ عرفيـة أو تقليديـة. وهنـاك التقاليـد الدينيـة وتقاليـدالأسـرة، وهنـاك الآداب الإجتماعيـة وآداب العمـل، هـذا بالإضافـة إلـى أنمـاط التعامـل مـع أمـور معينـة.
يسـتخدم بعـض القـادة، مـن ذوي السـلطة، إصلاحـات معينـة فـي سـيادة القانـون لخدمـة مصالحهـم الخاصـة. ُجبِـر أحـد القـادة الحكوميـون، علـى سـبيل المثـال، الموظفيـن الأدنـى منـه مرتبـة للتوقـف عـن أخـذ قدرتـه علـى تقديـم الخدمـات القائمـةعلـى المحابـاة.وقـد يـؤدي ذلـك إلـى الحـد مـن الرشـاوي، حتـى يعظم العنـف أو الفسـاد الصغيـر فـي الأجـل القصيـر، ولكنـه لا ّ يحسـن سـيادة القانـون إذا مـا بقي النـاس مأثوريـن ِ ومعتمِديـن علـى المجامـلات غيـر الرسـمية مـن ذوي السـلطة. إن التحـول يتطلـب تقييـد السـلطة الرسـمية وغيـر الرسـمية لأصحـاب السـلطة.
ويجب على الجميع أن يُرسي نهجــاً لثقافــة ســيادة القانــون لتحقيــق ســيادة قانــون قوي ,وهــو النهــج الــذي يضــع فــي صميمــه الديناميــات الإنســانية والإجتماعيــة والتاريخيــة والسياســية والمتعلقــة بالســلطة. وتنــزع النهــج ىالتقليديـة لتعزيـز سـيادة القانـون إلـى وضـع دور مؤسسـات الدولـة فـي مرتبـة الأولويـة وتبنـّي اسـتراتيجيات تقنيـة قائمـة علـى القانـون. وفـي المقابـل يـدرك نهـج ثقافـة سـيادة القانـون أن الجهـود الراميـة إلـى تعزيـز سـيادة القانـون لا تحـدث من الفـراغ وإنمـا فـي سـياق معيـن بيـن الدولـة والمؤسسـات الإجتماعيـة وفـي إطـار ديناميـات وتداخـلات معقـدة بيـن السياسـة والسـلطة والأفـراد. ويُشـدد نهـج ثقافـة سـيادة القانـون علـى أنـه ُحـدد مـن نقـاط ضعـف بصـورة منهجيـة. وأنهـا يتعيـن النظـر إلـى نظـام العدالـة بصـورة شـاملة ومعالجـة تقتضـي المشـاركة والإنخـراط المتسـاوي لـكل مـن مسـؤولي الدولـة وأفـراد المجتمـع وتـدرك أن تعزيـز سـيادة القانـون عبـارة عـن عمليـة تغييـر يجـب أن تشـتمل علـى تغييـر الإفتراضـات وطـرق التفكيـر والسـلوك لـدى جميـع الأفراد سـواءً المسـؤولين أو المواطنيـن علـى حـد سـواء. ومـن الممكـن أن يحـدث تصـادم بيـن الأعـراف الإجتماعيـة والقانونيـة، وهـو أمـر يعكـس وجـود اختـلاف فـي الــرؤى الإجتماعيــة، والثقافيــة، والأخلاقيــة، للعالــم. وقــد يتصــادم القانــون المحلــي مــع القانــون الدولــي؛ أو الأعـراف والتقاليـد مـع القانـون الوطنـي الرسـمي. وقـد يقـع التصـادم فـي حالـة غـرس قوانيـن نابعـة مـن أماكـن أخـرى، سـواءً أكان هـذا الغـرس مفروضـاً أم مقتبسـاً بشـكل طوعـي. وقـد لا تتطابـق قيـم القانـون المغـروس، ومبادئـه، مـع قيـم الكثيـر مـن أفـراد المجتمـع ومبادئـه. وانظـر، علـى سـبيل المثـال، إلـى التصـادم الواقـع بيـن القوانيـن الرسـمية للمسـتعمرين، مثـل البريطانييـن فـي إفريقيـا، وبيـن القوانيـن العرفيـة والطبيعيـة التـي كانـت تنظـم شـؤون تلـك المجتمعـات قبـل وقـوع الإسـتعمار. فقـد تختلـف لغـة القانـون نفسـها عـن اللغـة المشـتركة للجماعـات التـي يتألـف منهـا المجتمـع، كمـا هـو الحـال فـي باكسـتان، حيـث جاءت قوانيـن مـن بريطانيـا باللغـة الإنكليزيـة، فأصبـح وقـع تلـك القوانيـن غريبـاً وغامضـاً. وفـي مثـل هـذه الحـالات،لا يـؤدي القانـون سـوى دور هزيـل فـي الحفـاظ علـى النظـام الإجتماعـي. فـإذا لـم يؤمــن النــاس بالقانــون، فسيشــعرون أنــه غيــر متوائــم مــع واقعهــم، ولا يلبــي حاجاتهــم الفعليــة. ومــن شــأن فتـرات الحـرب الطويلـة،وفتـرات الخـروج علـى القانـون،وكـذلك الفسـاد والمحسـوبية؛مـن شـأن كل تلـك الظـروف أن تؤثـر علـى كيفيـة رؤيـة النـاس للقانـون واسـتجابتهم لـه. وقـد ينشـأ اسـتعداد لـدى النـاس للتحايـل علـى القواعـد، لأن النظـام لا يعمـل علـى نحـو يحقـق لهـم مصالحهـم، أولأن انتشـار الفسـاد يـؤدي بهـم إلـى الإعتقـاد بـأن كل مـن عداهـم يتغافـل عـن تلـك القواعـد، أولأن القوانيـن أصبحـت قديمة ، أو معقـدة، أو عسـيرة الفهـم. وبمجـرد أن يكـون هنـاك ضغطـاً سياسـياً نحـو الإصـلاح، ينبغـي علـى البلـدان أن تنشـئ هيـاكلَ معينـة لتقييـد السـلطة،لأن التخلـص مـن النظـام القديـم لا يضمـن أن الجديـد سيكـون أفضـل. وبـدلًا مـن ذلـك، يتعيـن علــى البلــدان أن تشــرع فــي وضــع ضوابــط رقابيــة علــى الســلطة. وأحيانـاً مـا تبـدو عمليـة ”بنـاء المؤسسـات“ هـذه عمليـة تكنوقراطيـة،لأن تعزيـز الوضـع القانونـي والإحترافيـة لشــتى عناصــر الحكومــة، يمكــن أن يتضمــن التدريــب، والمعــدات، والأزيــاء الموحــدة، والمبانــي، وهــي أشــياء تبعـث فـي هـذه العناصـر الشـعوَر بالإحترافيـة والإسـتقلالية. ومـع ذلـك، تُعـد هـذه المرحلـة أيضـاً ذات طابـع المهدديـن بالخسـارة نتيجـة الموازنـة الحقيقيـة ، فالغالـب فـي كل مرحلـة أن تنشـأ مقاومـة مـن ِقبل بيـن السـلطات وبرغـم وجـود حاجـة إلـى الخبـرات لتوجيـه الأعمـال الإصلاحيـة، إلاّ أن الضغـط السياسـي للبقـاء علـى المسـار الصحيـح ينبغـي أن يسـتمر. وتحتـاج الأطـراف غيـر الحكوميـة، التـي تمـارس ضغطـاً لإحـداث تحـوِّل نحـو سـيادة القانـون، إلـى مؤيديـن مـن داخـل الحكومـة،ممـن يتمتعـون بالقـدرة السياسـية والمهـارة المؤسسـية، لإحـداث التغييـرات المنشـودة.
تؤثـر القواعـد والمعاييـر الدوليـة علـى النظـام القانونـي المحلـي فـي كل بلـد بدرجـات متفاوتـة. فبعـض المعايير الدوليـة، مثـل حظـر التعذيـب، تنطبـق علـى جميـع البلـدان. وتنبـع الإلتزامـات الأخـرى مـن تصديـق البلـدان على معاهـدات دوليـة محـددة . وبالإضافـة إلـى ذلـك، يجـب علـى المجتمـع القائـم علـى سـيادة القانـون، مـن خـلال منظومـة قوانينـه، احتـرام حقـوق الإنسـان الدوليـة وحريـات جميـع الأفـراد داخـل المجتمـع كمـا يجـب عليـه حمايتهـا وتعزيزهـا.
ويُمثـل التعـاون مـع الجمهـور بخصـوص المشـكلات المتعلقـة بالنظـام القضائـي جـزءاً مهمـاً للغايـة مـن عمـل الحكومـات لضمانـة الإحتـكام إلـى القضـاء وإلـى نظـام قضائـي معتمـد ومـن ثـم بنـاء الثقـة فـي المؤسسـات القضائيــة والتأكيــد علــى شــرعيتها. وينبغــي أن يتضمــن هــذا التعــاون تبــادل المعلومــات حــول المجهــودات ُمَكـَّـنَ الأفــراد مــن الإســتعانة المبذولــة لإصــلاح وتوضيــح الحقــوق القانونيــة وخدمــات التعليــم للعامــة، وبفعاليـة النظـام القضائـي ومـن ثـم إرسـاء ثقافـة سـيادة القانـون. ويجـوز تدشـين حمـلات تعليميـة عامـة فيمـا يتعلـق بالمشـكلات القضائيـة محـل النقـاش علـى يـد أصحـاب المصلحـة المحلييـن مثـل المتحـدث باسـم المحكمـة أو النقابـة أو رابطـة القضـاة أو المنظمـات غيـر الحكوميـة المتعلقـة بالقضـاء. ومـن شـأن هـذا الالتـزام بالخدمـات العامـة المسـاهمة فـي ترسـيخ احتـرام منظومـة القضـاء وتقديرهـا. ويمكـن الإشـارة إليـه ”بالمعرفـة القانونيـة“ أو ”بنـاء الأهليـة“ أو ”التدريـب القانونـي“ أو الوعـي القانوني الـذي ُمَكـن للوعـي القانونـي المسـاهمة فـي تصحيـح النظـام القانونـي والآليـات الخاصـة والإجـراءات القانونيـة والمفاهيـم العامـة المتعلقـة بـأن المحاكـم مـكان مرعـب أو يصعـب الوصـول إليهـا أو الثقـة فيهـا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close