مفهوم السعادة ماذا يعني ؟

مفهوم السعادة ماذا يعني ؟ * د. رضا العطار

كلمة السعادة من الكلمات المشتبهات التي يختلف كثيرون في معناها. فهي عند البعض ثراء يغني عن الكد، وعند آخرين قناعة تغني عن الثراء والكد معا, وعند فريق ثالث شهوات لا تنطفئ.

ولكن عندما نتأمل الاحوال الاجتماعية التي نعيش فيها, نجد اننا مرتبطون بتبعات يلقيها علينا المجتمع من حيث لا يأمر بالتنفيذ ولا يعاقب عند الاهمال ولكنه اي المجتمع يندس في قلوبنا ويعين لنا ميولا واتجاهات ويخلق في ضمائرنا رغبات وشهوات نحس بالابتئاس اذا نحن اهملناها او عجزنا عن تحقيقها. ولكل مجتمع اهدافه التي يعين بها معاني الكرامة والضعة, العظمة والخسة، التفوق والتخلف.

فقد كان مجتمعنا الى وقت قريب يجعل الكثيرين منا يبتئسون لانهم لم يحصلوا على ثروة. كما كان هناك كثيرون من اثرياء الارض الذين كانوا يحسدون اثرياء اخرين غيرهم لان هؤلاء يملكون الف فدان من الارض الزراعية اما هم فلا يملكون سوى بعض الافدنة. لكن مجتمعنا بمرور الزمن تغيرت اهدافه. فليس منا من يقول انه لن يكون سعيدا الا اذا حصل على الف فدان.

ان المجتمع الحديث الذي نعيش فيه يعين لنا اهدافنا ووسائلها بل يحددها وهو بهذا التعيين والتحديد يعين اخلاقه ونوع السعادة التي ينشدها، بل يعين رذائله وفضائله ايضا. ولكن هناك مبادئ عامة لكل المجتمعات تتطلب من الفرد اخلاقا معينة, وهي لا تفرض عقوبة للمخالفين ولكنها لقوة الجو الاجتماعي تصبح هذه الاخلاق والاتجاهات حتمية، حتى اذا عجز عن تحقيقها، قد ينتحر.

وهذا التحقيق هو السعادة. وعلى قدر ما نحقق من هذه الاهداف يكون مقدار سعادتنا.

ولكي نسعد في حياتنا علينا ان تتحقق الاهداف التالية :

1- مصدر للعيش يهيئها المجتمع . 2 – كرامة ومقام اجتماعي نحس به اننا محترمون . 3 – حياة زوجية سليمة . 4 – تجديد , اي تطوير .

هذه هي الاهداف الاربعة التي يقول عنها السيكولوجيون . وايما نقص فيها قد يؤدي الى انحرافات خطيرة . وقد تكوّن هذه الانحرافات جريمة نقع فيها او شذوذا نفسيا يصل بنا الى الجنون. فان العاجز عن تحصيل رزقه اليومي قد يسرق. لانه يعتقد ان كرامته الاجتماعية قد جرحت. وكذلك الحياة الزوجية اذا فسدت فانها تؤدي الى ضروب من الشقاء. من الطلاق الى الهجران الى غير ذلك. واخيرا نجد الرجل الراكد الذي يرفض التطور يعاني سأما. ويجد كل شئ في الحياة ماسخا وسخيفا.

ان مصدر العيش ونوعيته هو اول شرط لسعادة الانسان. ونعني القدرة على الانتاج. وهذا يطالبنا بان نكون على شئ من المهارة الفنية يحتاج اليها المجتمع . لكن العبرة ان نتعلم مهارة خاصة تكون وسيلتنا للعيش الشريف الذي لا نحتاج فيه الى الرجاء او المناشدة. ثم هذه القدرة على الانتاج تحتاج الى مهارة. هي في النهاية وسيلتنا الى الكرامة الاجتماعية التي نتوخاها بل هي المقياس الذي نقيس به صلاحنا وسعادتنا .

والكرامة الاجتماعية تعتبر عنصر مهم جدا في سعادتنا. وهي بالطبع تختلف بين بيئة وبيئة وبين مجتمع ومجتمع . فهناك من يملك ثروة كبيرة او يتمتع بألقاب علمية عالية او يشتغل كطبيب ناجح او ما يكسب من قضايا اذا كان محاميا او ما يؤلفه من الكتب اذا كان اديبا, كل هذه الامور هي نماذج لعلامات السعادة عند الانسان .

ولكن مع كل هذه الاختلافات نحتاج الى ان نشعر نحن بان المجتمع يحترمنا واننا غير محتقرين. وعندما نسمع عن احد التجار او احد الطلبة او احد الموظفين انه قد حاول الانتحار فان السبب الخفي لهذه المحاولات خوفه من الاحتقار . فان التاجر يخشى الافلاس والطالب يخشى الرسوب والموظف المختلس يخشى الفضيحة وهذه الخشية هي في النهاية، خشية الاحتقار الاجتماعي.

ان العيش الوفير يكفل لنا الكرامة الاجتماعية خاصة لو ابدينا المهارة فيه بحيث لا نحتاج او لانضطر الى انحراف او شذوذ يجلب علينا احتقار المجتمع وان احساسنا بالكرامة الاجتماعية هو ايضا وقاؤنا من الانحلال والاسراف والشطط بل من الشذوذ والاجرام. يعتقد احدهم ان كل الناس يميلون الى ارتكاب المخالفات والتجاوزات لولا انهم يخجلون. والخجل هنا هو الاحساس الاجتماعي بالاحتقار الذي يعود عليهم اذا شذوا او سقطوا.

هذا الاحساس بالكرامة يعم الناس في جميع الاعمار تقريبا ويحسبون ضرورته. فان الصبي الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة قد يبتئس ويحس ان الدنيا كلها حالكة اذا كانت امّه تهينه او تحتقره امام اخوته. وقد يضحي بكل شئ في سبيل استرداده لكرامته المجروحة، و يفعل ذلك باساليب طفولية . كأن يؤذي اخوته.

والحياة الزوجية السليمة هي احد الاركان الذي يدعم سعادة الانسان, لانها تكفل لنا نفسا سليمة من الكبت المؤذي . كما انها تجعلنا نحس بالكرامة الاجتماعية التي تنقصنا ما دمنا في العزوبة. وهناك الاف من الناس من يتزوجون بهدف تحقيق الكرامة الاجتماعية ليس الا.

وفي مجتمعنا الحاضر الذي يحفل بالطوارئ الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي والامراض المختلفة يحتاج كل منا الى هذا الحصن المأمون. وهو البيت الذي نجد في نظامه العائلي وفي جوه الحميم تتحقق الراحة النفسية والجسمية لجميع اعضائه.

وهناك ارقام لا يتطرق الشك اليها تدل على ان المنتحرين من العزاب اكثر بكثير من المنتحرين من المتزوجين. ودلالة هذه الحقيقة تحملنا على الاعتقاد بان الاعزب لا يستمتع بحياته ولا يجد لها جذورا تربطه بالحياة كما يجد المتزوج. ولذلك يسهل عليه تركها بالموت. ان وجود اسرة حسنة يسودها الوئام تعتبر ينبوعا للسعادة الحقيقية.

ولكن العائلة الحسنة هي تلك التي تنبني على عاطفة الحب. وليس بعيدا ان ينمو الحب بعد الزواج اذا لم يكن قد نما قبله، ولكن السعادة تكون مكفولة اكثر اذا كنا نجعل الحب اساس الزواج. ولا نتزوج الا بعد تعارف طويل نثق منه اننا نحب هذا الشريك الاخر الذي ننوي ان نعيش معه ونعاشره طيلة العمر.

ومما يفسد سعادة الحياة الزوجية في البيت، وجود الضرة او الحماة او كلتاهما.

والحماة سواء أكانت ام الزوج او الزوجة حتى لو كانت من فضليات النساء, لكن وجودها في الوسط العائلي , قد يحيل هذا الجو الى جحيم.

ان اعظم ما يكفل سعادة الانسان ان ينخرط في كفاح انساني نشيط يسعى الى عمل الخير

فان هذا الكفاح يكسبه الكرامة المتوخاة. التي يتحدث بها اليه ضميره، هذا النوع من الكفاح الراقي غالبا ما نجده عند القديسين والابطال والاحرار الذين قاوموا قوى الشر في مجتمعاتهم عبر التاريخ , انظر الى سيرة نبي الاسلام محمد (ص) , كيف انه واجه الصعاب و تحمّل الاهوال لكي يحقق غاية نبيلة جاء من اجلها, كانت رسالته السامية تهدف الى تهذيب الانسان الخام. لذلك كان سعيدا في شقائه وحرمانه, قاد جهاده العظيم من كوخ من الطين, وعاش ايامه العصيبة على التمر و كسرة الخبز, كل ذلك في سبيل ان يهدي بني قومه الى درب العقل, درب السعادة .

* مقتبس بتصرف من كتاب (فن الحب والحياة) للموسوعي سلامه موسى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here