خليهم يتسلوا

خليهم يتسلوا

محمد سيف الدولة

[email protected]

ربما كان التوقيت الانسب لنشر الخواطر التالية، هو الذكرى السنوية لثورة يناير، ولكننى رأيت التعجيل بنشرها كرسالة ودعوة الى الاخوة والأشقاء من الشعبين التونسى والسودانى، لعلهم يترفقون ببعضهم البعض قليلا، فكل هذه الانقسامات والصراعات التى يخوضونها اليوم لن تسفر عن شئ فى نهاية المطاف سوى ضياع الثورة وجلب الخسارة الفادحة للجميع.

***

حين قال الرئيس الاسبق حسنى مبارك جملته الشهيرة ((خليهم يتسلوا)) من باب الاستخفاف والسخرية من المعارضة المصرية التى احتشدت بعد اعمال التزوير الشامل للانتخابات البرلمانية عام 2010، وقررت تأسيس برلمانا شعبيا…

فان كثيرين سخروا من سخريته بعد قيام ثورة يناير ونجاحها فى اسقاطه وانهاء حكمه. واصبحت هذه الكلمة بمثابة “مأثورة” شهيرة يرددها الناس لوصف كل من يركبه الغرور ويخطئ فى تقدير الامور ويستهين بالشعوب ويقلل من شأن غضب الناس أو قوة المعارضة السياسية.

ولكن بعد مرور عشر سنوات على ثورة يناير، واعادة تقييم الامور، فاننى اتصور انه يتوجب علينا ان نعيد الاعتبار الى مقولة “خليهم يتسلوا” لانها تنطبق بمعنى من المعانى على ما انتهت اليه الامور فى مصر بالفعل؛

فصحيح اننا نجحنا فى انهاء حكم مبارك واسقاطه، ولكننا فشلنا بجدارة فى انجاز الاهداف التى قامت الثورة من اجلها، والتى قمنا باسقاطه من أجل تحقيقها.

فاذا أمعنا النظر فيما آلت اليه الأمور بعد كل هذه السنوات، فسنكتشف ان كل ما بذلناه من جهود وتضحيات وكل ما قدمناه من شهداء، وكل ما اسسناه من حركات وجمعيات ولجان وأحزاب وجبهات، وكل ما نظمناه من وقفات ومسيرات وتظاهرات واعتصامات، وكل ما رددناه من هتافات وشعارات، وكل ما استُنزفنا فيه من خلافات وصراعات وانقسامات حول قضايا تصورنا فى حينها انها مصيرية، كل هذا ذهب هباءً وكانت نتيجته النهائية صفر وربما أسوأ:

· اختلفنا فى استفتاء 19 مارس 2011 حول الموقف من التعديلات الدستورية وهل نقبلها أم نقوم باعداد دستورا جديدا.

· واختلفنا هل الانتخابات اولا ام الدستور اولا.

· وانشقت صفوفنا من يومها الى اسلاميين ومدنيين.

· واختلفنا حول موقفنا من المجلس العسكرى.

· ومن احداث مجلس الوزراء ومحمد محمود.

· وتنافسنا فى الانتخابات البرلمانية ضد بعضنا البعض بعشرات القوائم بدلا من النزول بقائمة موحدة للقوى التى ترافقت فى ميادين الثورة.

· ثم اختلفنا حول شرعية الميدان ام شرعية البرلمان.

· وانقسمنا فى الانتخابات الرئاسية 2012 وتقدمنا باكثر من خمسة مرشحين كلهم محسوبون على الثورة، ولم ننجح فى اختيار مرشح واحد ندعمه ونلتف حوله فى مواجهة مرشحى النظام القديم.

· واختلفنا حول مرسى ام شفيق.

· ثم حول “حل” اول برلمان منتخب فى انتخابات نزيهة منذ عقود طويلة.

· وعلى دستور 2012 المشهور باسم دستور الاخوان.

· وحول اقالة النائب العام.

· وحول الاعلان الدستوري.

· واختلفنا على الانتخابات الرئاسية المبكرة.

· وحول استدعاء الدولة والجيش لانهاء حكم الاخوان.

· وعلى التفويض لمواجهة اعمال الارهاب المحتملة.

· وحول فض رابعة وما تلاها من سجون ومحاكمات وتقييد لحريات الجميع.

· وما زلنا نختلف ونتصارع حتى يومنا هذا.

***

ليصبح السؤال هو من منا الذى أثبتت الايام صحة مواقفه واختياراته؟

والاجابة هى لا أحد، للأسف الشديد.

فأى محاولة لعمل كشف حساب ختامى لهذه السنوات، لمراجعة وتقييم وتحديد اى من الخيارات والمواقف والصراعات والمعارك الشرسة التى خضناها ضد بعضنا البعض والتى وصلت الى درجة تكسير العظام، كان لها نصيب من النجاح بعد ذلك، تكشف بوضوح ان كل من شارك فى ثورة يناير قد خسر كل شئ؛

· فبعد ان قمنا باعداد دستور جديد فى 2014، تم تعديله فى 2019.

· وتم مصادرة كل ما حققته الثورة من مكتسبات فى مجال الحقوق والحريات والديمقراطية والانتخابات والفصل بين السلطات وتداول السلطة.

· وأصبح البرلمان موالى للسلطة التنفيذية ومن صناعة مؤسساتها واجهزتها السيادية.

· وتم تأميم الاعلام وحرماننا جميعا من المشاركة فيه، بعد أن كان شاهدا على مناظراتنا وصولاتنا الكلامية التى لا تنتهى ابان الثورة.

· واصبح من المحظور وجود اى منافس حقيقى فى الانتخابات الرئاسية.

· واصبح المختلفين والمعارضين وكل من شارك فى ثورة يناير وكل من يدافع عنها، جميعا على القوائم السوداء للدولة، منهم من فى السجون، ومنهم من هم خارجها محاصرين ومحرومين من أدنى حريات التعبير والمشاركة.

· وهكذا.

***

كلنا خسرنا بامتياز، وبقى ذات النظام بعد أن جدد دمائه، ليحكم مصر لعقود طويلة قادمة اذا سارت الأمور فى مسارها الحالى.

ليظهر مجمل المشهد وملخص الحكاية وكأنه نوع من العبث، لم يسفر رغم كل الجهود والتضحيات والآمال، الا عن النقيض تماما من كل ما كنا نستهدفه ونتمناه ونناضل ونتصارع من اجله.

انه بالفعل مشهد قريب الشبه بالتسالى التى وصفنا بها مبارك، والتى توصف بها عادة اعمال اللهو أو الالهاء.

ولكنها كانت تسالى باهظة الثمن.

*****

القاهرة فى 12 أكتوبر 2021

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close