الدين السياسي: الوسيلة الاخطر في استغلال البشر

الدين السياسي: الوسيلة الاخطر في استغلال البشر.
يعد الدين من الدعائم الاساسية للاخلاق وتحكيم اصولها في المجتمع، فان الانسان تدفعه ميوله النفسانية والغرائز المتعدية التي لا تعرف لنفسها حدا وهي تريد ان تنال كل لذيذ وملائم، سواء وافق القيم ام خالفها، وهذا شيء يلمسه كل انسان بوجدانه، كذلك فان الفطرة الانسانية توحي الى صاحبها بحفظ القيم والعمل، وعند ذلك يجد الانسان نفسه في صراعا عنيفا ولابد لينجح في هذا المعترك من عامل يرجح جانب الاعتدال وعدم التجاوز على حقوق الاخرين، ومن هنا ياتي دور الدين لايجاد التوازن في نفس الانسان من خلال الاعتقاد بان ما يعمله الانسان من خير او شر سيحاسب عليه و تفترض المدرسة الانثروبولوجية ان للانسان طبيعة دينية اصلا، وذلك بسبب من تكوينه الخاص، وبصورة مستقلة عن الشروط الاجتماعية برمتها.
من هذا المنطلق يعد الدين من ابرز العوامل التي تؤثر في الانسان ولا يكاد انسان لا يخضع لهذا التأثير سواء شعوريا او لا شعوريا، لذلك صار هناك حقيقة بان الناس يمكن توجيههم بتجاه معين من خلال ما يركنون ليه من فكر واعتقاد يؤثر فيهم، الا انه ((مهما كانت قيمة الفكر فانه لايقوى ولا يستقطب الانصار الا اذا دخل اليه عنصر المبالغة، وحينئذ فقط يؤثر ذلك الفكر في عامة الناس، لذلك دخل العامل النفسي والكلام الثوري في احاديث المصلحين لكي يثير كلامهم عواطف الناس ويستلهمهم وهذا ما حدث مع اغلب المفكرين اذ انهم اصبغوا على فكرهم هذا الطابع لكسب المؤيدين، ايضا هذا الامر لم يكن بعيدا عن الدين فقد تسعى المؤسسة الدينية الى ابراز قيمة من قيم الدين التي قد نسيت او خف تأثيرها في الناس فتضفي عليها الطابع النفسي والتأثير الثوري فتثير عواطف الناس تجاهها وربما يتطلب ذلك الابتعاد عن الفقه وما شابه لان المقصود هي عواطف الناس وليس الفكر في هذه الحالة.
ان العامل الديني قد وظف على مر التاريخ في تحقيق اهداف معينة، ففي احيان يوظف الدين سياسيا بطريقة غير مباشر للتأثير في الناس وتوجيههم بتجاه معين وهذا ما لمسناه في فتوى تحريم التنباك للمرجع الشيعي (محمد حسن الشيرازي) عندما اضرت الاتفاقية التي عقدها شاه ايران مع الانكليز عام 1890 والتي اضرت بشريحة كبيرة من العمال الايرانيين، كذلك الحال في العراق بعد 2003 فقد وظف الدين كوسيلة لكسب المؤيدين في الانتخابات بشعارات براقة ومنمقة انقاد لها الشعب المخدر دينيا لا سيما وانه خارج من دكتاتورية مقيتة وكبت للحريات والحقوق، فعمل السياسيين على كسب الناس لقوائمهم الانتخابية او لاحزابهم وكتلهم من خلال رفع شعارات دينية مؤثرة في الناس وفي هذه الحالة يخرج الدين عن مساره الصحيح ليتحول الى اداة توظف سياسيا لغرض تحقيق اهداف ومصالح سياسية بحتة( الدين السياسي).
لذلك وانطلاقا من هذه الاهمية التي يحضى بها العامل الديني في التأثير على توجهات الناس وسلوكهم في التعامل الحياتي سواء في الجانب السياسي او الجوانب الاخرى سنتطرق الى تعريف الدين وتبيان علاقته بموضوعنا الا وهو التوظيف السياسي للدين او ما يمكن تسميته بـ ( الدين السياسي)، وكيف استغل الدين على مر العصور في تحقيق مآرب السلطات سواء اكانت سلطات سياسية او السلطات الدينية ذاتها.
ان كلمة الدين تؤخذ عادة من فعل متعد بنفسه(دان دينه)، وتارة من فعل متعد باللام(دان له)، وتارة من فعل متعد بالباء(دان به)، فاذا قلنا (دان دينا) عنينا بذلك انه ملكه وحكمه وساسه ودبره وقهره وحاسبه وقضى في شأنه وجازه وكافأه، فالدين بهذا المعنى يدور حول الملك والتصرف بما هو شأن الملوك من السياسة والتدبير والحكم والقهر والمحاسبة والمجازاة. واذا قلنا ( دان له) اردنا به انه اطاعه وخضع له فالدين هنا هو الخضوع والطاعة والعبادة والورع. اما اذا قلنا (دان بالشيء) كان معناه انه اتخذه دينا ومذهبا. وبالتالي يتضح ان الدين هو المذهب او الطريقة التي يسير عليها المرء نظريا او عمليا. كما ان كلمة الدين لغويا عن العرب تعني ان تكون هناك علاقة بين طرفين يعظم احدهما الاخر ويخضع له، هذا المعنى اللغوي للدين اما المعنى الاصطلاحي فيكثر الكلام فيه لكن نعرج على تعريفين منها، يقول شيشرون في كتابه عن القوانين( ان الدين هو الرباط الذي يصل الانسان بالله) وكذلك يقول في كتابه (الدين في حدود العقل)(الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على اوامر الهية).
يتبين من العرض السابق ان الدين هو الانقياد والخضوع او الطريقة والسلوك الذي يدور حول فلكه الانسان، لكن يبقى من الصعوبة بمكان اعطاء تعريف شامل وجامع للدين كون الذين يسعون الى تعريفه هم ايضا بشر يعتنقون ديانات معينة وبالتالي فان تعريفاتهم للدين لابد وان تتاثر بما يعتنقونه الامر الذي يجعل ميولهم ترى ان دينهم هو الصح وما دونه الخطأ كما جاءت في تسمية علماء الاسلام حينما سمو الاديان السماوية بالملل اي الاديان المنزلة من السماء وهي اديان صحيحة وحقة وتسمية الاديان الغير منزلة بالنحل وهي بنظرهم اديان باطلة، لكن بشكل عام يمكن تعريف الدين بانه((مجموعة المبادئ والمعتقدات التي تدين بها تلك الامة او الشعب)). وباعتبار ((ان الدين هو احد المظاهر الرئيسة المشكلة للمجتمع، فقد خضع لدراسة العلماء لبيان مدى تأثيره في المجتمع افرادا وجماعات، ومدى علاقته بالتطور الحضاري والفكري)) ، لذا فان لكل دين من الاديان سواء اكانت سماوية ام غيرها تفرض على اتباعها سلوكا معينا احيانا يتخذ شكل القوانين (الاحكام) واحيان اخرى يتخذ شكل الشعائر والطقوس وفي كلا الحالتين فان له تأثير على سلوك معتنقيه وبطبيعة الحال يختلف هذا التاثير من دين لاخر حسب تعاليم واحكام كل دين.
وانطلاقا من القاعدة التي تقول بتدخل الدين في السياسة والمجتمع، لدرجة كبيرة في حياة الشعوب، حيث تساهم الرؤية الدينية في تشكيل توجهات وأمزجة الشعوب، فلا بد من أجل فهم ذلك من وقفة للبحث في علاقة الدين في السياسة.
على مر العصور استخدم الدين كوسيلة اخضاع للشعوب من قبل السلطات سواء كانت سلطات سياسية او دينية كنتيجة طبيعية لكون الدين عامل ذا اهمية كبيرة في توجيه الانسان، الامر الذي استساغه الحكام في توظيف هذا العامل لصالح ترسيخ حكمهم فقصة فرعون في القران الكريم يمكن الاستدلال بها عن كيفية استخفاف فرعون لقومه حتى الهوه واعتبروه ربهم الاوحد (( فاستخف قومه فأطاعوه…) الزخرف اية 54)). كذلك الامثلة كثير في مسيرة التاريخ عن سلوك الحكام في توظيف هذا العامل لكسب ود الناس وطاعتهم، فعلى مدار العصور التاريخية المختلفة أدعى الكثير من الحكام أن لديهم تفويضا إلهيا، وذلك من خلال إدعائهم بأنهم آلهة، ومن طينة الآلهة مثل قياصرة الرومان والعديد من أباطرة الامبراطوريات القديمة، أو من خلال الإدعاء بأن الرب هو الذي أعطاهم تفويضا لقيادة الأمة. فولاء الأمة الوطني في تلك الفترات، كان متركزا في شخص الحاكم وهذا يعني أن الإخلاص للأمة والوطن، يكون من خلال الإخلاص للحاكم والتزام طاعته, كذلك استخدم هذا الاسلوب حكام الدولة الاموية والدولة العباسية بادعائهم الصلة والقرب الى رسول الله محمد (ص). ايضا الحال نفسه في العالم الغربي في العصور الوسطى او ما عرفت بالعصور المظلمة، نتيجة لسيطرة المؤسسة الدينية على مقدرات الناس بادعائها التمثيل الالهي او ظل الاله في الارض الامر الذي يحتم على الناس طاعتها تقربا الى الله، ((لقد كانت الامبراطورية والكنيسة طوال العصور الوسطى تتلاعبان في خيوط الحياة في اوربا حتى ضعفتا وفسحتا المجال لظهور الدولة القومية)) ،ولم يكن هذا تغيير جاء بمحض الصدفة بل شهدت اوربا حينها حركات اصلاحية وثورات قام بها مفكرين غربيين من امثال المفكر مارتن لوثر الذي كسر حاجز الخوف من محاكم التفتيش وبذر ثورة اصلاحية دينية تحررية نتج عنها مذهب البروتستانتي، وهذه الحركة الاصلاحية كانت الضربة الاولى للمؤسسة الدينية والتقليل من دورها في الامور السياسية بل كان هذا العمل الذي قام به مارتن لوثر هو اللبنة الفعلية لفصل الدين عن الدولة في الدول الغربية.
لقد استغل الحكام حركة الاصلاح الديني رغم ما لها من اهداف اساسية الا ان الحكام قد وظفوا هذه الحركات في التخلص من سطوة الكنيسة والاستفادة منها في تدعيم اركان الدولة الحديثة()، اذ كانت الكنيسة هي المسيطرة على الحياة في اوربا في العصور الوسطى، فقد كان نفوذ رجال الدين عاليا في بلاط الملوك فكثيرا ما اتخذ بعض الملوك من رجال الدين سلاحا اشهروه في وجه اعدائهم()، فقد عمل فردريك الثاني على اصدار دستور يسمح موظفيه بملاحقة المهرطقين وعدم السماح لرجال الكنيسة باخذ هذه الوظيف وكان غرضه من ذلك سياسيا يتمثل بمسايرة الرأي العام واظهار غيرته على المسيحية.
وليس بمقدور الدولة تحقيق السلام الا من خلال تخليص نفسها من ارتباطها الديني عبر وضع نفسها في موضع اعلى من الكنائس وذلك بمشروعية دينية خاصة بها تستمدها من صلتها المباشرة بالله اي من خلال ما يسمى بالحق اللهي، حيث ان الدولة هي الحكم والضامن في ان تاخذ على عاتقها النظر في كيفية تطبيق المقدسات، بما تتضمنه تلك المقدسات من تهديد خطير للنظام العام. ويقول الاب رينال وهو يعرض المبادئ الصحيحة في ادارة المقدسات وهذه المبادئ تتلخص في ثلاث نقاط(( لم توجد الدولة بتاتا لخدمة الدين انما وجد الدين لخدمة الدولة))، (( المصلحة العامة هي القاعدة التي يجب ان يبنى عليها كل شيء في الدولة))،(( الشعب او السلطة التي تؤتمن على سلطة الشعب، هو الوحيد الذي له الحق في الحكم على توافق اي مؤسسة مع الصالح العام مهما كانت هذه المؤسسة)). وهذا ما ذهب اليه ماركس في تعليقه على الخضوع للدين والتحرر الانساني الكلي هو ما يعجز عنه اي دين في نظر ماركس لان الدين هو احد اسلحة المجتمع البرجوازي. والدين بالنسبة اليهم يمثل قرارا عاما بالوضع القائم، وتأليه لسلطتهم الخاصة، لذلك يستخدمون الدين ستارا مقدسا يخفون ورائه كل رغباتهم الدنيوية اللامعقولية والخيالية، فقد استغل الدين حتى في التخلص من الخصوم والمعارضين او في كسب المؤيدين كما اشرنا ، وهذا ما حصل في تاريخ صدر الاسلام ايام حكم الامويين، فقد كان أتباع الإسلام الأموي من رجالات علم الجرح والتعديل أرسوا قاعدة في منتهى الخطورة، مفادها: أن الشخص ما لم يترضَّ على خصوم الإمام عليّ لا يعدّ من أهل السنّة، وأنّ مجرد التشيّع لعلي وأهل بيته عليهم السلام يوجب الطعن في قائله، ووضعه موضع التهمة والشكّ . هذا مع أن القاعدة المشار إليها أعلاه معكوسة أيضاً، أي أن أصحاب الإسلام الأموي كما يطعنون فيمن يحب علياً ويخاصم معاوية ويغمزون فيما يرويه وينقله من أخبار أو فيما يفصح عنه من مواقف، فإنهم في المقابل يوثّقون من يحبّ معاوية ويخاصم علياً ولا يجدون غضاضة في قبول ما يرويه، بل وصل الحدّ إلى تفضيلهم هؤلاء على من يشايع علياً ويحبّه واعتبارهم إيّاهم أوثق وأكثر احترازاً في الدين ممن يوالونه عليه السلام. ويقول محمد بن عقيل بن عبدالله ((قرأت شيئاً من كتب أهل الجرح والتعديل، فلمحت فيها بعض ما يوجب العتاب […] بل رأيت فيها جرح بعضهم لبعض للأئمة الطاهرين بما لا يسوغ الجرح به عند المنصفين، أو بما يحتملون ما هو أشدّ منه بمراتب للخوارج والنواصب المبعدين. رأيتهم إذا ترجموا لسادات أهل البيت أو لمن تعلَّق بهم، اختزلوا الترجمة غالباً وأوجزوا. وإذا ترجموا لأضدادهم أو لأذناب أعدائهم، أطالوا ولعذرهم أبرزوا. ومن المعلوم ما يوهمه الاختزال، وما يفهم من الإسهاب والاسترسال، رأيت فيها توثيقهم الناصبي غالباً، وتوهينهم الشيعي مطلقاً، ورأيت ورأيت.
يتضح مما سبق ان الدين استغل بكل الطرق في تثبيت الحكام في حكمهم وسلطانهم او في التخلص من المعارضين وما شابه، من هذا الطرح تبرز لنا اشكالية مهمة جدا وهي الاشكالية التي اختلف عليها العلماء والمفكرين اسلاميين وغربيين وهي مسألة العلاقة بين الدين والسياسة، فقد ذهب بعض المفكرين ليس فقط من تثبيت هذه العلاقة بل اعطاها طابع الاولوية كما هو الحال مع المفكر الاسلامي المودودي الذي منح السياسة المقام الرئيسي في الدين الاسلامي واظهار الدين سياسيا هو الهدف الاساسي عنده لذا فمن البديهي ان اصبحت اجزاء الدين كلها تابعة للسياسة والسياسة هي الوحدة الاساسية للدين وفي ضوئها يتم تعيين اهميته وهكذا تكونت فكرة الدين في ذهنه على اساس غلبة اللون السياسي على باقي اجزاء الدين. وبالتاكيد هذا الميول لدى المودودي لم ياتي من فراغ بل هو تأثر بما كان سائدا في عصره. لكن في الجانب الاخر يرى الحداثيون بعدم وجود علاقة رابطة بين الدين والسياسة فالدين شيء والسياسة شيء اخر وهناك علاقة تضاد وتصادم فيما بينهما وهما لا يلتقيان لان مصادرهما مختلفان وغايتهما مختلفة ايضا، فالدين من الله والسياسة من البشر، والدين نقاء واستقامة بينما السياسة خبث والتواء وغدر والدين غايته الاخرة والسياسة غايتها الدنيا فينبغي ان يترك الدين لاهله والسياسة لاهلها، بطبيعة الحال كانت هذه الرؤية متأثرة بالواقع ايضا فقد لاحظنا في السطور السابقة كيف استغل الدين بابشع صورة لتحقيق مآرب الحكام لترسيخ حكمهم وسلطانهم والتخلص من الخصوم.
كذلك ما يعتبر حجة لانصار فكرة فصل الدين هو ما فعلته السلطات الكنسية اثناء فترة محاكم التفتيش من تطويع القانون بما يسمح لها من ملاحقة المهرطقين والصاق التهم بهم فكانت التهم توجه على اساس المظاهر التي اعدت دليلا على هرطقة الفرد من امثال ان يكون الانسان طيبا او ان يوجد بحوزته كتابا او ما شابه وكانت تستعين بمن يشهد بالضد من المتهمين حتى وان لم يكن للشاهد صلة بالواقعة وبطبيعة الحال كان هذا يتم تحت انظار السلطة الزمنية التي كانت تغض الطرف عن هذه الافعال والممارسات لكي لا تصطدم بالكنيسة اولا ومن ثم تكون محل استحباب لدى الاثنين الكنيسة والرأي العام السائد، لذلك سعت السلطات في الدول الى توظيف الدين بالطريقة التي تحرر الناس من التبعية له والانقياد للدولة من خلال ابراز بعض الشبهات العامة مثل “ان اللجوء للدين في الشؤون السياسية والحكم وادارة الدولة يصيب الحياة بالجمود والعفن”،لكن مهما حاولت السلطات او الدول في فصل الدين عن السياسة فانه غير ممكن عمليا، فالولايات المتحدة الامريكية تبدوا في ظاهرها علمانية، فلا وجود لدور ديني في سياستها الخارجية والداخلية. ولكن الباحث في عمق المجتمع الأمريكي يلحظ أمرا مغايرا وإنها متدينة أيضا إلى جانب العلمنة ولعل هذا الأمر الإستثنائي حيث تتضح وتتجلى منه الميزة الخصوصية للولايات المتحدة. فمن جانب هناك حضور ديني على نطاق واسع وحيوية دينية، إضافة إلى التنوع الكبير في الحركات والأحزاب الدينية، حيث يوجد في الولايات المتحدة أكثر من 1500 جماعة دينية.
قد عمل الأمريكيون على تقديس مشروعهم القومي، والذي وصل لدرجة التأليه. وقد بدا ذلك واضحا خلال الثورة الأمريكية. وهو الذي يسميه عالم الاجتماع الأمريكي روبيرت بللاه ” الدين المدني. كذلك استخدام النصوص الدينية من جانب الساسة الأمريكان مثل استخدام كلينتون في خطابه الافتتاحي عام 1997 لعبارة من التوراة تقول ( استرشادا بالرؤية القديمة لأرض الميعاد فلنوجه أبصارنا اليوم ألي أرض ميعاد جديدة ) فيشير الي الحرب الصليبة وهي الحرب التي تستحضر الحروب الصليبة في العصور الوسطي وتستند ألي نصوص دينية من التوراة أو الإنجيل ، ومن ثم فوصف الرئيس الأمريكي للحرب علي أفغانستان بأنها حرب صليبة لم تكن زلة لسان ، وإنما هي تعبير عن الثقافة الأمريكية في الموقف من الحرب .
يبرر الساسة استخدامهم المصطلحات الدينية او اتباعهم منهج الفصل بين الدين والسياسة، ان الدولة في توظيفها للدين لا تسعى الى ابعاد الناس عن عقائدهم بقدر ما تسعى الى التركيز على المشتركات بين الديانات التي تحتويها كل دولة فالدولة تسعى لان يكون لديها المعيار العام الذي يكون تحديد الدين الصحيح الذي يخدم المصلحة العامة ولا تكون الدولة جزء من الصراعات او الافكار الدينية التي قد تدعوا الى تشتيت جهود الدولة وقوتها سواء داخليا ام خارجيا،(( انما الدولة هي بالاساس تعادي مطامع الكنائس الدنيوية وليس الدين بحد ذاته فهي تطلب من المؤمنين ان يحتفظوا بأيمانهم الشخصي بالإخلاص للعالم الاخر).
مما سبق يلاحظ حدوث تحول كبير في موضوعة الدين في الولايات المتحدة، حيث خرج الدين من الكنيسة وتم تحويله ليخدم هدف ثاني، ألا وهو الأمة الأمريكية، والتي أصبحت لاحقا النموذج الأسمى للدول القومية الأخرى الامرالذي جعل المحافظين الجدد يستخدمون الدين لتحقيق مصالحهم، وفي حملتهم الإنتخابية ذكر بوش ،أإنه يبدأ حياته كل يوم بقراءة فقرات من الإنجيل، ومن الكتاب المقدس الذي يشمل الإنجيل والتوراة العبرية. ومن كتبه المفضله التي قال أنه يقرؤها كل يوم، كتاب القسيس” أوزوالد شامبرز،” الذي مات في مصر وهو يعطي المواعظ للجنود البريطانيين، والأستراليين هناك بالزحف على القدس وإنتزاعها من أيدي المسلمين .وقد لاحظ كثيرون أثر الدين في توجهات ورؤية جورج دبليو بوش السياسية. فكثيرا ما يذهب لتفسيرات دينية للأحداث السياسية، قال في حديث للمذيعين الدينيين: “إن الإرهابيين يمقتوننا، لأننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة.” أشعر كان الرب يريدني أن أخوض إنتخابات الرئاسة، ولا أستطيع أن أصف ذلك. ولكنني أشعر بأن بلادي ستكون بحاجة الي لأن شيئا ما سيحدث، وأعلم إن ذلك لن يكون سهلا، ولكن الله يريدني أن أفعل ذلك، وعندما قرر جورج بوش الترشح للإنتخابات الرئاسية جمع القساسوة الرئيسيين، وقادة اليمين المسيحي، ليخبرهم بأنه كان ينظر لنفسه ك”مستدعى من قبل الله لشغل أكثر، ويلاحظ كذلك أن جورج بوش يميل كثيرا إلى تفسيرات دينية للأحداث السياسية()، وفي اليوم التالي لحدوث هجمات 11/9 قال بوش ان الولايات المتحدة ستحارب تنظيمات الارهاب ومن يساندها، ويقف وراءها، مشيرا إلى ثقته في أن الخير سينتصر في النهاية. وستتمكن الولايات المتحدة من قهر أعداءها. وأكد أن الحرب على الارهاب هي مهمة عهد الرب اليه بها، من أجل الدفاع عن دولته العظمى وهيبتها والتخلص من قوى الشر.
الخاتمة:
من الداسة السابقة يتبن لنا كيف ان الدين عامل ذي اهمية كبيرة في حياة الناس، وكيف ان هذا العامل وظف بشتى الطرق لخدمة اهداف معينة سواء كانت فردية ام جماعية، هذا العامل الذي جعل منه محط انظار العلماء والمفكرين في البحث فيه والتركيز على مضامينه وتاثيره في الناس من جهة وسعي السلطات بشتى اشكالها الى توظيفه لتحقيق غايات واهداف محددة، ويمكن ايجاز بعض النقاط التي تم التوصل اليها كاستنتاجات وكذلك طرح بعض التوصيات التي من الممكن ان تستغل عمليا لحفظ الدين وابعاده عن التوظيف الغير صحيح وبالتالي حماية حق وحرية كل انسان دونما استغفال له بسبب ما يعتقده.
الاستنتاجات:
1- ان الدين بصورة عامة هو امر فطري في الانسان(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ )الروم – اية30 ، بغض النظر عن كون هذا الدين سماوي او دينا ارضيا.
2- لم يجتمع العلماء والمفكرين حول تعريف جامع شامل للدين لكونه ينطلق اساسا من وجدان الانسان وبالتالي يتأثر اي تعريف يعرف به الدين بمعرفه وكذلك بالبيئة التي يكون هو فيها لكن بصورة عامة اعطي للدين تعريفا عاما بكونه((مجموعة المبادئ والمعتقدات التي تدين بها تلك الامة او الشعب)).
3- يجمع العلماء والمفكرين على ان للدين تأثير ليس له مثيل على معتنقيه بالشكل الذي يجعل منهم اتباع منقادين له ولاحكامه حتى يصل هذا الانقياد الى الخضوع للمؤسسة الدينية او الذي يحرك ايمانهم بطريقة او اخرى وهذا ما استخدمته السلطات الدينية والسياسية في قيادة الناس وتوجيههم بالشكل الذي يثبت مكانتهم وحكمهم وهذا امر بين للمتتبع صفحات التاريخ سواء العربي الاسلامي او الغربي منه بل التاريخ الانساني برمته.
4- اختلف العلماء بين مؤيد ورافض ومؤيد بقوة لمسألة التداخل بين الدين والسياسة ولكل منهم حجته التي يراها مقنعة فالذي ايد التداخل والترابط بين الدين والسياسة انطلق من كون الدين له علاقة مباشرة بالانسان وان الدين في الاساس يتضمن في ثناياه الحكم والقيادة وادارة شؤون الناس كون الدين يحتوى على الاحكام والضوابط المنظمة لامور المجتمع والحافظة لتوازنه، وفي هذا الاطار يذهب الكثير من علماء الديانات السماوية. في حين يذهب الطرف الاخر الى ان للدين وظيفة تختلف عن الوظيفة السياسية وان الدين مقصده اخروي بينما السياسة ذات مقاصد دنيوية وقد تؤدي الى الخطأ( الغاية تبرر الوسيلة) ولا يقصد اصحاب هذا الرأي من موقفهم هذا هو انهم ضد الدين بقدر ما يبررون موقفهم بان يكون ايمان الانسان لنفسه وهو امر ذاتي بين الفرد وربه وليس لذلك علاقة بالسياسة ، ورغم مالهم من حجج الا ان موقفهم يخلط بين المنهج وبين الذي يطبق هذا المنهج فليس بالضرورة ان ينسحب خطأ المطبق على المنهج فالامر بديهي ما دام الامر يتعلق بانسان غير كامل قابل للوقوع في الخطأ والتعثر في تطبيق المنهج الصحيح.
5- تبين من ثنايا البحث ان الدين استغل من قبل الحكام في تصفية الخصوم او المعارضين السياسيين، كما حصل مع الامام علي عليه السلام ايام الدولة الاموية وحتى ايام الخلفاء الراشدون.
6- لم يقتصر التوظيف السياسي للدين على عصر دون اخر ولا مكان دون اخر، فالذي حصل في العصور السابقة لا زال موجودا في في الوقت الحاضر كل حسب البيئة ودرجة الوعي بالدين وتاثيره ففي العراق بعد عام 2003 استغل الدين من قبل الذين كانوا يعارضون نظام صدام بانهم رفعوا اليافطات التي تعبر عن انتماءاتهم وحركوا الساكن من الخلافات التاريخية الامر الذي ترتب عليه دخول المجتمع في ازمات متتالية بدءا من اثارة النعرات الطائفية وحتى استخدام ذلك وتقنينه في الدستور العراقي 2005 بتقسيم الشعب الى مكونات طائفية الهدف منها الحفاظ على مكتسبات السياسيين بعد 2003ولم يقتصر ذلك بطبيعة الحال على الذين ينتمون الدين الاسلامي بل حتى اقليات الديانات الاخرى نحت هذا النحو.
7- ان الدين في بعض الاحيان لا يكون ظاهرا على سياسة الدولة بالشكل الصريح حتى يتم التعمق في صلب سياسات الدولة داخليا وخارجيا فالولايات المتحدة الامريكية المأخوذ عنها انها دولة علمانية ليس لها علاقة بالدين لمن النظر بعمق لتكوين الشعب الامريكي وصناع القرار فيه يرى ان للدين دور بارز في توجيه السياسة الامريكية داخليا وخارجيا وهذا يبدوا جليا من خلال العدد الكبير للاحزاب الدينية في اية انتخابات تجري في الولايات المتحدة الامريكية.
التوصيات:
1- في خضم الظروف والتطور الذي تشهده المجتمعات والافكار الداعية الى فصل الدين عن السياسة لابد للمؤسسة الدينية من ان تأخذ دورا حازما في مراقبة الاشخاص الذين يظللون الناس بشعارات دينية براقة والاشارة الى تلاعبهم بالدين والافصاح عنهم صراحة امام انظار الجمهور.
2- في تسابق الاحداث لابد للدولة ان تكون لها خطوات واضحة ومسؤولة في ترسيخ حكم الدولة والقانون وتحرير الناس من الاستغلال تحت اي مسمى من خلال نشر الوعي وتوسيع المدركات الثقافية لدى الجمهور لكي يصعب استغلالهم من قبل الاحزاب او القيادات والمؤسسات الدينية بالشكل الذي يجعلهم اسرى منقادين لا شعوريا لتلك الاهواء المريضة.
3- لابد للدولة ان تقوم ببرامج توعية مدروسة عن كيفة ممارسة الافراد لحقهم في المشاركة السياسية سواء بابداء الرأي او استخدام حق التصويت في الانتخابات او حتى الترشح للمناصب.
4- لكي يتم الحفاظ على المنجر والحفاظ على الدين الصحيح لكل فرد وابعاده عن الاستغلال لابد وان يكون هناك تعاوبن بين مؤسسات الدولة والمؤسسة الدينية وكذلك مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني لكي تاخذ على عاتقها الدور الرقابي على التصرفات السياسية للاحزاب والكتل وتأشيرها، ولابد من وجود قانون يدين استغلال دين الناس لتحقيق الاهداف السياسية تحت اي مسمى ولا يعني ذلك فصل الدين عن السياسة بقدر ما يكون البحث عن المشترك بين الاديان والابتعاد عن التفرعات التي تستغل سلبا وبالتالي تهدم كيان ونسيج المجتمعات.
المراجع:
اولا /القران الكريم.
ثانيا /
1- علي حمود العبادي، فلسفة الدين مدخل لدراسة منشأ الحاجة الى الدين وتكامل الشرائع: محاضرات للسيد كمال الحيدري، ط1، دار فراقد للطباعة والنشر، ايران، 2008.
2- وحيد الدين خان، التفسير السياسي للدين،ط1، دار الرسالة الربانية، القاهرة، 1991.
3- يوسف القرضاوي، الدين والسياسة تأصيل ورد الشبهات، المجلس الاوربي للافتاء والبحوث، دبلن،2007.
4- محمد نبيل طاهر العمر و محمد احمد الحاج، مقارنة الاديان، ط1، فلسطين، جامعة القدس المفتوحة، 2010.
5- موسى يوسف الغول، تأثير العامل الديني في السياسة الخارجية لإدارة الرئيس جورج دبليو بوش تجاه منطقة الشرق الأوسط، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا، جامعة/ بيرزيت ، فلسطين.
6- عبد العزيز سليمان نوارو محمود محمد جمال الدين، التاريخ الاوربي الحديث من عصر النهضة حتى نهاية الحرب العالمية الاولى، ط1، ج 1،دار الفكر العربي، مصر، 1999رمسيس عوض، محاكم التفتيش، دار الهلال للنشر والتوزيع، د ت.
7- مارسيل غوشيه، الدين في الديمقراطية، ترجمة : شفيق محسن، المنظمة العربية للترجمة، د ت.
8- فريال حسن خليفة،الدين والسياسة في فلسفة الحداثة، مصر العربية للنشر والتوزيع ، القاهرة، 2005.
9- علي المدن، معالم الاسلام الاموي، محاضرات السيد كمال الحيدري، مؤسسة الامام الجواد،بغداد، 2014.
10- وحيد الدين خان، التفسير السياسي للدين،ط1، دار الرسالة الربانية، القاهرة، 1991.
11- كمال حبيب، الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية،تقويم دراسة منشور على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)متوفر على الموقع: https://www.islamweb.net/ar/article/14469، تاريخ النشر 21/04/2002.

أمجد السراي 2021/10/2

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close