قصة قصيرة تِبْر وتُراب

قصة قصيرة
تِبْر وتُراب
بقلم/ رقية محمد علي
في ليلة قارسة البرودة من ليالي الشتاء الطويلة، وقد “انْهَلَّتِ السَّماءُ بالدِّيَم” تحديدا في حي سان ستيفانو -هو أحد الأحياء الراقية في مدينة الإسكندرية في مصر، ويتبع حي شرق في المدينة- في الهَزِيعُ الأولِ من اللَّيل كان بيجاديسير وحيدا، يفرك يديه من شدة البرودة القارسة، يرتدي معطفًا يجوبُ في الشوارع لا يعرف إلى أين المسير.
استمر في سيره حتى أوشك على الهزيع الأخير من الليل، ولا يدري ما نهاية ذلك، وبينما هو كذلك لمح من بعيد وبعد عناء أحد الأبنية لم يكتمل بناءه بعد فسار بخطى سريعة نحوه عله يجد ضالته المنشودة وينعم بالقليل من الدفء الذي ما فتئ يحلُم به، اقترب منه؛ فدخل واحتمى بأحدالغرف التي لا تواجه تيار الهواء الشديد البرودة.
جلس منكمشا على نفسه، يتكبَّبَ في ملابسه من شدّة البرد.ظل هكذا إلى أن هدأ، ثم راح في سباتٍ عميق استفاق منه على ضجيج أصوات عالية فعرف من الوهلة الأولى أن هذه الأصوات تصدر من العمال، فقام على الفور للخارج ثم ألقى عليهم التحية، فقابلوها باستنكار من أثر المفاجأة غير المتوقعة، وعرض بيجاد على صاحب العمل أن ينضم لفريق العمل ومعاونة العمال فوافق بالفعل على طلبه.
خلع بيجاد معطفه وملابسه وبدلها بملابس العمل التي ناولها له أحد العمال، وكان أحدهم يرمق بيجاد بعينيه باستمرار، حتى لاحظه بيجاد وبعد أن انتهى اليوم قرر أن يبيت هذه الليلة في نفس المكان، لكن ذلك الرجل ناداه فتقدم إليه بيجادوعرض عليه الرجل الذهاب معه لمنزله،فرفض عرضه باستحياء، أصر الرجل على اصطحابه معه، وبعد إلحاح مرير منه وافق بيجاد.
وصلا لمنزل الرجل والذي يبدو عليه البساطة والهدوء، ورغم بساطته إلا أنه شعر بالراحة والدفءوانشرح صدره، وجال بخلده تساؤل فرض نفسه عليه كيف لهذا البيت البسيط أن ينعم بالحنان والدفء؟ في نفس الوقت الذي تخلو فيه حياة أصحاب القصور من تلك الأحاسيس؟ ظل مستغرقا في خيالاته إلي أن قطعها الرجل الطيب عندما دخل عليه وقابله بوجه طلق، وقدَّم له الرجل واجب الضيافة، ثم حاول عبثا أن يعرف منه كنه ما بداخله، لكنه كان يراوغه في الحديث ولم يُجِب عليه فانصرف الرجل.
وبخروجه بدأ ت الحمم البركانية التي تقطن قلبه في الانصهار؛ فماذا عساه أن يُفصح له؟هل سيصدق أحد ما حدث؟ لم ينس أبدا تلك الليلة المشئومة، ثم لاحت له لحظة عودته بسيارته الفخمة من العمل ودخوله بهو الفيلا الكبير وكان الجميع نيام، حيث صعد بيجاد للطابق الأعلى متجها صوب غرفته، ففتح باب الغرفة ودخل، وحدث شئ غريب؛ حيث سمع صوتًا بالخارج؛ يبدو أنه قرع أقدام أحد يمشي مسرعًا، فتح غرفته على الفور لم ير أحد، لكنه لمح طرف ظل تتبعه وسرعان ما اختفى.هنا نادته والدته: ما بك يابني؟قص لها ما رأى فطمأنته أن ماحدث مجرد خيال ناتج من عناء العمل، وطلبت منه أن يذهب ليرتاح وألقى عليها تحية المساء وتوجه حيث أتى.
تكرر ذلك الموقف مرارًا وتكرار ولحظ في كل مرةٍ اصرار وتشكيك والدته له فقرر أن يعرف الحقيقة، ليقظع الشك باليقين. وذات ليلة تربص بعد عودته من عمله متأخرا كعادته في مكانٍ ما ليرى من صاحب الخُطوات السريعة تلك، ما تعجب له بيجاد أنه لم يجد شئ وكأن صاحب الخُطى كان على دراية بتربص بيجاد له.وهكذا ظل المسكين يعيش في شك دائم وعجز عن معرفة الحقيقة حتى بدأ يشك في نفسه وساءت أحواله لأبعد مدى مما اضطره ذلك لتناول المهدئات، ولم يكتفِ بذلك بل تخطاه لزيارات متكررة للطبيب النفسي.
تُرى ما الذي أودى به لتلك الحالة؟ أحقا هو من عناء العمل ؟ أم هناك سر غامض؟ أهي أشباح وأرواح شريرة تقطن تلك الفيلا ؟…ربما ..على أية حال تحول الفتى لمضطرب نفسي يقاسي الويلات ؟عله يتعاطى المخدرات ولم لا فكل شيء جائز.
في هذا الصخب حاول عبثا التعافي من ذلك المرض، حتى يستطيع مواصلة أعماله والاعتناء بوالده طريح الفراش إثر جلطة دماغية مفاجأة أردته طريحا في الفراش لم يعرف أحد سببها حيث كان يتمع بصحة جيدة، ولا يعاني من ضغط الدم.
لم ينس بيجاد صديقه الوفي الذي طالما وقف بجانبه وخاصة بعد اضطرابه نفسيا، وكان دائم التردد عليه في فلته وكان أيضا يقوم بتحمل كل الأعباء الخاصة بالعمل، لذا رآه بيجاد نقظة بيضاء في صفحته السوداء تماما كما يرى والدته والتي كانت له خير عون في شدته .في اليوم التالي ذهب للعمل في صحبة الرجل الطيب، وفي أثناءتناول وجبة الغداء أحضر العمال بعض الأطعمة وكان الطعام ملفوفا في ورق جرائد، وقبل أن ينزل الطعام جوفه رمق بعينيه في صفحة الوفيات صورة والدته، ومدون أعلاها (قتلت عشيقها بعد أن اكتشفت خيانته لها) لم يطَّلِع على تفاصيل الخبر، شعر بدوار ولم يتمالك نفسه، وهنا مرت أمامه صورة والدته في غرفة نومها،وكأنها حدثت للتو .أمه في أحضان صديقه، أغمض عينيه من بشاعة ما رأى !
هام على وجهه في زحام المدينة. ماسمعه من وقع خطوات لم يكن هلوسات ولا أشباح ولا أرواح شريرة كما توهم، بل يقينا،نعم كان يقينا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close