قراءة في قصيدة ( هبوط أينانا من عالمها العلوي ) للشاعر يحيى السماوي

قراءة في قصيدة ( هبوط أينانا من عالمها العلوي ) للشاعر يحيى السماوي
يمتلك الشاعر السماوي براعة مدهشة في الابهار في الصياغة الشعرية , يعجنها ويشكلها وفق صياغاته الفكرية وفق معطيات الواقع في عيناته المتنوعة والمختلفة, يوظف الاسطورة لمعطيات الرمز الدال في العمق المعنى والمغزى , وينطلق في محاورة ومحاججة الاسطورة بفعل اليوم وليس بفعل الأمس , وهو ينطلق من العام الى الخاص في سفينته الشعرية التي يبحر بها في بحر الأسطورة , يستجلي منها المعاني والدرر الجوهرية في غاية الاسطورة ووجودها , ويخلق منها الشفرات الرمزية بالخلق والابتكار , أن تصنع ملحمتها من نسيج الواقع القائم , في رؤية فكرية شاسعة الآفاق , في رؤية معاصرة من عمق الاسطورة وجودها الدال . وينثرها على قاموس الواقع والوجود . ولكنه لم يتقيد بالمفاهيم التقليدية في تناول الاسطورة , فمن المتعارف عليه أن الالهة لا تنزل من بروجها العالية من العالم العلوي الى العالم الأرضي . بما هو متعارف عليه بأن الالهة ارقى من البشر في عالمهم العلوي , ولا يمكن ان ينزلوا الى مستوى البشر ووضعيته الدنيوية , ولا يهمهم عذابات اهل الارض ومظلوميتهم . من هذا المنطلق يستنجد الشاعر السماوي في محاججته الفكرية بالدعوة نزول الالهة حتى يعرفون معاناة اهل الارض على حقيقتها , وهو شديد الحذر في دعوته لم يدع رب الآلهة (أنليل ) الى النزول الى رعيته وسماع آهاتهم , لان دعوته ستسقط في الفراغ , بعدم اعطى الاذن الصاغية الى سماع مظلوميات الرعية على حقيقتها . وإنما دعى آلهة الحب والجمال والحكمة (إينانا ) ان تنزل من برجها العلوي الى عالم الأرض , رغم احتجاج رب الارباب ( أنليل ) على ذلك . هبوط ( إينانا ) من برجها العلوي الى العالم الأرض , هو أبعد فكرياً ورمزياً في المعنى والمغزى العميق , من سرقة ( بروميثيوس ) النور أو الضوء سرقها من الالهة ومنحها الى اهل الارض . ولكن الشاعر السماوي يتمادى اكثر في دعوته , في رؤيته الفكرية في معنى الالهة وعلاقتهم برعايتهم من اهل الارض . أن تكون العلاقة مثمرة بين الخالق والمخلوق , هذه الرؤية الفكرية من الدعوة , لكن ربما لم تخطر على ذهن شاعر من قبل , لم يكتف بنزول ( إينانا ) الى الارض وانما يلبسها ثياب عامة الشعب . هذا العمق الدال من الدعوة .
تـرتـدي ثـوبـاً مـن الـبـرديِّ والـعـشـبِ

وقـد أبـدَلَـتِ الـقُـبَّـعـةَ الـقـطـنَ

بـمـا تـحـمـلـهُ كـاهـنـةُ الـمـعـبَـدِ ..

والـمـشـحـوفَ بـالـهـودجِ .. (3)

واسْــتـغـنـتْ عـن الـقـزِّ

فـأضـحـتْ تـرتـدي الـعُـشـبَ وزهــرَ الأقـحـوانْ

دعوة آلهة الحب والجمال والحكمة ( إينانا ) ليس لكي ترتدي وتتزين بالياقوت والحرير والمحابس الياقوتية , ليس لكي تكتنز الذهب والدولار والمكحلة الفضية والعقد الموشى بعقيق الدرر والتبر . ليس لكي تحكم بصولجان الظلم والاجحاف , وانما نزولها لخير البشر وأهل الأرض بعدما طفح الكيل بالمظلوميات , بعدما أصبحت معادلة ضيزى هي الناموس والشريعة والقانون . بعدما سيطر على الارض عهر السلاطين السمان والخراتيت , وانحسروا في بروجهم الياقوتية , بعدما اصبحوا سلاطين العهر يسبحون في بحيرة الدولار والياقوت والتبر , بعدما حرموا الرغيف على الفقراء وانصرفوا إلى اللذات الشهوانية والتعالي والغطرسة . بعدما اصبحت صولجانا تهم تجلد الظهور الرعية بالجراح , بعدما اعتلوا جبروت القوة الوحشية ( انا القصير والقيصر أنا ) لكي يفهموا ان هذا الجبروت والقوة المتسلطة ماهو إلا وهم مخادع , وما هم إلا ضعفاء وجبناء عندما يستقيم ميزان العدل. لا يتماهوا بأنهم قتلوا الوحش ( خمبابا ) ولكن تقمصوا روحه وجسده واصبح ربهم الاعلى , أن نزول ( إينانا ) لكل من خان العهد والامانة , ولكل من سرق بيت المال , فأصبحت اسنانهم كأسنان التماسيح . ان نزول ( إينانا ) الى العالم الأرضي , من اجل فرز الصدق والكذب , فرز الحقيقة والزيف . فرز بين الله رب العالمين وألاصنام المزيفين .

هذا النمير الشعري المتدفق بضيائه العالي , بأن الشاعر يحيى السماوي يدلل ليس هناك خلاص إلا دين العشق والجمال والخصب , يتنور بنور الله ومحبته , وليس بظلام الشيطان ومكره الثعلبي . هذا التوظيف الشعر لدلالات الرمزية البليغة في الضوء البانورامي الذي يسلط على واقع سومر واوروك الجديدة .

وهذا نص القصيدة :

هبوط أينانا من عالمها العلوي

ورحيل أنكيدو الى اللامكان

(1) هبوط اينانا

هَـبَـطـتْ مـن بُـرجِـهـا الـعـلـويِّ ” إيـنـانـا ” (1)

احـتِـجـاجـاً

ضـدَّ ” أنـلـيـلَ ” ومـا يـكـنـزُ مـن تِـبـرٍ

ومـالٍ وقِـيـانْ

*

وريـاشٍ فـي رِحـابِ ” الـمـعـبـدِ الأخـضـرِ ”

فـي وادي الـيَـتـامـى ..

والــمُــرائـيـنَ الــمُـصَـلِّـيـنَ أمـامَ الـنـاسِ

جَـهـراً ..

ووراءَ الـسُّـورِ مـا نـالَ امـرؤُ الـقـيـسِ مـن الـلـذةِ

مـن زادٍ وكـأسٍ ونـدامـى

وغَــوانْ

*

هَــبَـطَــتْ مـن بُـرجـهـا الـعـلـويّ

أنـثـى

مـثـلَ بـاقـي الأنـثَـيـاتِ الـغِـيـدِ

إلآ أنـهـا لـم تـكُ مـن طـيـنٍ

فـقـد كـانـتْ مـن الإبـريـزِ والـمـاءِ (2)

وزَهــرِ الــزُّعْــفُــرانْ

*

تـرتـدي ثـوبـاً مـن الـبـرديِّ والـعـشـبِ

وقـد أبـدَلَـتِ الـقُـبَّـعـةَ الـقـطـنَ

بـمـا تـحـمـلـهُ كـاهـنـةُ الـمـعـبَـدِ ..

والـمـشـحـوفَ بـالـهـودجِ .. (3)

واسْــتـغـنـتْ عـن الـقـزِّ

فـأضـحـتْ تـرتـدي الـعُـشـبَ وزهــرَ الأقـحـوانْ

*

لـم تـقُـلْ شُــكـراً لِـيـاقـوتٍ

ولا أفٍّ لـفـقـرٍ

رمَـتِ الـمِـكـحَـلـةَ الـفِـضَّـةَ

والـعِـقـدَ الـمُـوشَّـى بـعـقـيـقٍ

ورمَـتْ بـالـصَّـوْلَـجـانْ

*

جـابَـتِ الأحـيـاءَ

تَـسـتـقـرئُ حـالَ الـنـاسِ فـي أوروكَ

فـي عـهـدِ الـسـلاطـيـن الــسِّــمـانْ

*

فـرأتْ ما لـمْ يَـرَ الآلـهـةُ الأعـلـونَ :

أكـواخـاً مـن الـبـرديِّ والـطـيـنِ ..

قـصـوراً ..

وقـلاعـاً ومَـغـانْ

*

وجَـدَتـنـي ألـعَـبُ الـنـرْدَ

وأحـسـو مـن مُـضـاغِ الـعَـسَـلِ الــمُــرِّ كـؤوســاً (4)

تـائـهـا أبـحـثُ عـنـي فـي فـصـولِ الـلامـكـانْ

*

أخَـذَتْـنـي مـن تـلابـيـبِ قـصـيـدي

أسْــكَـنَـتْـنـي

فـي مـكـانِ الـلازمـانْ

*

أدخَـلَـتْـنـي ســبـعَ واحـاتٍ

وقـالـتْ:

لـكَ مـنـهـا مـا تـشــاءُ

الـزرعُ والـضَّـرعُ

ومـا فـي داخـلِ الأرضِ وفـوقَ الأرضِ

إلآ

ما عـلـى الأرضِ مـن الـغِـيـدِ الـحِـسـانْ

*

فـأنـا رغـمَ هـبـوطـي مـن سَــمـاواتـي الـى الأرض

فـلا زلـتُ عـلـى طـبـعـيَ:

لا أقـبَـلُ أنْ تُـشْــرِكَ بـيْ أخـرى

ولـو كـانـتْ يـواقـيـتَ ودُرَّاً وجُـمـانْ

*

كـلُّ مَـنْ يـنـكـثُ عـهـداً بـالألــوهِــيَّــةِ

قـد أبـدَلَ بـالـعـزِّ الـهَـوانْ

*

لا يَـغـرَّنَّـكَ أنْ أنـتَ قـتـلـتَ الـوحـشَ ” خـمـبـابـا ” (5)

فـمـا زلــتَ ضـعـيـفـاً ..

أنـتَ لا تـمـلـكُ أنْ تـمـسـكَ خـيـطـاً مـن دُخـانْ

*

فـاحْـتـرسْ مـن حِـلـمِ ” إيـنـانـا ”

إذا حـارسُـهـا الأرضـيُّ خـانْ

*

قـلـتُ:

يـامـولاتـيَ الـمـعــصـومـةَ الـلـذّاتِ

ســمـعـاً وامْـتـنـانْ

*

فـأنـا أتـعَـبَـنـي الـلـهــوُ

فـلا ” شـامـاتُ ” تـغـويـنـي كـمـا فـي الأمـسِ

أمـسـيـتُ نـدامـايَ قـصـيـدي

وأنـيـسـي الـبـحـرُ والـوردُ

وغـابُ الـسـنـديـانْ

*

رفـعـتْ سُــبّـابـةَ الـيُـمـنـى

وقـالــتْ:

قـبـلَ أنْ تـدنـوَ مـن بـحـرِ قـصـيـدٍ

حَـدِّدِ الـقـصـدَ

فـشِـعـرٌ دونَ قــصــدٍ طـاهـرِ الـنِّـيَّـةِ

ضَـربٌ

مـن ضـروبِ الـهَـذَيـانْ

*

وأضـافـتْ:

يـذكـرُ الآبـاءُ والأجـدادُ

أنَّ الـنـاسَ فـي أوروكَ كـانـوا

” عـروةَ بـن الـوردِ ” فـي الـغُـنْـمِ (6)

وصَـحـنـاً واحـداً فـي الـقـحـطِ

كـلُّ الـنـاسِ كـانـوا واحـداً فـي رزقِ بـيـتِ الـمـالِ

راعـي الـشـاةِ والـوالـي

ونـجـلُ الـراهــبِ الــقــسِّ

ونـجـلُ الـزّبْـرقـانْ (7)

*

فـلـمـاذا أصـبـحـوا الان كـأسـنـانِ الـتـمـاسـيـحِ

وكـانـوا مِــثــلَ مِــشــطٍ ؟ (8)

حـانَ وقـتُ الـفـصـلِ بـيـنَ الـصـدقِ والـزيـفِ

وبـيـن الله والأصـنـامِ

حـانْ

***

يحيى السماوي

…………………

القصيدة من مجموعتي الجديدة (فراديس إينانا) التي ستصدر مطلع العام الجديد بإذن الله .

(1) إينانا إلهة المطر والخصب والحكمة والحب والجنس .. وإنليل رئيس مجمع الآلهة في ملحمة كلكامش .

(2) الإبريز: الذهب الخالص .

(3) المشحوف: زورق رشيق يصنع من قصب البردي، سومري الأصل، يستخدم للصيد والتنقل بين الأهوار.

(4) العسل المرّ: مصطلح كنت أطلقه على الخمر في شبابي .

(5) خمبابا: وحش غابة الأرز القويّ الذي كان يرعب مواطني أوروك.

(6) عروة بن الورد: أمير الصعاليك ونصير الفقراء القائل:

أوزّع جسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء والماء بارد .

(7) الزبرقان: صحابي جليل واسمه الحصين بن بدر التغلبي . والمراد في المقطع أن الناس كانوا متساوين في الحقوق فلا فرق بين ابن نصراني وابن صحابي أو بين مذهب وآخر .

(8) إشارة الى القول المنسوب للإمام جعفر الصادق “ع “: الناس سواءٌ كأسنان المشط ” .

جمعة عبدالله

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close